توالت ردود الفعل المتباينة في الصحافة البريطانية الصادرة اليوم بشأن الانسحاب المفاجئ للقوات الروسية من سوريا وأسبابه وتداعيات ذلك على محادثات السلام في جنيف.

فقد أشار مقال صحيفة إندبندنت إلى أن روسيا برزت من المغامرة السورية قوة محورية في الشرق الأوسط، ووضعت حدا لفكرة إمكان عزلها دبلوماسيا. ويرى الكاتب ألكسندر تيتوف أن هناك أربعة أسباب وراء انسحاب روسيا من سوريا.

أولها: التطلع لأعلى، بمعنى أن الكرملين منذ البداية كان لديه مجموعة أصغر من الأهداف وهدف أكبر. وكانت الأهداف الصغرى هي تحقيق الاستقرار لنظام الأسد الذي كان يفتقده بشدة في ذاك الوقت، كما أن الكرملين كان يرمي للاعتراف به لاعبا محوريا في الشرق الأوسط وقوة عالمية على قدم المساواة مع الولايات المتحدة.

وكان الهدف الأكبر هو تحويل تيار العلاقات الروسية مع الغرب بعد تدميرها بسبب الأزمة الأوكرانية، على أمل أن الخطر المشترك من تنظيم الدولة سيدفع الغرب للتغلب على وساوسه في التعامل مع منتهك حرمة أوكرانيا ويشكل تحالفا جديدا ضد التنظيم. وكان هذا هو محور خطاب الرئيس فلاديمير بوتين في الأمم المتحدة عشية بداية الحملة الجوية في سوريا، حيث عقد مقارنة بالتحالف ضد النازية في الحرب العالمية الثانية.

والسبب الثاني العلاقة الناجحة، أي أن التنسيق المشترك للحملة الجوية الروسية مع الجيش السوري وحلفائه، إيران وحزب الله، ساعد في ترسيخ الهدف البعيد المدى للروس لتعطيل طرق الإمداد ومستودعات التخزين والبنية التحتية للثوار، كما ساعد هذا التحالف في شن سلسلة من الهجمات الناجحة.

القاعدة الجوية الروسية الجديدة قرب اللاذقية (أسوشيتد برس)

وثالث أسباب الانسحاب الحوار، فقد تجددت العملية الدبلوماسية التي كانت تهدف إلى تقسيم المعارضة إلى معسكرين كبيرين؛ أولئك المقبولين في المفاوضات، والمرفوضين (تنظيم الدولة والقاعدة). وقد كرس جزء كبير من المفاوضات الأولية مع الولايات المتحدة لوضع قائمة بجماعات المعارضة ومواقعها، وعندما أُعلن وقف الأعمال العدائية كان لدى الروس والأميركيين فكرة واضحة عمن شمله وقف إطلاق النار وأماكن وجودهم.

وكان الجزء الأخير في اللغز أن يقرر بوتين كيفية التعامل مع بشار الأسد، فجاء إعلان الانسحاب العسكري من سوريا بأنه سيساعد في ترسيخ وجهة نظر الكرملين داخل روسيا بأن الأسد ليس لديه شيك على بياض من الروس، وسيتعين عليه أخذ محادثات السلام على محمل الجد، خاصة بعد أن أطلق الأسد رسالة في فبراير/شباط 2016، أثناء المفاوضات الدبلوماسية الروسية الأميركية، أعاد فيها تأكيد عزمه على استعادة كل سوريا، مما دفع الدبلوماسيين الروس لتوجيه توبيخ مهذب له.

والسبب الرابع هو منظور أوسع، فبانسحابه الرسمي أثناء وقف إطلاق النار الذي كان هو نفسه العقل المدبر له، وعلى خلفية المكاسب العسكرية الهامة يستطيع بوتين سحب قواته برأس مرفوعة. وبعد أن أثبت خطأ منتقديه وأظهر قدرة روسيا العسكرية (بأسلحتها الجديدة التي تمثل إعلانا تجاريا كبيرا لأي مشتر للأسلحة الروسية) يستطيع بوتين الآن التركيز على الجانب الدبلوماسي لعملية السلام، المجال الذي تتفوق فيه موسكو عادة.

أما افتتاحية ديلي تلغراف فقد وصفت الانسحاب الروسي من سوريا بالمناورة وأنه يكشف مخاطر تقاعس الغرب، وقالت إن الزعيم الروسي تصرف بوضوح وحسم بينما تردد الآخرون.

لكنها أردفت بأن هذا ليس معناه الثناء عليه، وأنه لمجرد الإشارة إلى مخاطر هذا التردد الغربي -كما قال وزير الخاريجة البريطاني فيليب هاموند في مجلس العموم أمس الأول- يمكن الإشادة بقصف المدنيين وتدمير المدارس والمستشفيات.

من جانبها اعتبرت افتتاحية فايننشال تايمز خطوة بوتين انتصارا أجوف، وأن التدخل العسكري الروسي لم يفعل الكثير لوقف الحرب الأهلية، وشككت في الحجم الحقيقي للانسحاب.

وقالت إنه رغم سحب موسكو الطائرات الحربية وبعض الأسلحة الأساسية فإن قاعدتها البحرية في طرطوس والقاعدة الجوية الجديدة قرب اللاذقية تعطيها القدرة على إعادة تأكيد نفسها إذا ما انقلبت الأحداث ضد بشار الأسد عميلها القديم.

المصدر : الصحافة البريطانية