قندهار مهد طالبان يلفها الظلام
آخر تحديث: 2015/5/10 الساعة 13:41 (مكة المكرمة) الموافق 1436/7/21 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2015/5/10 الساعة 13:41 (مكة المكرمة) الموافق 1436/7/21 هـ

قندهار مهد طالبان يلفها الظلام

تبلغ طاقة سد كاجاكي حوالي 33 كيلواطا تحصل قندهار على نحو ثلثها (أسوشيتد برس)
تبلغ طاقة سد كاجاكي حوالي 33 كيلواطا تحصل قندهار على نحو ثلثها (أسوشيتد برس)

بعد حوالي السنة من انسحاب القوات الأميركية، وداخل ثكنة عسكرية أميركية بقندهار في أفغانستان، يرى المرء مولدات كهربائية متوقفة عن العمل، وأسلاكا شائكة، لا تزال تحيط بالمكان، والجدران المقاومة للانفجار ما زالت قائمة، خارج الثكنة. أما المصانع التي كانت تعتمد على الكهرباء لتشغيلها، فهي معطلة أو على شفا الإغلاق.

هذا المشهد هو بقايا واحد من الأهداف التي عملت عليها الولايات المتحدة في أفغانستان للتصدي للثوار الأفغان، ألا وهو إنارة قندهار المدينة الإستراتيجية جنوب أفغانستان، والتي هي مهد طالبان.

لكن، وبعد ما يقارب من عام من إخلاء القوات الأميركية لهذه القاعدة وتسليمها لقيادة أفغانية, فإن المشروع الأميركي لتوليد الكهرباء وتعزيز الاقتصاد الأفغاني -والذي فاقت تكلفته ثلاثمائة مليون دولار- ذهب أدراج الرياح.

ومع تراجع الحضور الأميركي والذي نتج عنه أيضا انخفاض ضخ المعونات المالية الأميركية، فإن الحكومة الأفغانية التي تعاني أزمة مالية، غير قادرة على تأمين قطع الغيار والوقود للمولدات الكهربائية التي وضعتها الأميركيون، وبالتالي باتت قندهار في ظلام دامس مما يثير أسئلة حول استقرار المدينة وإن كانت الأموال الأميركية قد أنفقت بشكل مناسب.

انسحاب القوات الأميركية أدى لانخفاض المعونة المالية الأميركية لأفغانستان (غيتي)

مصاعب صناعية
قبل سنة من الآن، كان الأوضاع أكثر استقرارا حيث كانت بعض المناطق تزود بالتيار الكهربائي من 12-16 ساعة في يوميا، أما اليوم ومنذ نحو أسبوع فالتيار الكهربائي في حالة انقطاع تام وفقا لما يقوله المسؤولون المحليون والسكان.

وفي هذا السياق، قال روح الله نوري مدير تسويق شركة هارات آيسكريم المجاورة للقاعدة العسكرية "نواجه صعوبات من أجل الحفاظ على شركتنا، فاستمرار عملنا يعتمد على الكهرباء".

وفي محيط المدينة، أغلقت بعض المشاريع التجارية أبوابها أو خفضت نشاطها نظرا لشح الكهرباء, وهذا أدى لارتفاع البطالة وولد حالة من السخط على الحكومة المركزية, فأسعار المواد الأساسية في ارتفاع ويعود ذلك جزئيا للكلفة العالية للوقود اللازم لتشغيل المولدات.

لقد أدت هذه الصعوبات إلى معاناة يومية حتى بات البعض يحن لأيام حكم طالبان، وفي هذا السياق يقول سلطان محمد الذي كان يجلس في محله شبه المظلم دون أن يستطيع  تبريد المشروبات الخفيفة "كان لدينا في عهد طالبان كهرباء, أما اليوم فنحن نعيش أسوأ أيامنا على الإطلاق بدون كهرباء". واستطرد يقول: هنا ولدت طالبان.

ويخشى المسؤولون المحليون والمحققون من الحكومة الأميركية خاصة من وجود تبذير بالمشاريع الممولة أميركيا. كما يخشى أن تستغل طالبان اليأس بين السكان المحليين لتجنيدهم في صفوفها مما سيطيح بالمكاسب التي تحققت في مجال الأمن, أو عودة العاطلين عن العمل لزراعة نبات الخشخاش الذي يستخدم في صناعة المخدرات، أو ارتكاب الجرائم، مما يعزز من تجارة المخدرات، وبالتالي القضاء على هدف أميركي رئيسي آخر.

وفي هذا السياق، يقول المدير الإقليمي لسلطة الكهرباء الحكومية، إن تفاقم الوضع الأمني في قندهار سيؤثر على كل أفغانستان، ويضيف سيد رسول "فطالبان ولدت هنا، وكل الثورات بدأت من هنا".

يُذكر أن فترة آخر عقد سبعينيات القرن الماضي تمتعت فيها قندهار (ثاني أكبر مدن أفغانستان) بانسياب طبيعي للتيار الكهربائي على مدار اليوم.

ساحة قتال
وبعد الإطاحة بطالبان عام 2001، شهدت المدينة نموا بالاقتصاد نتيجة انهمار العقود الأميركية الكبيرة وارتفاع الحاجة للتيار الكهربائي, وبحلول عام 2011 كانت هلمند ساحة قتال مما أدى لكثرة انقطاع التيار الكهربائي من سد كاجاكي الذي كان حتى أيام السلام يزود ما مجموعه 33 كيلواطا كانت تتقاسمه عدة مناطق، وتحصل قندهار على نحو الثلث وفقا لمسؤولين في قطاع توليد الكهرباء.

وفي تلك السنة، جعل القادة العسكريون الأميركيون ومسؤولو الإغاثة من تزويد قندهار بالكهرباء هدفا رئيسيا ذا أولوية عظمى في مكافحة التمرد، على أمل تعزيز الثقة بالحكومة وقدرتها على توفير الخدمات الأساسية، ومن جهة أخرى تخفيف الدعم الشعبي.

نقص الكهرباء يسبب البطالة التي يُخشى أنها تدفع العاطلين للعودة لزراعة الخشخاش (أسوشيتد برس)

وقد أنفقت القوات الأميركية ما مجموعه 143.5 مليون دولار لبناء محطتي توليد كهرباء تعملان بالديزل، كما خصصت بعد عام 2011 حوالي 139.6 مليونا مبلغا إضافيا لتوفير الوقود والصيانة، وأنفقت الوكالة الأميركية للتعاون والتنمية الدولية الممولة من واشنطن 24.4 مليونا لإقامة مولدات أصغر حجما وإعادة تأهيل أخرى.

ويوفر مشروع الكهرباء بالمقام الأول التيار للأعمال التجارية ولنحو نصف المدينة، ولكن ليس على مدار الساعة, وما زال بقية السكان يعتمدون بدرجة كبيرة على سد كاجاكي.

ومنذ يونيو/حزيران الماضي، بدأت القوات الأميركية بخفض إمداداتها  تدريجيا من الوقود كل شهر, وباتت تلك المواقع توفر التيار الكهربائي بما يبلغ أسبوعا فقط شهريا, ولكن دون أن يذهب منها شيء لسكان المدينة وفق ما يقوله مسؤولو سلطة الطاقة. ومن المقرر انتهاء تمويل المشروع في سبتمبر/أيلول. ويقول العسكريون الأميركيون إنه لا توجد خطة لإعادة تجديد المشروع ما يثير القلق حول كيفية إمداد المدينة ومصالحها التجارية بالكهرباء بعد ذلك.

مدينة مولدات
تعتبر قندهار في الوقت الحاضر مدينة مولدات كهربائية، وتراها تنتشر بالمشاريع التجارية والمحلات والمباني الحكومية، وبعضها بحجم السيارة، تمد المجمعات التجارية بالكهرباء, بينما يسود الظلام المناطق الأفقر حيث تضاء البيوت والدكاكين بوسائل بدائية تعود لقرون خلت.

يقول مسؤولون رفيعون بالحكومة المحلية ومؤسسة الطاقة القومية إنهم حثوا الجيش الأميركي ومسؤولي الإغاثة -خلال مقابلاتهم معهم- على توفير مصدر طاقة كهربائية مستدامة، وبهذا السياق قال حاكم الولاية توريالي ويزا "هناك بدائل لتوليد مصدر طاقة دائم كالرياح والماء والفحم الحجري, ولو استخدمنا المال الذي أنفق على المولدات لأمكننا إيجاد نظام توليد الكهرباء من الطاقة الشمسية".

من جهة أخرى، اعترف العقيد ألان ويبستر، مدير التنسيق الهندسي للقوات الأميركية بأفغانستان، بأن المسؤولين الأفغان حثوا على التفكير في خيارات توفر الكهرباء مدة أطول, ولكن القيام بمشاريع طاقة على نطاق واسع يحتاج وقتا وموارد مالية أكبر, ودافع عن مبادرة تزويد الوقود بوصفها حلا مؤقتا يمكنه زيادة طاقة الكهرباء لحين إنجاز الحل الدائم.

لكن، ويبستر قال إن الجيش الأميركي يؤمن بوجود خيارين آخرين لتزويد قندهار بمزيد من الكهرباء يتمثل في تركيب مولد توربيني ثالث على سد كاجاكي، وإقامة خط تحويل للوصل ما بين شبكات كهرباء شمال وجنوب البلاد, ولكن هذه المشاريع تكلف دافع الضرائب الأميركي نحو 745 مليون دولار وتحتاج سنوات للانتهاء منها.

وحتى ذلك الحين، لا يوجد حل دائم لمعضلة الكهرباء في قندهار، معقل حركة طالبان.

المصدر : واشنطن بوست

التعليقات