توبي كادمان*

لا يمكن السماح لمصر بالاستمرار في أفعالها في غزة بدون رقيب تحت ذريعة واهية وهي الحرب على الإرهاب.

إن التزام أي دولة بحكم القانون ومبادئ الديمقراطية يقاس بمدى حرصها على تقليص الحصانة من العقاب وعملها على جلب المتورطين بجرائم شنيعة إلى العدالة. وهذا هو بالضبط ما يجب على المدعي العام في المحكمة الجنائية الدولية فعله في ما يتعلق بمصر ودورها في ارتكاب فظائع بحق الفلسطينيين.

إطار العمل هو نفسه الذي يُتّبع بحق الأفراد، ولكن على نطاق أوسع بطبيعة الحال. عندما تتصرف الدولة بشكل غير لائق ولا تجد رادعا يردعها يكون الإفلات من العقاب أمرا واقعا رغم قبحه.

عندما لا يقف أحد بوجه أولئك الذين يرتكبون الفظائع فإن ذلك سيفهم على أنه رسالة بالاستمرار بتلك الأعمال الشنيعة وتأكيد على أن أفعالهم سوف يُغض البصر عنها، ولا يمكن أن يفهم من هذا الموقف سوى أنه رخصة ضمنية، وعليه فإن كل من اختار عدم القيام بالمساءلة سوف يكون شريكا في تلك الأفعال.

إن الموقف لا يختلف كثيرا إن كان المتهم فردا أم دولة، ولسوء الحظ فإن هذا هو ما نراه أمامنا عندما ننظر إلى الحالة المصرية والخطوات التي اتخذتها الدولة هناك منذ إزاحة الرئيس المصري السابق محمد مرسي.

سياسة متحجرة
إن القضايا التي كان على المجتمع الدولي إثارتها مع مصر كثيرة، مثل مذبحتي رابعة العدوية وساحة النهضة والمحاكمات الجماعية وأحكام الإعدام بحق المعارضين السياسيين. كل هذه قضايا كان يجب أن تواجه بإدانة واضحة وإجراءات مناسبة. ولكن لسوء الحظ لم يحدث ذلك لحد الآن.
 
وهناك أيضا قضية لم تعط حقها من التغطية الإعلامية المناسبة ألا وهي السياسة المتحجرة والقاسية تجاه الحدود مع قطاع غزة.
   
في 25 يناير/كانون الثاني تقدمت المنظمة العربية لحقوق الإنسان في بريطانيا ببلاغين لمكتب المدعي العام في المحكمة الجنائية الدولية، طالبت فيهما بفتح تحقيق رسمي في قضيتين منفصلتين.
 
القضية الأولى تتعلق بإغلاق معبر رفح الحدودي خلال وبعد انتهاء "عملية الجرف الصامد"، الأمر الذي تسبب بمعاناة كبيرة للمدنيين وساهم في تفاقم وضع إنساني متأزم أصلا.

أما البلاغ الثاني، فيتعلق بقضية "إغراق" المنطقة الحدودية والتي تعرف باسم محور فيلادلفيا بمياه البحر. وتبرر مصر فعلتها بأنها بحاجة لخلق "منطقة عازلة" وهي خطوة لها بعدها الأمني.
 
إلا أن الحقيقة هي أن الأراضي التي أغرقت هي أراض زراعية تعاني من ضرر دائم، وأن إغراقها يؤدي إلى تلوث المياه الجوفية التي يعتمد عليها جزء كبير من الغزيين في تأمين مياه الشرب، وبالتالي فإن ذلك التصرف له عواقب وخيمة على السكان المدنيين، والقيام بمثل هذه الفعلة هو بلا شك جريمة ضمن اختصاص المحكمة الجنائية الدولية إذا أخذنا بنظر الاعتبار النية من وراء الفعل.

إن هاتين القضيتين تعتبران مثالين على الحصانة التي تعتقد مصر أنها تتمتع بها وتتصرف على أساسها. عشرات إن لم يكن مئات الآلاف من المدنيين في غزة تضرروا من تلك السياسات التي لها آثار بعيدة المدى.

ضرر لا يمكن إصلاحه
من غير شك أن هذه الأفعال ستوقع ضررا غير قابل للإصلاح ويمكن القول إنه سيؤدي إلى إعلان غزة منطقة غير صالحة للعيش حتى قبل التاريخ الذي توقعته الأمم المتحدة عام 2020.
 
لا يمكن للمجتمع الدولي أن يبرر سياسة غض البصر التي ينتهجها أو أن يتظاهر بعدم المبالاة تجاه مصر والجرائم التي ترتكبها.
 
من المتوقع أن يقوم مدعي المحكمة الجنائية الدولية اتو بينسودا بوصفه الحارس الأعلى للعدالة الدولية بالاستجابة للطلب وفتح تحقيق رسمي في تلك الأحداث. وبينما يحدونا الأمل في تحقيق النتائج المرجوة، فعلينا أن نعترف أن مصر ليست من الدول الموقعة على معاهدة روما.

إلا أن النتائج مثمرة من الجانب الفلسطيني بفضل إعلان السلطة الفلسطينية انضمامها عام 2014 إلى معاهدة روما، وهذا سوف يمكننا من القول إن المحكمة الجنائية الدولية يمكنها النظر في القضية على أساس أن مسرحها أراض تابعة لأحد الموقعين على معاهدة روما.
 
لا يمكن الاستمرار بالسماح لمصر بالتصرف بدون مساءلة تحت ذريعة واهية وهي الحرب على الإرهاب، بينما في حقيقة الأمر هي محاولات لاستئصال أولئك الذين قد يسعون لمعارضة النظام الحاكم في مصر.

نحن لا نقول إن مصر لم تتعرض لأحداث إرهابية، بل إن الأمثلة على ذلك واضحة، إلا أن ذلك ليس مبررا لارتكاب أفعال تساهم في تفاقم وضع مريع يعاني منه سكان غزة.
 
إن إغلاق معبر رفح تسبب في منع هروب الآلاف من جحيم المعارك خلال عملية الجرف الصامد، ونتيجة لذلك حرم الآلاف أيضا من الوصول إلى الخدمات الطبية التي كانوا بأمسّ الحاجة إليها.
 
آلاف الأطنان من المساعدات لأهل غزة منعت من العبور إلى القطاع حيث كان الناس بأمس الحاجة إليها، والأقسى من ذلك هو تمزيق وتفتيت شمل العوائل التي بقي أفرادها عالقين على الجانب الآخر من المعبر أثناء الحرب.

وكما أسلفنا فإن مثل هذه الأفعال لا يمكن أن تستمر بدون حساب، ولكن المجتمع الدولي قوي في توجيه الخُطب وضعيف عندما يتعلق الأمر بالأفعال.

هناك شعور واضح بأن دولا معينة تكون عادة هدفا سهلا للمجتمع الدولي ليصب جام غضبه عليها، بينما هناك دول تمتلك سجلا مخزيا في مجال حقوق الإنسان ولكنها تُمنح الفرصة لتفعل ما يحلو لها.

ما من شك في أن المحكمة الجنائية الدولية لا يمكنها أن تكون شرطي العالم، خاصة أن ولايتها محددة بالدول التي وقعت على معاهدة روما. ولكن مع ذلك، على المحكمة أن تحرص على القيام بعملها متى أتيحت لها الفرصة، وبذلك سوف تكون قد أوفت بالتزاماتها في تحقيق العدالة الدولية كلما كان الظرف مواتيا لمحاكمة كل من يرتكب تلك الجرائم الشنيعة.

-------
* متخصص في القانون الجنائي الدولي وعضو مكتب الجنايات الدولية في لاهاي

المصدر : الجزيرة