حاورها: عبد الرحمن محمد

اعتبرت مسؤولة الملف المصري في منظمة هيومن رايتس مونيتور، سلمى أشرف، أن عام 2015 هو الأسوأ على مستوى حقوق الإنسان إجمالا في مصر منذ ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011.

وأشارت في حوار مع الجزيرة نت إلى أن عام 2015 شهد ارتفاع معدلات القتل خارج إطار القانون، وزيادة عدد المختفين قسريا ومعدلات الانتهاكات بحق المعتقلين في السجون وأماكن الاحتجاز، ودخول أشكال جديدة من الانتهاكات لم تكن موجودة في السابق.

وفي ما يأتي نص الحوار:

بداية.. نريد وصفا إجماليا للحالة الحقوقية في مصر منذ ثورة يناير 2011؟

تصورنا فور قيام الثورة وتنحي الرئيس حسني مبارك والاستجابة لبعض مطالب الثوار أن يتحسن الوضع الحقوقي، فالثورة كانت تطالب بالحرية والديمقراطية واحترام الكرامة الإنسانية؛ إلا أن حقيقة الوضع كانت مغايرة تماما لذلك، ففترة الحكم العسكري الانتقالية جاءت مليئة بالقتل والسحل وإهدار حقوق الإنسان.

كذلك العام الذي جاء فيه محمد مرسي رئيسا، شابه أيضا العديد من انتهاكات حقوق الإنسان رغم أنها كانت التجربة الديمقراطية الأولى، لكن ما شهدته البلاد بعد ذلك جعل تلك الفترة تبدو الأكثر احتراما لحقوق الإنسان.

فبعد الإطاحة بمرسي تم قتل آلاف المتظاهرين، وأحرقت جثث مواطنين، واعتقل الآلاف من الشوارع، وقتلت نساء وأطفال، وأصبحنا نعيش في مصر ما يشبه حياة الاحتلال في الدول التي خاضت حروبا فخسرت، ولا زال الوضع الحقوقي في انهيار متزايد وغير مسبوق.

تنوعت الانتهاكات الحقوقية منذ الثورة وخاصة خلال فترة ما بعد انقلاب 3 يوليو/تموز 2013.. ما أشد تلك الانتهاكات وكيف تعاملتم معها كمنظمة حقوقية؟

أشد الانتهاكات التي واجهتنا وكانت صادمة لنا، هي الحرمان من الحق في الحياة في فض اعتصامي رابعة العدوية والنهضة، الذي قتل فيه الكثير من الأبرياء العزل برصاص الجيش وقوات الأمن المصرية في يوم واحد، والذي لم يحاسب أحد عنه حتى هذه اللحظة.

يلي ذلك حالات القتل داخل السجون نتيجة التعذيب أو الإهمال الطبي المتعمد، الذي نعتبره قتلا بطيئا ونحمّل الحكومة المسؤولية الكاملة عن كل من قتلوا داخل السجون وتخطى عددهم 360 حالة.

ومن ضمن أبشع الجرائم التي ارتكبت اغتصاب الفتيات المتكرر والتحرش الجنسي داخل السجون وأماكن الاعتقال، وتعرض الأطفال للتعذيب الجنسي.

انقسمت السنوات الخمس التي تلت الثورة إلى ثلاث فترات رئيسية: المجلس العسكري وحكم محمد مرسي ثم فترة ما بعد الانقلاب. ما سمات كل فترة من حيث الوضع الحقوقي؟

فترة المجلس العسكري كانت قمعية وشكلت امتدادا لحكم مبارك، بل شهدت في بعض الأحيان بطشا أكبر مما شهدته فترة مبارك، كذلك شهدت فترة حكم محمد مرسي انتهاكات لحقوق الإنسان وقمعا للتظاهرات، إلا أنها كانت الأفضل بين الفترات الثلاثة حيث كانت الحكومة تستجيب لمطالب الأمم المتحدة، وخلال هذه الفترة تواصلنا مع برلمانيين واستطعنا مناقشة قوانين جديدة على الصعيد الحقوقي، وبدا أن عمل المجلس القومي لحقوق الإنسان يسير بشكل أفضل بكثير من الفترة السابقة.

لكن الفترة الأسوأ على الإطلاق من حيث كمُّ الانتهاكات وعدم مقدرتنا كحقوقيين ومنظمات حقوقية من التعامل معها، هي الفترة التي تلت 30 يونيو/حزيران 2013، إذ انعدمت فيها كل معاني حقوق الإنسان دون حساب ولا مساءلة عن أي جريمة ارتكبت منذ ذلك الوقت وحتى الآن.

كيف تنظرون إلى الأحوال الحقوقية خلال عام 2015 مقارنة بما سبقها من أعوام؟

عام 2015 هو الأسوأ من حيث الأوضاع الحقوقية مقارنة بالأعوام التي سبقته، ونحن من كثرة الانتهاكات لم يعد بمقدرونا حصرها أو إيقافها أو حتى عمل حملات خاصة بكل من يتعرض لانتهاك حقوق الإنسان، في هذا العام أصبحنا نستيقظ يوميا على أخبار قتل لمعتقلين أو لمتظاهرين أو حتى لأشخاص داخل منازلهم، فضلا عن أخبار التعذيب وانتهاكات السجون.

هل لديكم إحصاءات موثقة بشأن انتهاكات وقعت خلال عام 2015؟

وثقت منظمتنا خلال 2015 حالات قتل خارج إطار القانون وصلت إلى 440 حالة، تنوعت ما بين حالات قتل ناتجة عن التعذيب أو الإهمال الطبي أو القتل المباشر، كما وثقت المنظمة صدور 848 حكما بالإعدام في تسع قضايا وتنفيذ سبعة أحكام إعدام أخرى.

كما شهد العام خمسة آلاف حالة محاكمة عسكرية لمدنيين، ورصدت المنظمة 1154 حالة إخفاء قسري خلال العام، مع زيادة واضحة في الانتهاكات بالسجون وأماكن الاحتجاز من تعذيب وحرمان من الرعاية الطبية والزيارات وتقليل الغذاء والحبس الانفرادي، وأضيف إلى الانتهاكات هذا العام إغراق الزنازين بالماء المكهرب وتركها على هذه الحال فترة من الوقت.

ما الأحوال التي وصل إليها وضع المرأة والطفل بعد الثورة باعتبارهما من الفئات الأضعف في المجتمع؟

الأوضاع الحقوقية للمرأة والطفل في تدهور مستمر منذ الثورة، حيث تعرضت النساء للتحرش الجماعي والمتزايد في الشوارع وخلال التظاهرات وأثناء الاعتقال، كما تعرضن لانتهاكات جسيمة داخل المعتقلات من تعذيب وصل حد إصابة إحدى المعتقلات بشلل كامل، ولأحكام جائرة وصلت للإعدام والمؤبد وحرمانهن حتى من تلقي العزاء في من فقدن أثناء وجودهن داخل السجن ظلما، كما حوكمت فتيات أمام القضاء العسكري.

وأما الاطفال فقد تعرض جيل الثورة لقمع واضطهاد ولتعذيب وانتهاك جنسي، وأصبح مطاردا لخوفه من الاعتقال أحيانا بسبب انتماء الوالد لجماعة أو تيار معين، كما تم اعتقال أطفال بشكل عشوائي، وتم استغلال أطفال للعمل مرشدين ومخبرين لدى الشرطة للمساعدة في اعتقال أطفال آخرين.

تناولت العديد من التقارير خلال العام الماضي انتهاكات صارخة بحق الطلاب في مصر، فما الحال الذي وصلت إليه أوضاعهم الحقوقية؟

طلاب مصر هم الهدف الأول للسلطات المصرية الحالية، فقد قُتِل أكثر من 26 طالبا داخل الحرم الجامعي، كما اعتُقِل المئات من داخل الجامعة والآلاف أثناء وجودهم خارجها، كما فُصِلت أعداد كبيرة، وهذا لأنهم الفئة التي تطالب دوما بالتغيير وتتحدى الظلم والقمع.

ما أبرز التشريعات التي أصدرها الرئيس المؤقت عدلي منصور والرئيس عبد الفتاح السيسي وتم إقرارها مؤخرا، ورأيتم فيها إهدارا واضحا لحقوق الإنسان؟

أبرزها قانون التظاهر الذي قنن الاعتقال لأي سبب، وقوانين المنشآت العسكرية والإرهاب، وقوانين أخرى قننت القتل والتعذيب ولم يُسمح للنواب بمناقشة أي منها في البرلمان الحالي.

شهد عام 2015 اعتقال الكثير من الصحفيين، كما شهد الإفراج عن صحفيي الجزيرة. كيف تصفون الوضع الحقوقي للصحفيين والإعلاميين في مصر؟

استهداف الصحفيين في الدول القمعية والدكتاتورية أمر متوقع، وعام 2015 شهد أشكالا مختلفة من ذلك، منها: أوامر الإنتربول بإيقاف الإعلامي أحمد منصور في أحد المطارات، وإحالة الصحفي حسام بهجت إلى النيابة العسكرية، واقتحام مؤسسة مدى واعتقال مؤسسها هشام جعفر، واقتحام موقع مصر العربية وإيقاف مديرها الإداري، واعتقال الصحفي محمد البطاوي، وغيرها من الانتهاكات.

ما أبرز الأدوار التي قمتم بها كمنظمة حقوقية خلال العام الأخير، وما مدى فاعليتها وتأثيرها على المستوى المحلي والدولي؟

أرسلت هيومن رايتس مونيتور العديد من الشكاوى العاجلة إلى المقرر الخاص بالقتل خارج إطار القانون، حيث رصدنا مقتل ما يقرب من ثمانين حالة خلال شهر واحد هو أغسطس/آب الماضي، وكذلك أصدرنا العديد من التقارير الحقوقية التي ترصد الوضع الحقوقي، منها ما واكب الأيام العالمية لحقوق الإنسان، وقمنا بحضور جلسات في الأمم المتحدة وقدمنا تقارير حول الاستعراض الدوري لمصر، وكانت نتيجة الضغط الحقوقي من جميع المنظمات أن صدرت أكثر من ثلاثمئة توصية من المجتمع الدولي فيما يخص انتهاكات حقوق الإنسان في مصر.

إلا أن ذلك كان في المجمل دون المأمول، حيث لم يتم اتخاذ قرار قوي فيما يخص انتهاكات حقوق الإنسان، ولم يتم التحقيق في تلك الانتهاكات دوليا أو محاسبة أي مجرم حتى الآن.

المصدر : الجزيرة