تلقي أزمة العملة بظلالها على مختلف مناحي الحياة في مصر، لكن خبراء في الشأن الاقتصادي يرون أن الحكومة لا تصارح الشعب بالأبعاد الحقيقية للأزمة، وتحاول الحفاظ على سعر صرف وهمي.

دعاء عبد اللطيف-القاهرة

اتسع الفارق في سعر الدولار بين الجهات الرسمية والسوق الموازية في مصر ليصل إلى نحو جنيه ونصف، أي نحو خمس قيمة العملة المحلية، لكن محافظ البنك المركزي المصري طارق عامر قال إن الحكومة لن تتجه إلى تعويم الجنيه في الوقت الراهن.

وأوضح عامر خلال حوار تلفزيوني أن الحكومة المصرية لن تقدم على تعويم الجنيه قبل أن ينمو احتياطي النقد الأجنبي -الذي يبلغ حاليا نحو 16.5 مليار دولار- إلى ما بين 25 و30 مليار دولار.

ويعني تعويم العملة المحلية أن تترك الدولة تحديد سعر الصرف لقوى العرض والطلب، وهو ما يقدم انعكاسا أكثر صدقا لحالة الاقتصاد المحلي. وقد يعني هذا في الحالة المصرية مزيدا من التردي للجنيه بسبب التراجع الاقتصادي، ومن ثم غلاء أسعار السلع وتفاقم معاناة المواطنين، بسبب استيراد البلاد كثيرا من السلع الأساسية من الخارج وتمويل هذه المشتريات بالدولار.

ويقوم البنك المركزي المصري حاليا بتنظيم سوق الصرف من خلال تنظيم عطاءات دورية يبيع فيها الدولار للبنوك، لكن هذه الدولارات لا تسد حاجة مختلف القطاعات في البلاد، وهو ما سبب أزمة في أرض الواقع. ويرجع شح النقد الأجنبي إلى تراجع السياحة والاستثمار الأجنبي بسبب الاضطرابات التي تشهدها البلاد.

عملة متردية
وتناقلت الصحف المصرية خلال الأسبوع الجاري أرقاما مختلفة لسعر الدولار مقابل الجنيه في السوق الموازية، ومنها ما تجاوز 9.25 جنيهات، بينما يقف السعر الرسمي عند 7.83 جنيهات.

أزمة العملة تثقل كاهل المصريين سواء تم التعويم أو لم يتم (الجزيرة)

وأوردت وكالة رويترز للأنباء مؤخرا أن الحكومة قامت بإعداد مشروع موازنة السنة المالية 2016/2017، على أساس سعر صرف 8.25 جنيهات للدولار، في محاولة للاقتراب من سعره في السوق الموازية.

من جهته، تساءل المحلل الاقتصادي ومؤسس شركة تنمية للاستشارات المالية أشرف دوابة، عن طبيعة الاحتياطي النقدي الذي يُصر عليه محافظ البنك المركزي، قائلا "هل يقصد احتياطيا حقيقيا أم خادعا على شكل ودائع تأتي من الخارج ونكون مطالبين بردها؟".

وأضاف للجزيرة نت أن تعويم الجنيه سبيل تلجأ إليه الدولة منذ تسعينيات القرن الماضي، وفقا لظروف العرض والطلب الخارجة عن الإرادة لعدم وجود حصيلة دولارية.

ولكن دوابة رأى أن ما تفعله الدولة حاليا هو رغبة رسمية في تعويم غير نظيف للجنيه، حيث تتدخل الدولة في تحديد سعر الدولار بشكل إداري فقط، معتبرا تصريحات عامر "تخديرية ولا تعي أن مصر تقف على حافة الإفلاس".

وفي السياق نفسه، حمّل الكاتب المتخصص في الشأن الاقتصادي مصطفى عبد السلام، الحكومة مسؤولية الانهيار الاقتصادي الذي أدى لانخفاض قيمة الجنية وشح العملة الصعبة، مؤكدا أنها تدس رأسها في الرمال بإصرارها على قرارات تعمق الأزمة.

وأوضح -في مقال حمل عنوان "الدولار ودفن الرؤوس في الرمال"- أن السلطة المصرية فشلت في تنشيط الصادرات، وعملت على انهيار السياحة بتصديرها فكرة أن مصر تضم أكبر عدد من الإرهابيين في العالم.

إخفاقات حكومية
واستطرد في إخفاقات الحكومة بتأكيد أنها عملت على تنفير المستثمرين الأجانب بفشلها في تحقيق الاستقرار السياسي والأمني، لافتا إلى إهدار مليارات الجنيهات في مشروع توسعة قناة السويس دون أن يعود بالنفع على الاقتصاد المتهاوي.

والأهم من ذلك أن الممارسات الحكومية التي وصفها بالفجة في ملفات الحريات أثنت آلاف المصريين العاملين في الخارج عن تحويل أموالهم للداخل، خوفا من مصادرتها أو تآكلها بفعل انخفاض قيمة العملة المحلية، وربما اعتراضا على قمع السلطة، وفق رؤية عبد السلام.

أما الخبير الاقتصادي عبد النبي عبد المطلب، فلم يجد علاقة بين قيمة الاحتياطي من النقد الأجنبي وتعويم أو تخفيض الجنيه، معتبرا قرار تثبيت سعر الصرف سياسيا ولا يمت للاقتصاد بصلة.

وأبدى عبد المطلب في حديثه للجزيرة نت اندهاشه من استمرار الدولة في تقديم الدولار مدعوما للمستورد -أي بسعر أقل من سعره الحقيقي- في حين يبيع المستورد نفسه السلعة للمستهلك المصري بسعر السوق العالمي.

ورأى الخبير الاقتصادي وجوب البدء في إجراءات حكومية واضحة؛ لزيادة الإنتاج وتمكين المصريين من زيادة دخولهم كي تتناسب مع ارتفاع الأسعار، موضحا أن الدولة كلها مطالبة بحملة لتقليل الاستيراد الذي وصفه بالعشوائي وتفضيل المنتج المحلي. وعدم البدء الفوري في تلك الإجراءات سيصعب الحفاظ على قيمة الجنيه ويزيد معاناة الطبقات الأشد فقرا، وفق تنبؤ عبد المطلب.

المصدر : الجزيرة