خميس بن بريك-تونس

رغم استقرار الأوضاع السياسية لم ينجح الاقتصاد التونسي في تحقيق نسبة نمو كافية لتخفيف حدة البطالة والفوارق الاجتماعية، مما جعل الحكومة تفكر في الصفح على رجال أعمال متهمين بالفساد لدفع الاستثمار، وهو أمر أشعل خلافا حادا في البلاد.

وبحسب أرقام نشرها المعهد التونسي للإحصاء لم تتجاوز نسبة النمو في النصف الأول من العام الجاري 1.2%، مما جعل البنك المركزي يحذر من دخول الاقتصاد في مرحلة انكماش غير مسبوقة.

وتبدو هذه النسبة قريبة من تقديرات الحكومة الحالية في قانون الموازنة التكميلي للعام الجاري حيث لا تتوقع أن تتجاوز نسبة الناتج المحلي الإجمالي 1%، وهي نسبة يراها خبراء عاجزة تماما عن حل مشكلة البطالة والفقر والفوارق الاجتماعية.

حول هذه الأزمة يقول الخبير الاقتصادي عبد الجليل البدوي للجزيرة نت إن نسبة النمو بقيت ضعيفة إلى أبعد الحدود بعد الثورة، مشيرا إلى أن معدل النمو كان في حدود 1.6% بين عامي 2011 و2014 بسبب مشاكل ظرفية وهيكلية.

ومن بين المشاكل الأساسية التي يعاني منها الاقتصاد التونسي تراجع نمو الصادرات والاستثمار وعائدات السياحة وانخفاض قيمة الدينار مقابل العملات الأجنبية وارتفاع نفقات الديون وتدهور القوة الشرائية وارتفاع معدلات البطالة والفقر.

ويرى أن الأزمة التي يتخبط فيها الاقتصاد التونسي مرشحة للاستمرار لأنه يعاني من حالة ركود وغياب الرؤية، معربا عن استيائه من أداء الحكومة الحالية التي قال إنها تتعامل مع الأوضاع التي تعيشها البلاد بعقلية تصريف الأعمال.

البدوي: الاقتصاد التونسي يعاني حالة ركود وغياب الرؤية (الجزيرة نت)

المؤسسات الدولية
ويشير البدوي إلى أن استهداف الحكومة تحقيق نسبة نمو لا تتجاوز 1% خلال العام الجاري يكشف أنها لا تحرص على دعم النمو الاقتصادي، وأنها تفضل تحسين التوازنات المالية وخفض عجز الموازنة طبقا لتوصيات المؤسسات المالية الدولية.

الحكومة التي تتشكل من نداء تونس وأحزاب النهضة والاتحاد الوطني الحر وآفاق تونس، وضعت خطة تقشفية للضغط على النفقات، ويظهر ذلك بوضوح من خلال التقليص من حجم الإنفاق العمومي للوزارات وخفض الدعم.

وقد أعرب البدوي عن خيبة أمله من الخطة الاقتصادية التي تنتهجها الحكومة في قانون الموازنة التكميلي قائلا إنها لا تحمل أي نفس إصلاحي وتكرس نفس الخيارات القديمة التي قال إنها لم تفلح في دفع الاستثمار والتنمية والتوظيف.

ويقول البدوي إن "مستوى النمو الاقتصادي لا يجب أن يقل عن 6%، ومعدل الاستثمار لا يجب أن ينزل عن 30% لمقاومة البطالة والفقر والحد من الفوارق الجهوية".

وبشأن توجّه الحكومة للعفو عن رجال أعمال متهمين بالفساد مقابل استرجاع جزء من الأموال المنهوبة لتوظيفها في التنمية، يرى البدوي أن الخطوة تشكل تخليا عن إصلاح النهج الماضي وتعكس البحث عن صفقات مالية محدودة الجدوى.

الجودي: الاستثمار تراجع بعد الثورة بسبب تكبيل رجال أعمال كثر (الجزيرة نت)

البيروقراطية والفساد
ويؤكد أن معضلة الاقتصاد التونسي لا تكمن في ضعف الموارد المالية وإنما في ضعف إنجاز المشاريع الحكومية التي رصدت لها الأموال وبقيت معطلة، مؤكدا أن الموارد المالية لا تقدر على تحريك التنمية في ظل انتشار البيروقراطية والفساد.

غير أن محمد الطيب الغزي المستشار القانوني للرئيس التونسي يقول إن مشروع قانون المصالحة مع رجال الأعمال والموظفين الحكوميين المتهمين بالفساد سيوفر اعتمادات هامة ستوجهها الحكومة إلى مشروعات البنية التحتية والتنمية الجهوية.

ويتفق مع هذا الكلام الخبير الاقتصادي معز الجودي الذي يرى أن المصالحة مع رجال الأعمال المشتبه في تورطهم بالفساد ستمكّن الدولة من استرجاع 500 مليون دينار (250 مليون دولار).

وأوضح أنّ هذا القانون يفتح الباب أمام طي صفحة الماضي وإجراء مصالحة اقتصادية. وقال إن الاستثمار تراجع بعد الثورة بسبب تكبيل الكثير من رجال الأعمال وإقصائهم من المشاركة في الدورة الاقتصادية بسبب تعطل مسار العدالة الانتقالية.

المصدر : الجزيرة