لا تخافوا من صندوق النقد الدولي
آخر تحديث: 2015/9/30 الساعة 18:12 (مكة المكرمة) الموافق 1436/12/17 هـ
اغلاق
خبر عاجل :بريطانيا: الأولوية في ليبيا يجب أن تكون بجمع كل الأطراف خلف الاتفاق السياسي
آخر تحديث: 2015/9/30 الساعة 18:12 (مكة المكرمة) الموافق 1436/12/17 هـ

لا تخافوا من صندوق النقد الدولي

ريكاردو هوسمان

مبادئ بريتون وودز
دور الصندوق الأكثر إثارة للجدل
تداعيات القطيعة بين فنزويلا والنقد الدولي

يعد صندوق النقد الدولي في العديد من مناطق العالم المنظمة التي يعشق الجميع إعلان كراهيتهم لها، إذ يرى البعض أنها مؤسسة تلحق الضرر بالفقراء والنساء والاستقرار الاقتصادي والبيئة. ويعيب جوزيف ستيغليتز، الذي زاد نفوذه بسبب حصوله على جائزة نوبل، على النقد الدولي مسؤوليته عن إحداث الأزمات الاقتصادية والتسبب في تفاقم تلك التي يُدعى إلى حلها.

ويُقال إن الصندوق يمارس هذا الدور لإنقاذ الرأسماليين والمصرفيين وليس الناس العاديين. ورغم عدم صحة هذا الاعتقاد فإنه يُحدث أضرارا هائلة، ويحد من أي نفع محتمل قد يأتي من عمل صندوق النقد الدولي.

فبادئ ذي بدء، ينبغي لنا أن ننظر في الكيفية التي يتعامل بها العالم مع أزمات اللاجئين ومع الأزمات المالية، وكما يشير الاسم إلى ذلك فإن مفوض الأمم المتحدة السامي لشؤون اللاجئين شخص وليس مؤسسة، وهو يتولى رئاسة "مكتب" وليس منظمة متكملة النضج بمعنى الكلمة. وهذا الضعف هو ما أرغم المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل على ممارسة الضغوط على شركائها في الاتحاد الأوروبي لحملهم على رسم سياسة أكثر تماسكا لمواجهة التدفق المستمر لطالبي اللجوء.

وعلى النقيض من ذلك، يرتكز النظام الذي يهدف إلى منع الأزمات المالية وحلها على مؤسسة مكتملة النضج هي صندوق النقد الدولي. وقد لا يكون هذا النظام مثاليا، ولكنه سابق بسنوات ضوئية ما يجري في مجالات مثل اللاجئين أو حقوق الإنسان أو البيئة.

يُقال إن صندوق النقد الدولي يعمل على إنقاذ الرأسماليين والمصرفيين وليس الناس العاديين، ورغم عدم صحة هذا الاعتقاد فإنه يُحدث أضرارا هائلة ويحد من أي نفع محتمل قد يأتي من عمل الصندوق

من السهل أن يُساء فهم العمل الذي يقوم به النقد الدولي، ذلك أن القسم الأعظم من جهوده مكرس لمنع الأزمات. فكما قال الرئيس الأميركي السابق فرانكلين روزفلت في مؤتمر بريتون وودز في العام 1944، الذي شهد تأسيس صندوقي النقد والبنك الدوليين "الأمراض الاقتصادية معدية للغاية، وبالتالي فإن سلامة الوضع الاقتصادي لأي دولة مسألة تستحق اهتمام كل الدول المجاورة، القريبة والبعيدة".

مبادئ بريتون وودز
ولهذا السبب، اتفقت الدول الحاضرة في المؤتمر وعددها 44 والدول الـ188 التي تنتمي الآن إلى صندوق النقد، على "التشاور والاتفاق على التغيرات النقدية الدولية التي تؤثر بعضها على بعض.. وينبغي لها أن تعين بعضها بعضا على التغلب على صعوبات الصرف في الأمد القريب".

من الناحية العملية، يتجسد هذا الاتفاق فيما يسمى بمشاورات المادة الرابعة، والواقع أن مناقشة السياسة الرسمية التي تتم بين النقد الدولي والحكومات الأعضاء بالصندوق، والتي تتم سنويا في العادة، يدونها بالتفصيل ويراجعها المديرون التنفيذيون في مجلس إدارة الصندوق (الذي يمثل كل الدول الأعضاء)، ثم تنشر لكل من يرغب في الاطلاع عليها على شبكة الإنترنت.

وهذا هو مستوى المراقبة الجماعية والشفافية الذي ينبغي للمؤسسات التي تعالج قضايا أخرى أن تطمح إليه.

لقد قام النقد الدولي بدور أساسي في تطوير الأدوات التي تستطيع بها البلدان قياس وتقييم وتحسين وضع الاقتصاد الكلي الحالي، سواء ما تعلق بالسياسة المالية والسياسة النقدية، فضلا عن الاستقرار المالي واستقرار العملة والأسعار. وهو ما يساعد البلدان على إيجاد سبل أفضل لتنفيذ تدابير وإجراءات في كل المجالات المذكورة، وتسعى المؤسسة المالية الدولية إلى استخلاص دروس واسعة من تجربة العديد من البلدان، التي ربما تسلط الضوء على الخيارات التي قد تلجأ إليها بلدان أخرى.

وعن طريق الحوار والبحث والنصيحة والمساعدة الفنية، ساعد النقد الدولي على خلق مجتمع عالمي يقوم على الممارسة، فقد أصبحت اليوم وظيفة محافظ البنك المركزي أو وزير المالية أسهل كثيرا من وظيفة وزير الصحة أو وزير العدل، وهذا ليس لأن التحديات أسهل، بل لأن جماعة الممارسين، بقيادة صندوق النقد الدولي، توفر مستوى من الدعم لا وجود له ببساطة في مجالات أخرى.

دور الصندوق الأكثر إثارة للجدل
ويظهر دور الصندوق الأكثر إثارة للجدل في أوقات إدارة الأزمات وحلها، إذ تطلب الدول المساعدة المالية من النقد الدولي عندما تكون في ورطة، وتخشى أن تفقد القدرة على الاقتراض من الأسواق الدولية، أو تكون فقدتها بالفعل. وبوسع الصندوق أن يحشد مئات المليارات من الدولارات من أموال البلدان الأعضاء من أجل إعطاء المقترضين الوقت اللازم للعودة إلى سكة الاستقرار.

دور الصندوق الأكثر إثارة للجدل يظهر في أوقات إدارة الأزمات وحلها، إذ تطلب الدول المساعدة المالية من النقد الدولي عندما تكون في ورطة، وتخشى أن تفقد القدرة على الاقتراض من الأسواق الدولية، أو تكون فقدتها بالفعل

والواقع أن موارد الصندوق أعظم بكثير من المبالغ التي قد يتمكن المجتمع الدولي من جمعها لقضايا أخرى، وذلك لأن أموال النقد الدولي تقدم على شكل قروض يفترض أن تسدد.

وفي مقابل دعمه المالي، يشترط النقد الدولي على البلدان عادة أن تعمل على معالجة الاختلالات التي تسببت في إحداث المشاكل التي تواجهها، ليس فقط حتى تتمكن من سداد قروض الصندوق، بل أيضا حتى يتسنى لها أن تستعيد جدارتها الائتمانية (وبالتالي قدرتها على الاستدانة من أسواق المال). ولكن من السهل جدا أن يقع الخلط بين الآلام الناجمة عن الأزمة نفسها وتلك التي يستلزمها العلاج.

من المؤكد أن صندوق النقد يرتكب بعض الأخطاء لا محالة، وهو ما يرجع جزئيا إلى حقيقة مفادها أن الأسئلة والقضايا التي يتعين عليه أن يعالجها دائمة التغير، وبالتالي فإنه لا يعرف أبدا ما إذا كان الوضع الحالي للتفكير ملائما لمواجهة تحديات جديدة. ولكن الصندوق منظمة منفتحة بالقدر الذي يجعلها قادرة على الاستجابة لمنتقديها.

ولنتأمل في السيناريو البديل، إن عالما دون صندوق النقد الدولي يبدو أشبه كثيرا بفنزويلا اليوم، إذ أصبح هوغو شافيز أثيرا لدى أولئك الذين يهاجمون الصندوق بما في ذلك ستيغليتز عندما علق مشاورات المادة الرابعة في العام 2004. ونتيجة لهذا فقد الفنزويليون القدرة على الوصول إلى المعلومات الاقتصادية الأساسية التي تلتزم دولتهم بتقاسمها مع العالم عبر صندوق النقد.

تداعيات القطيعة بين فنزويلا والنقد الدولي
وقد منع انقطاع الصلة بين فنزويلا والصندوق المجتمع الدولي من إبداء رأيه إزاء تبني فنزويلا لسياسات غير مسؤولة، إذ أنفقت الدولة في العام 2012 وكأن سعر برميل النفط كان 197 دولارا وليس 107.

ونتيجة انهيار أسعار النفط منذ ذلك الحين، انزلق اقتصاد فنزويلا إلى دوامة هبوط، فالناتج المحلي الإجمالي ينكمش بوتيرة غير مسبوقة، ومعدل التضخم تجاوز 200%، وانخفضت قيمة العملة إلى أقل من 10% من قيمتها السابقة، وبرز نقص واسع النطاق في الإمدادات.

وقد حاولت كراكاس تلبية حاجياتها التمويلية بمساعدة بنك التنمية الصيني، والذي لا يفرض ذلك النوع من الشروط التي يكرهها من يهاجمون صندوق النقد. وبدلا من ذلك، يقدم البنك الصيني قروضا وفق شروط سرية، من أجل أغراض متكتم عليها وفاسدة، ويصاحب ذلك منح امتيازات ضمنية للشركات الصينية في مجالات مثل الاتصالات (شركة هواوي)، والأجهزة (شركة هاير)، والسيارات (شركة شيري)، والتنقيب عن النفط (شركة آي سي تي في).

ولم يشترط الصينيون على فنزويلا القيام بأي شيء لزيادة احتمال قدرتها على استعادة جدارة البلاد الائتمانية، بل إنهم لم يطلبوا سوى المزيد من النفط كضمان. وأيا كانت أخطاء صندوق النقد فإن بنك التنمية الصيني يظل عارا.

والمأساة هي أن أغلب الفنزويليين (والعديد من المواطنين في بلدان أخرى) يعتقدون أن النقد الدولي يسعى إلى الإضرار بهم وليس مساعدتهم. ونتيجة لهذا يتحاشون الموارد الضخمة والمشورة الحكيمة التي يستطيع المجتمع الدولي أن يقدمها إبان الأزمات الاقتصادية بهدف تخفيف الآلام والتعجيل بالتعافي، ولكن هذا جعلهم في حال أسوأ كثيرا مما قد يحمل منتقدي الصندوق أنفسهم على الاعتراف به.
ـــــــــــــ
وزير التخطيط في فنزويلا سابقا، وكبير خبراء الاقتصاد السابق لدى بنك التنمية للدول الأميركية، وأستاذ ممارسات التنمية الاقتصادية في جامعة هارفارد

المصدر : بروجيكت سينديكيت

التعليقات