سيكي أوباتا وجورج ديزفو

بعد فترة وجيزة من توليه منصبه عام 2012 قدم رئيس الوزراء الياباني شينزو آبي خطة ضخمة للتحفيز المالي، وأرسى برنامجا جريئا للتيسير النقدي، وذلك ضمن مساعيه لتنشيط الاقتصاد الياباني.

ومنذ ذلك الحين يعمل صانعو السياسات في اليابان على إطلاق ما يسميه آبي السهم الثالث بأجندته، والذي يتمثل في إجراء إصلاحات شاقة قاسية في الصناعات الرئيسية، وتقويض العوائق الهيكلية التي تعترض طريق النمو.

بيد أن التركيز على السياسة العامة تسبب في الانصراف عن "سهم رابع"، ألا وهو القطاع الخاص وتجاهله في ما يبدو.

تباطؤ نمو الاقتصاد الياباني
توسيع العمليات خارج الحدود
ربط أهداف الأداء بالحوافز

تباطؤ نمو الاقتصاد الياباني
وهذا مما يؤسف له، لأن الحكومة بمفردها لا تستطيع أن تعالج أمراض اليابان، فعلى مدى القسم الأعظم من العقدين السابقين ظل معدل النمو السنوي للإنتاجية متباطئا، إذ نادرا ما تجاوز حاجز 2%، مما عكس فرصا ضائعة وتدهورا في تنافسية التكلفة.

وتنتشر ظاهرة تدهور الإنتاجية باليابان في كل مكونات الاقتصاد، حيث انهارت تقريبا مكاسب إنتاجية العمل والإنتاجية الرأسمالية في كل القطاعات حتى على مستوى الصناعات المتقدمة التي تشتهر بها اليابان، فعلى سبيل المثال تبلغ إنتاجية العمل في قطاع معدات النقل بالكاد نصف نظيرتها بألمانيا.

يضع هذا الاتجاه نمو الناتج المحلي الإجمالي على الطريق نحو متوسط لا يتجاوز 1.3% حتى عام 2025، مما يعني عقدا ثالثا من الركود على التوالي، وقد تتزامن مثل هذه النتيجة مع تحول ديمغرافي معاكس يفرض ضغوطا على العوائد المالية، ويرفع تكاليف الرعاية الصحية الشاملة ومخصصات التقاعد، مما يؤدي إلى تفاقم تأثيرات هذا التحول.

وتعتمد قدرة اليابان على تحويل مسارها على اتخاذ الشركات الخاصة قرارات بالاستثمار، وتغيير سياسات أماكن العمل، ونشر تقنيات جديدة، واختبار نماذج للأعمال غير مجربة، إذ لا تزال إصلاحات آبي الهيكلية بحاجة إلى الوقت والإرادة السياسية لتحويلها إلى تشريعات وقوانين، لكن الشركات اليابانية لا تستطيع الانتظار من دون حراك، فهي قادرة على أن تعمل ويجب أن تعمل من دون أن تنتظر إلى أن تغير الحكومة سياساتها، فالاختناقات الاقتصادية في حالات كثيرة لا تكون تنظيمية بطبيعتها، بل تنشأ من الأساليب الراسخة والبالية المتبعة في تنفيذ الأعمال.

مؤخرا، قدم معهد ماكينزي غلوبال بحثا جديدا يفحص الصناعات المتقدمة، وخدمات التجزئة، والخدمات المالية، والصناعات المتعلقة بالرعاية الصحية في اليابان بشكل تفصيلي، وقد وجد أن هناك إمكانيات إنتاجية هائلة غير مستغلة في كل من هذه المجالات.

توسيع العمليات خارج الحدود
كبداية، يتحتم على الشركات اليابانية أن تصبح أكثر اندماجا مع العالم، ويعد التصدير إلى الأسواق العالمية السريعة النمو أحد السبل الواضحة للتغلب على تباطؤ نمو الطلب في الداخل. لكن، بدلا من الاكتفاء ببيع المنتجات للخارج ينبغي على الشركات اليابانية أن توسع عملياتها إلى خارج حدودها، وأن توسع نطاق بحثها عن المواهب الدولية.

يتحتم على الشركات اليابانية أن تصبح أكثر اندماجا مع العالم، ويعد التصدير إلى الأسواق العالمية السريعة النمو أحد السبل الواضحة للتغلب على تباطؤ نمو الطلب في الداخل

تدير الشركات اليابانية قدرا هائلا من عمليات البحث والتطوير، لكن يحتاج معظمها إلى إعادة تشكيل هذه العمليات لتحقيق عوائد أكثر وإحداث تأثير أفضل، ويجب أن تبدأ هذه العملية بفهم ما يريده العميل، مع تصميم على تقديم حلول تتفق مع رغباته، كما يجب تحويل عمليات البحث والتطوير المغلقة التي يغلب الجمود على إدارتها إلى عمليات سلسة مفتوحة تنطوي على تعاون مع العملاء والموردين.

كما ستحتاج الشركات اليابانية إلى تحسين قدراتها في مجالات مثل التسويق، والتسعير، وتنمية المواهب، فعلى الرغم من تمتعها ببعض نقاط التميز تفتقر معظم الشركات اليابانية بشدة إلى الخبرة في تلك المجالات المذكورة، ولكي تنافس في الأسواق العالمية ينبغي عليها أن تحقق قدرا من الثقل في هذه المجالات كالذي حققته في مناطق قوتها التقليدية.

لا تزال شركات يابانية كثيرة بحاجة إلى تطوير العمليات القائمة على استخدام الأوراق إلى الأرقام، وتغيير نظم تكنولوجيا المعلومات العتيقة، وقد تستفيد شركات أخرى من الدخول إلى تقنيات الجيل التالي مثل تحليلات البيانات الضخمة، كما يمكن للشركات أيضا تفادي أزمات نقص العمالة الوشيكة باستخدام نظم برمجيات وروبوتات ذكية، ويمكن للمصنعين دعم خطوط الإنتاج التجميعية أو الاستعاضة عنها بتقنيات الإنترنت والطباعة الثلاثية الأبعاد.

وبشكل أكثر عموما يتحتم على الشركات اليابانية أن تضع خططا للأداء والانضباط، فمع تحرير قوى السوق نتيجة تغيير السياسيات ستواجه الشركات منافسة أكبر، وقد يحتاج بعضها لإعادة التنظيم أو الخروج من الأسواق غير المربحة، وقد تضطر شركات أخرى إلى الاتجاه نحو عمليات الاندماج والاستحواذ لتحقيق اقتصاديات العمليات الضخمة.

ربط أهداف الأداء بالحوافز
أخيرا، ينبغي على حاملي الأسهم وكبار التنفيذيين أن يربطوا أهداف الأداء بالحوافز، وقد بدأت بالفعل بعض الشركات اليابانية العملاقة في التحول من نظام الترقية القائمة على الأقدمية إلى تطبيق هياكل أجور تعتمد على الجدارة، وينبغي على الشركات الأخرى أن تحذو حذوها، فترقية المواهب الصغرى والأكثر تنوعا كفيلة بإيجاد مؤسسات ذات أفكار متجددة.

وإذا نجح القطاع الخاص في اليابان بالتصدي لهذا التحدي فبوسعه أن ينقل الاقتصاد إلى مسار نمو أسرع، إذ إن إدخال تجديدات وابتكارات في شركة واحدة قد ينعكس بقوة على صناعة بأكملها بإجبار المنافسين على السعي للارتقاء بأدائهم.

فعلى سبيل المثال، خلال خمسينيات وستينيات القرن العشرين قدمت تويوتا عمليات إنتاج أكثر كفاءة تبنتها في النهاية صناعة السيارات بأكملها.

هناك تغير سريع في هيئة الاقتصاد العالمي بفضل التدفقات التجارية الضخمة، وظهور مليارات العملاء الجدد في العالم الناشئ، والاختراقات التكنولوجية، وبوسع اليابان أن تحول مسارها الحالي بتحويل هذه الموجة من تعطل النماذج القائمة إلى فرصة

وبدلا من الاكتفاء بمستقبل لا يتجاوز نمو الناتج المحلي الإجمالي فيه 1.3% سنويا تستطيع اليابان تحقيق معدل نمو سنوي يقارب 3% سنويا حتى عام 2025.

وقد يتطلب هذا زيادة معدل نمو إنتاجية العمل إلى أكثر من الضعف، لكن هذا الهدف في المتناول، ويمكن تحقيق أكثر من نصف هذه الزيادة في النمو بتبني أفضل الممارسات التي تتبعها بالفعل الشركات المختلفة حول العالم، فيما يمكن أن تسهم التكنولوجيا في سد جزء كبير من الفجوة الباقية.

ينبغي على قادة الشركات اليابانية أن يمزجوا بين التخطيط الطموح واهتمام مركز على التفاصيل، وسوف يكون لزاما عليهم أن يعملوا على ابتكار منتجات مبدعة، واختراق أسواق جديدة، وإطلاق استثمارات جريئة في المعدات والتكنولوجيا والمواهب، مع فحص كل وجه من أوجه عملياتهم في الوقت ذاته بحثا عن مظاهر القصور والإهمال.

ربما يكون نبذ الطرق التقليدية لمباشرة الأعمال أمرا واجبا، غير أن هناك مجالا فسيحا لإحراز التقدم وتحفيز النمو الاقتصادي الأسرع، فهناك تغير سريع في هيئة الاقتصاد العالمي بفضل التدفقات التجارية الضخمة، وظهور مليارات العملاء الجدد في العالم الناشئ، والاختراقات التكنولوجية، وبوسع اليابان أن تحول مسارها الحالي بتحويل هذه الموجة من تعطل النماذج القائمة إلى فرصة.

ـــــــــــــــــــ
سيكي أوباتا أستاذ في كلية الدراسات العليا لإدارة الأعمال بجامعة كيو، ومسؤول سابق في وزارة المالية اليابانية. جورج ديزفو الشريك المدير لمكتب شركة ماكينزي آند كومباني باليابان.

المصدر : بروجيكت سينديكيت