ثورة بيانات من أجل التنمية
آخر تحديث: 2015/5/13 الساعة 19:49 (مكة المكرمة) الموافق 1436/7/25 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2015/5/13 الساعة 19:49 (مكة المكرمة) الموافق 1436/7/25 هـ

ثورة بيانات من أجل التنمية



جيفري ساكس

إن ثورة البيانات تعمل بلا هوادة على تغيير كل جزء من أجزاء المجتمع، فالانتخابات تُدار بالاستعانة بالعلامات الحيوية، وتُراقَب الغابات بصور الأقمار الصناعية، وينتقل العمل المصرفي من مكاتب الفروع إلى تطبيقات الهواتف الذكية، ويجري فحص الأشعة السينية الطبية في النصف الآخر من الكرة الأرضية.

ومع قليل من الاستثمار والبصيرة، كما ورد في تقرير جديد صادر عن شبكة حلول التنمية المستدامة التابعة للأمم المتحدة حول البيانات من أجل التنمية، من الممكن أن تعمل ثورة البيانات على إشعال شرارة ثورة أخرى في مجال التنمية المستدامة، وتسريع عجلة التقدم في أفق القضاء على الفقر، وتعزيز عملية الدمج الاجتماعي وحماية البيئة.

في 25 سبتمبر/أيلول المقبل ستتبنى حكومات العالم في قمة خاصة للأمم المتحدة أهداف التنمية المستدامة الجديدة. ومن المرجح أن تكون هذه المناسبة التجمع الأكبر لزعماء العالم في التاريخ، حيث سيعتمد 170 من رؤساء الدول والحكومات أهدافا مشتركة لتوجيه جهود التنمية المستدامة حتى العام 2030.

ولا شك أن تبني الأهداف أسهل من تحقيقها، ولهذا نكون بحاجة إلى أدوات جديدة، بما في ذلك أنظمة جديدة للبيانات، لتحويل أهداف التنمية المستدامة إلى واقع ملموس بحلول العام 2030. وفي مسار تطوير أنظمة البيانات الجديدة المشار إليها ينبغي للحكومات والشركات ومنظمات المجتمع المدني أن تعمل على تعزيز أربعة أهداف مختلفة.

لا شك أن تبني الأهداف الإنمائية للألفية أسهل من تحقيقها، ولهذا نكون بحاجة إلى أدوات جديدة، بما في ذلك أنظمة جديدة للبيانات، لتحويل أهداف التنمية المستدامة إلى واقع ملموس بحلول العام 2030

أهمية البيانات في تقديم الخدمات
الأول والأكثر أهمية هو البيانات الخاصة بتقديم الخدمات، إذ إن ثورة البيانات تعطي الحكومات والشركات سبلا جديدة ومحسنة إلى حد كبير لتقديم الخدمات، ومحاربة الفساد، والحد من الروتين الحكومي، وضمان الوصول إلى أماكن كانت معزولة سابقا.

كما تعمل تكنولوجيا المعلومات بالفعل على إحداث ثورة في مجال توفير الرعاية الصحية والتعليم والحوكمة والبنية الأساسية (على سبيل المثال دفع فاتورة الكهرباء مسبقا)، والعمل المصرفي والاستجابة لحالات الطوارئ، وغير ذلك كثير.

ويتلخص الغرض الثاني في بيانات الإدارة العامة، فقد بات الآن بوسع المسؤولين الاحتفاظ بلوحات تطلعهم أولا بأول على الوضع الحالي للمرافق الحكومية وشبكات النقل وعمليات الإغاثة في حالات الطوارئ، ومراقبة الصحة العامة، وجرائم العنف، وغير ذلك من الحالات.

ومن الممكن أن تسهم ردود فعل المواطنين أيضا في تحسين الأداء عبر جمع المعلومات عن حالة المرور من السائقين على سبيل المثال. وتسمح أنظمة المعلومات الجغرافية بالمراقبة عن كثب عبر الحكومات المحلية والمقاطعات في المناطق النائية.

البيانات وسيلة لمساءلة الحكومات
والغرض الثالث هو استخدام البيانات وسيلة لمساءلة الحكومات والشركات. من الحقائق البديهية أن البيروقراطيات الحكومية تسلك أسهل السبل، وتخفي الثغرات فيما يخص تقديم الخدمات، وتبالغ في وصف أدائها أو في أسوأ الحالات تسرق ببساطة عندما تطمئن إلى مسألة الإفلات من العقاب.

والكثير من الشركات ليس أفضل حالا، إن ثورة البيانات قادرة على المساعدة في ضمان تمكين عامة الناس والمتلقين المستفيدين من خدمات القطاعين العام والخاص من الوصول إلى بيانات يمكن التحقق من صحتها. فعندما لا توفر الخدمات في الموعد المحدد (بسبب اختناقات في البنية التحتية أو فساد في سلسلة الإمداد على سبيل المثال) يمكن نظام البيانات عامة الناس من تحديد المشاكل وإخضاع الحكومات والشركات للمساءلة.

وأخيرا، ينبغي لثورة البيانات أن تعمل على تمكين عامة الناس من معرفة ما إذا كان الهدف العالمي قد تحقق بالفعل، والواقع أن الأهداف الإنمائية للألفية -والتي حددت في العام 2000- وضعت كأهداف كمية لعالم 2015.

ولكن رغم أننا الآن في العام الأخير لتحقيق هذه الأهداف لا نزال نفتقر إلى المعرفة الدقيقة حول ما إذا كان أحد الأهداف قد تحقق، وذلك بسبب غياب البيانات العالية الجودة والمحدثة باستمرار. وقد أوردت تقارير أن بعض أهم أهداف للألفية متأخرة لسنوات عديدة. ولم ينشر البنك الدولي على سبيل المثال بيانات تفصيلية عن الفقر منذ العام 2010.

التخلص من التأخير وتحسين جودة البيانات
إن ثورة البيانات من الممكن أن تنهي فترات التأخير الطويلة وتحسن بشكل كبير جودة البيانات. فمثلا بدلا من الاعتماد على البحوث المتعلقة بالأسر كل بضع سنوات لحساب معدل الوفيات يمكن أن تعمل أنظمة التسجيل المدني والإحصائيات الحيوية على جمع بيانات الوفيات أولا بأول، فضلا عن الفائدة الإضافية المتمثلة في المعلومات عن أسباب الوفاة.

وعلى نحو مماثل، يمكن جمع البيانات حول الفقر بتكاليف زهيدة نسبيا وبوتيرة أعلى كثيرا مقارنة بما يتم اليوم، وذلك باستخدام الهواتف الذكية بدلا من الاستبيانات الورقية.

وقد خلص بعض المحللين إلى أنه من الممكن أن يخفض استخدام الهواتف الذكية تكاليف عمليات المسح بما يصل إلى 60% في بعض بلدان شرق أفريقيا على مدى عشر سنوات. ومن الممكن أن تتعاون شركات خاصة، مثل غالوب الدولية، مع مكاتب الإحصاء الأكثر تقليدية في القطاع العام من أجل تسريع عملية جمع البيانات.

إن ثورة البيانات تقدم فرصة هائلة لعملية تقديم الخدمات والإدارة والمساءلة والتحقق، وذلك بفضل النظام الإيكولوجي الكثيف من التكنولوجيات التي تجمع المعلومات بسبل عديدة مثل الاستشعار عن بعد وصور الأقمار الصناعية، وتتبع نظم المعلومات الجغرافية

إن ثورة البيانات تقدم فرصة هائلة لعملية تقديم الخدمات والإدارة والمساءلة والتحقق، وذلك بفضل النظام الإيكولوجي الكثيف من التكنولوجيات التي تجمع المعلومات بسبل عديدة منها الاستشعار عن بعد وصور الأقمار الصناعية، وبيانات القياس الحيوي، وتتبع نظم المعلومات الجغرافية، وبيانات المرافق، وبحوث الأسر ووسائل الإعلام الاجتماعي، وجمع البيانات الجماعية، وغير ذلك من السبل.

إتاحة بيانات أهداف الألفية للعموم
ومن أجل دعم أهداف التنمية المستدامة، فإن مثل هذه البيانات لا بد أن تكون متاحة للعامة في كل البلدان وبوتيرة عالية، على الأقل في غضون عام واحد فيما يتصل بالأهداف الأساسية، مع تحديثها باستمرار في قطاعات حيث يشكل توفير الخدمات أهمية بالغة (الصحة والتعليم وما إلى ذلك).

وينبغي للشركات الخاصة، بما في ذلك شركات الاتصالات، وشركات التسويق الاجتماعي، وشركات تصميم الأنظمة وشركات إجراء الاستطلاعات وغير ذلك من الشركات التي تقدم المعلومات، أن تكون متكاملة في إطار "النظام الإيكولوجي" للبيانات.

ومن أجل إعداد التقرير الجديد، اجتمعت شبكة حلول التنمية المستدامة مع العديد من الوكالات الشريكة لإعداد "تقييم الاحتياجات" حول كيفية إطلاق ثورة البيانات لتحقيق أهداف التنمية المستدامة. ويقدم التقدير خطة عمل تبنى على شراكات قائمة بين أنظمة إحصائية وطنية وشركات معلومات خاصة وغير ذلك من شركات تقديم البيانات غير الحكومية. وكما يؤكد التقرير فإن البلدان ذات الدخل المتوسط والضعيف ستحتاج إلى مساعدة مالية لإنشاء أنظمة البيانات الجديدة.

ورغم أن تقديرات التكاليف مؤقتة ومشروطة بالضرورة، خاصة في هذه المنطقة التي تتسم بالتغير التكنولوجي السريع، تفيد الدراسات الحديثة بأن أنظمة البيانات المناسبة لأهداف التنمية المستدامة ستتطلب ما لا يقل عن مليار دولار سنويا لتغطية كل البلدان السبعة والسبعين الأقل دخلا. ولا بد أن يمول نصف المبلغ تقريبا عبر المساعدات التنموية الرسمية، وهو ما يعني ضمنا زيادة بنحو 200 مليون دولار سنويا على الأقل للقيمة الحالية لمساعدات المانحين.

إن الوقت الآن هو المناسب لمثل هذا الالتزام المالي التصاعدي، ففي يوليو/تموز المقبل سيجتمع زعماء العالم في أديس أبابا في إطار المؤتمر الدولي لتمويل التنمية، وبعد ذلك بأسابيع قليلة، يلتقون في مقر الأمم المتحدة لاعتماد أهداف التنمية المستدامة في أواخر سبتمبر/أيلول المقبل. ومن خلال العمل السريع قبل اجتماعات القمتين سيكون العالم مستعدا لإطلاق أهداف التنمية المستدامة مع نظم البيانات التي تحتاج إليها لتحقيق النجاح.
ـــــــــــــ
أستاذ التنمية المستدامة، وأستاذ السياسات الصحية والإدارة، ومدير معهد الأرض في جامعة كولومبيا، وهو المستشار الخاص للأمين العام الأممي لشؤون الأهداف الإنمائية للألفية

المصدر : بروجيكت سينديكيت

التعليقات