عجز السياسات النقدية غير التقليدية
آخر تحديث: 2015/2/9 الساعة 13:46 (مكة المكرمة) الموافق 1436/4/20 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2015/2/9 الساعة 13:46 (مكة المكرمة) الموافق 1436/4/20 هـ

عجز السياسات النقدية غير التقليدية

 نورييل روبيني

 

سياسات نقدية غير تقليدية
الخلط بين السبب والنتيجة
ضغوط معاكسة للتضخم

سياسات نقدية غير تقليدية
تُرى من كان يتصور أن أغلب الاقتصادات المتقدمة ستظل بعد ست سنوات من اندلاع الأزمة المالية العالمية تتعاطى مع ذات التعبيرات الاقتصادية المختصرة -مثل سياسة سعر الفائدة صفر (ZIRP)، والتيسير الكمي (QE)، والتيسير الائتماني (CE)، والتوجيه المسبق (FG)، وسعر الفائدة السلبي على الودائع (NDR)، والتدخل غير المحدود في الصرف الأجنبي (U-FX Int)- الخاصة بالسياسات النقدية غير التقليدية؟

والواقع أن البنوك المركزية لم تفكر قط في مثل هذه الإجراءات قبل عام 2008، غير أنها أصبحت اليوم أدوات أساسية لصناع السياسات الاقتصادية.

الواقع أن البنك المركزي الأوروبي تبنى في العام ونصف العام الماضيين نسخة خاصة به من التوجيه المسبق، ثم انتقل إلى سياسة سعر الفائدة صفر، ثم تبنى التيسير الائتماني، قبل أن يقرر تجربة سعر الفائدة السلبي على الودائع.

وفي يناير/كانون الثاني، تبنى التيسير الكمي بشكل كامل. بل إن مجلس الاحتياطي الاتحادي الأميركي، وبنك إنجلترا، وبنك اليابان، والبنك المركزي الأوروبي، ومجموعة متنوعة من البنوك المركزية الأصغر حجماً في الاقتصادات المتقدمة، مثل البنك الوطني السويسري؛ اعتمدت جميعها على مثل هذه السياسات غير التقليدية.

إن عجز السياسات النقدية غير التقليدية عن منع الانكماش الصريح يعكس جزئياً حقيقة مفادها أن مثل هذه السياسات تسعى إلى إضعاف العملة، وبالتالي تحسين صافي الصادرات وزيادة التضخم، لكن هذا بمثابة لعبة محصلتها صفر لا تفضي إلا إلى تصدير الانكماش والركود إلى اقتصادات أخرى

وكانت إحدى نتائج هذا النشاط في السياسة النقدية العالمية ذلك التمرد بين خبراء الاقتصاد الزائفين والفاشلين في السوق في السنوات الأخيرة. فقد حذرت هذه التشكيلة من خبراء الاقتصاد "النمساويين"، وخبراء النقد المتطرفين، والمهووسين بالذهب، والمتعصبين للبتكوين (العملة الإلكترونية)، مراراً وتكراراً من أن مثل هذه الزيادة الهائلة في السيولة العالمية من شأنها أن تؤدي إلى التضخم المفرط، وانهيار الدولار الأميركي، وارتفاع أسعار الذهب إلى عنان السماء، وفي النهاية زوال العملات الورقية على أيدي نظائرها الرقمية.

ولم تأت الأحداث بأي من هذه التنبؤات المتشائمة؛ فالتضخم منخفض ويتجه نحو المزيد من الهبوط في كل الاقتصادات المتقدمة تقريبا، بل إن كل البنوك المركزية في الاقتصادات المتقدمة فشلت في تحقيق هدفها -الصريح أو الضمني- بالوصول بالتضخم إلى نسبة 2%، وبعضها يناضل لتجنب الانكماش. وعلاوة على ذلك، كانت قيمة الدولار في ارتفاع حاد في مقابل الين واليورو وأغلب عملات الأسواق الناشئة.

ومنذ خريف عام 2013، سجلت أسعار الذهب هبوطاً حاداً من 1900 دولار إلى نحو 1200 دولار للأوقية. وكانت البتكوين أسوأ العملات أداءً على مستوى العالم في عام 2014، حيث انخفضت قيمتها بنحو 60%.

لا شك أن أغلب المتشائمين ليس لديهم أدنى معرفة بالاقتصاد، ولكن هذا لم يمنع وجهات نظرهم من الهيمنة على المناقشة العامة؛ لذا فإن الأمر يستحق أن نتساءل: لماذا كانت توقعاتهم خاطئة إلى هذا الحد المذهل؟

الخلط بين السبب والنتيجة
الواقع أن أصل الخطأ يكمن في خلطهم بين السبب والنتيجة؛ فالسبب وراء تبني البنوك المركزية بشكل متزايد للسياسات النقدية غير التقليدية هو أن التعافي في مرحلة ما بعد 2008 كان هزيلاً إلى حد غير عادي، وكانت مثل هذه السياسات مطلوبة لمواجهة الضغوط الانكماشية الناجمة عن الحاجة إلى عملية تقليص الديون المؤلمة في أعقاب تراكمات ضخمة من الديون العامة والخاصة.

ففي أغلب الاقتصادات المتقدمة على سبيل المثال، لا تزال هناك فجوة بالغة الضخامة في الناتج، مع انخفاض الناتج والطلب إلى مستويات أدنى كثيراً من المستويات الممكنة؛ وبالتالي فإن قوة التسعير لدى الشركات باتت محدودة.

وهناك أيضاً تباطؤ كبير في أسواق العمل؛ ذلك أن عدداً كبيراً للغاية من العاطلين عن العمل يطاردون عدداً ضئيلاً للغاية من فرص العمل المتاحة، في حين تضغط التجارة والعولمة -جنباً إلى جنب مع الإبداعات التكنولوجية الموفرة للعمالة- على وظائف العمال ودخولهم بشكل متزايد، وهو ما يفرض المزيد من الضغوط على الطلب.

وعلاوة على ذلك، لا يزال الركود غالباً على أسواق العقارات حيث تحول الرواج إلى كساد (في الولايات المتحدة، والمملكة المتحدة، وإسبانيا، وأيرلندا، وأيسلندا، ودبي).

وفي أسواق أخرى، تفرض الفقاعات -على سبيل المثال في الصين، وهونغ كونغ، وسنغافورة، وكندا، وسويسرا، وفرنسا، والسويد، والنرويج، وأستراليا، ونيوزيلندا- خطراً جديدا، حيث يؤدي انفجارها إلى تدهور أسعار المساكن.

وأسواق السلع الأساسية أيضاً أصبحت مصدراً للضغوط الانكماشية. فقد تسببت ثورة طاقة الصخر الزيتي في إضعاف أسعار النفط والغاز، في حين تسبب التباطؤ في الصين في تقويض الطلب على مجموعة واسعة من السلع الأساسية، بما في ذلك خام الحديد، والنحاس، وغير ذلك من المعادن الصناعية، التي أصبح المعروض منها في زيادة بعد سنوات من تسبب أسعارها المرتفعة في تحفيز الاستثمار في قدرات صناعية جديدة.

كما يعمل التباطؤ في الصين، الذي يأتي بعد سنوات من فرط الاستثمار في العقارات والبنية الأساسية، على إحداث تخمة عالمية من السلع المصنعة والصناعية. ومع انكماش الطلب المحلي في هذه القطاعات بشكل حاد الآن، فإن القدرة الزائدة في قطاعي الصلب والإسمنت في الصين -على سبيل المثال لا الحصر- تغذي الآن المزيد من الضغوط الانكماشية في الأسواق الصناعية العالمية.

إن السياسات النقدية غير التقليدية، في غياب السياسات المالية المناسبة لمعالجة نقص الطلب الكلي، سوف تظل من السمات الأساسية التي تميز مشهد الاقتصاد الكلي

وكان اتساع فجوة التفاوت، بسبب إعادة توزيع الدخل من الشرائح الأكثر إنفاقاً إلى الشرائح الأكثر ادخارا، سبباً في تفاقم العجز في الطلب. وكذلك كانت حال التعديل غير المتكافئ بين الاقتصادات الدائنة المفرطة في الادخار والتي لا تواجه ضغوطاً من السوق قد تحملها على زيادة الإنفاق، والأسواق المدينة المفرطة في الإنفاق والتي تواجه ضغوطاً من السوق وكانت مضطرة إلى زيادة الادخار.

ضغوط معاكسة للتضخم
والأمر ببساطة أننا نعيش في عالم المعروض فيه أكثر مما ينبغي والطلب أقل مما ينبغي. والنتيجة هي الضغوط المعاكسة للتضخم، إن لم تكن الضغوط الانكماشية، برغم التيسير النقدي الواضح.

إن عجز السياسات النقدية غير التقليدية عن منع الانكماش الصريح يعكس جزئياً حقيقة مفادها أن مثل هذه السياسات تسعى إلى إضعاف العملة، وبالتالي تحسين صافي الصادرات وزيادة التضخم. ولكن هذا بمثابة لعبة محصلتها صفر لا تفضي إلا إلى تصدير الانكماش والركود إلى اقتصادات أخرى.

ولعل الأمر الأكثر أهمية كان عدم التطابق العميق مع السياسة المالية. فلكي يكون فعّالا، لا بد أن يكون التحفيز النقدي مصحوباً بتحفيز مالي مؤقت، وهو الأمر المفتقد الآن في كل الاقتصادات الكبرى. والواقع أن منطقة اليورو، والمملكة المتحدة، والولايات المتحدة، واليابان، كلها تتبنى درجات متفاوتة من التقشف المالي وتقليص الديون.

وحتى صندوق النقد الدولي أشار بشكل صحيح إلى أن جزءاً من الحل لعالم يعاني من فرط العرض ونقص الطلب لا بد أن يكون الاستثمار العام في البنية الأساسية، المنقوصة -أو المتداعية- في أغلب الاقتصادات المتقدمة والأسواق الناشئة (باستثناء الصين).

وفي ظل أسعار الفائدة طويلة الأجل القريبة من الصفر في أغلب الاقتصادات المتقدمة -والسلبية في بعض الحالات- فإن الحجة لصالح الإنفاق على البنية الأساسية تصبح مقنعة حقا، ولكن هناك مجموعة متنوعة من القيود السياسية، وخاصة حقيقة مفادها أن الاقتصادات التي تعاني من ضائقة مالية تلجأ إلى خفض الإنفاق الرأسمالي قبل خفض أجور القطاع العام، وإعانات الدعم، وغير ذلك من الإنفاق الحالي التي تعمل على إعاقة طفرة البنية الأساسية المطلوبة.

كل هذا يشكل وصفة لاستمرار النمو البطيء، والركود المزمن، وتراجع التضخم، بل وحتى الانكماش. ولهذا السبب فإن السياسات النقدية غير التقليدية، في غياب السياسات المالية المناسبة لمعالجة نقص الطلب الكلي، سوف تظل من السمات الأساسية التي تميز مشهد الاقتصاد الكلي.
ــــــــــــــــ
رئيس مؤسسة روبيني للاقتصاد العالمي، وأستاذ الاقتصاد في كلية شتيرن لإدارة الأعمال بجامعة نيويورك.

المصدر : بروجيكت سينديكيت

التعليقات