عبد الحافظ الصاوي

تضييق الخناق على موارد الدولة
ضغوط الخليج
أبعاد الموقف الدولي
البديل الإيراني

تتسارع تداعيات سقوط الدولة في اليمن بعد الإعلان الدستوري من قبل المسلحين الحوثيين، فلم تعد باليمن حكومة أو رئيس للدولة، كما لم يلق الإعلان الدستوري القبول من باقي الفصائل اليمنية، فضلا عن إصرار الجنوب على الانفصال.

ومنذ صدور الإعلان الدستوري من قبل الحوثيين بتشكيل مجلس رئاسي وخلافه، توالت التصريحات والتلميحات باستخدام عصا العقوبات الاقتصادية على الإدارة الجديدة التي فرضت نفسها بقوة السلاح على الساحة اليمنية.

ما يثير المخاوف من إمكانية فرض عقوبات اقتصادية على اليمن ما صدر من تلميحات من بعض القيادات الخليجية عقب اجتماع مجلس التعاون لدول الخليج العربية، والذي انتهى إلى وصف ما حدث في اليمن من قبل الحوثيين بأنه انقلاب على الشرعية، ووجوب عودة الأمور إلى نصابها

وبدأ شبح فرض العقوبات الاقتصادية على اليمن في الظهور مع نهاية عام 2014، حيث فرض مجلس الأمن عقوبات اقتصادية على الرئيس اليمني السابق وبعض قيادات الحوثيين، بمنعهم من السفر وتجميد أصولهم المالية.

لكن انتقال العقوبات من الأفراد إلى اقتصاد اليمن بالكامل يمثل مشكلة أكبر، نظرًا للأوضاع الاقتصادية الهشة بطبيعتها في اليمن، حيث يعد اليمن ضمن الاقتصادات الأشد فقرًا.

ومما يثير المخاوف من إمكانية فرض عقوبات اقتصادية على اليمن ما صدر من تلميحات من بعض القيادات الخليجية عقب اجتماع مجلس التعاون لدول الخليج العربية، والذي انتهى إلى وصف ما حدث في اليمن من قبل الحوثيين بأنه انقلاب على الشرعية، ووجوب عودة الأمور إلى نصابها.

تضييق الخناق على موارد الدولة
وقد ضُيق الخناق على موارد الدولة اليمنية خلال الشهور الماضية، بسبب ما تعرضت له البنية الأساسية لنقل وإنتاج النفط من قبل الفصائل المتنازعة هناك، ومن جهة أخرى بسبب تراجع أسعار النفط في السوق العالمي بنسبة وصلت لنحو 55%، مما أثر على عوائد الموازنة العامة بشكل كبير.

فالنفط يمثل السلع التصديرية الرئيسية في اليمن، وتعتمد على عوائده الموازنة العامة بشكل كبير، بل إن اليمن قام باستيراد مشتقات نفطية مع نهاية عام 2014، بسبب مشكلاته الداخلية المتعلقة بالسيطرة على المنشآت النفطية، وكذلك بسبب وقف السعودية بعض إمداداتها النفطية كنوع من العقوبة على تصرفات الحوثيين وسيطرتهم على مقدرات الدولة باليمن.

وفي حالة دخول التهديد بفرض عقوبات اقتصادية على اليمن حيز التنفيذ، ما المخاطر المحتملة اقتصاديًا لذلك؟

ضغوط الخليج
تمثل التعاملات الاقتصادية والتجارية لليمن مع دول الخليج جانبًا مهمًا لا يمكن إغفاله، وخاصة في ضوء ما قدمته دول الخليج مؤخرًا من مساعدات عقب قيام الثورة اليمنية. فقد قدرت المساعدات الخليجية المقدمة لليمن على مدار السنوات الأربع الماضية بنحو 6.2 مليارات دولار، وشكلت المساهمات السعودية منها النصيب الأكبر، وتعرض اليمن لمشكلات نتيجة تعرض جزء من هذه المساعدات للتوقف، إذ قامت اليمن باستيراد البنزين أواخر عام 2014 نتيجة وقف الإمدادات النفطية السعودية.

في حال فرض عقوبات اقتصادية شاملة أو جزئية من قبل دول الخليج على اليمن، ستكون آثارها ملموسة بشكل كبير، سواء في ما يخص المساعدات، أو التبادل التجاري، أو العمالة

وحسب بيانات عام 2013، فقد بلغ حجم التبادل التجاري بين اليمن ودول الخليج 6.1 مليارات دولار، كانت الإمارات هي الشريك الخليجي الأول لليمن، تبعتها السعودية، ثم الكويت، وأسفرت نتائج التبادل التجاري بين الطرفين عن وجود فائض لصالح دول الخليج يصل لنحو أربعة مليارات دولار.

كما يعمل في دول الخليج حوالي ثلاثة ملايين عامل يمني، تستوعب السعودية الجانب الأكبر منهم، وهم بدورهم يقومون بتحويلات دورية لأسرهم وذويهم، تشكل جانبًا مهمًا من تدفقات النقد الأجنبي لليمن.

وفي حالة فرض عقوبات اقتصادية شاملة أو جزئية من قبل دول الخليج تجاه اليمن، ستكون آثارها ملموسة بشكل كبير، سواء في ما يخص المساعدات، أو التبادل التجاري، أو العمالة؛ مما سيسبب العديد من المشكلات للاقتصاد اليمني. ومن هذه المشاكل على سبيل المثال ما يلي:

- انخفاض قيمة العملة المحلية: ضمن المساعدات التي قدمتها السعودية لليمن مليار دولار كوديعة بالبنك المركزي اليمني لتقوية موقف احتياطي النقد الأجنبي. وفي حالة استرداد السعودية هذه الوديعة، أو تخلي الخليج عمومًا عن تقديم دعمه في شكل ودائع نقدية، أو مد اليمن بتدفقات دولارية، فإن العملة اليمنية سوف تشهد المزيد من الانخفاض أمام العملات الأجنبية، فالسعر الرسمي الآن للدولار في السوق اليمنية 214 ريالا.

- ارتفاع معدلات التضخم: في حالة تحويل التجارة بين اليمن ودول الخليج لجهة أخرى، فسوف يؤدي ذلك إلى ارتفاع تكلفة النقل لبعد المسافة، مقارنة بوضع التجارة مع دول الخليج، وارتفاع تكلفة النقل سينعكس على ارتفاع المستوى العام للأسعار لجميع السلع محل التجارة الخارجية بين اليمن ودول الخليج.

- زيادة معدلات البطالة: لا شك أن تردي العلاقات السياسية لليمن مع دول الخليج من شأنه أن يعود بالسلب على العمالة اليمنية الموجود حاليًا في الخليج، كما سيؤدي كذلك على الطلب المحتمل على العمالة اليمنية، وفي حال اتخاذ دول الخليج أية خطوات لتقليص العمالة اليمنية سوف يزيد من معدلات البطالة في اليمن، والتي قدرت بنحو 50% نهاية عام 2014.

- تراجع ثقة المؤسسات الدولية: كانت دول الخليج من أهم الداعمين لمؤتمر المانحين الذي عقد لمساعدة اليمن، وأدى هذا المؤتمر إلى تسهيل التفاوض بين اليمن وصندوق النقد الدولي للحصول على قرض بقيمة 650 مليون دولار نهاية عام 2014. وتخلي دول الخليج عن الدعم الاقتصادي والسياسي لليمن من شأنه أن يؤثر على تعاملات المؤسسات المالية الدولية سلبيًا على اليمن، بل قد يؤدي إلى احتمالات عدم حصول اليمن على باقي شرائح قرضها الذي وقعت عليه مع صندوق النقد الدولي نهاية عام 2014.

أبعاد الموقف الدولي
على الرغم من أن المجتمع الدولي لم يتطرق بعد لقضية فرض عقوبات اقتصادية على اليمن، فإن الأمر وارد إذا استمر الإصرار من قبل الحوثيين على فرض الأمر الواقع، وإدارة الدولة اليمنية بقوة السلاح. وفي حالة تصعيد الموقف دوليًا، فقد تشل حركة العديد من المؤسسات المالية في اليمن، وعلى رأسها البنك المركزي والجهاز المصرفي بشكل عام.

قد يكون البديل لليمن إذا استقرت الأمور للحوثيين بالسيطرة على مقاليد الحكم أن يستبدلوا التوجه نحو إيران بالتعاون الاقتصادي مع دول الخليج، لكن هذا الأمر ليس سهلا، إذ سيكون هناك عدد من القيود تتعلق بوضع إيران الاقتصادي"

وحتى هذه الحصة الضئيلة التي تصدرها اليمن من النفط قد تكون محلا لفرض العقوبات الاقتصادية من المجتمع الدولي، وهو ما يعني القضاء على مظاهر الحياة الاقتصادية باليمن، فعوائد النفط تشكل نحو 70% من إيرادات الموازنة العامة للدولة.

ويترتب على وقف الصادرات النفطية لليمن، وقف رواتب العاملين بالدولة، وشل الكثير من المرافق والخدمات العامة، فضلا عن التسبب في شيوع ظاهرتي الفقر والبطالة بمعدلات أكبر مما هي عليه الآن.

البديل الإيراني
قد يكون البديل لليمن إذا ما استقرت الأمور للحوثيين بالسيطرة على مقاليد الحكم أن يستبدلوا التوجه نحو إيران بالتعاون الاقتصادي مع دول الخليج، ولكن هذا الأمر ليس سهلا، فسوف يوجهه عدد من القيود، منها أن الأوضاع الاقتصادية لإيران حاليًا غير مستقرة، بعد أزمة انهيار سعر النفط، مما سيجعل قدرة إيران على تقديم الدعم النقدي أو العيني للاقتصاد اليمني، بنفس الصورة التي تقدمها دول الخليج، أمرًا صعبًا.

ومن ناحية أخرى، فإن سوق العمل الإيراني يعاني من مشكلة بطالة منذ سنوات، ومن الصعوبة بمكان أن يستقبل المجتمع الإيراني العمالة اليمنية، فلم يعرف عن إيران على مدار العقود الثلاثة الماضية أنها من البلدان المستقبلة للعمالة.

بل إن إيران نفسها وجدت في دولة الإمارات الخليجية منفذًا اقتصاديًا لها في ظل العقوبات الاقتصادية، وتعتبر الإمارات الشريك الاقتصادي الثاني عالميًا لإيران، والأول عربيًا، بحجم تبادل تجاري يصل لنحو 16 مليار دولار.
ـــــــــــــــــ
كاتب صحفي مصري.

المصدر : الجزيرة