ضعف إيرادات الدولة الليبية قد يؤدي للجوء للاحتياطي النقدي ورفع الدعم عن السلع الأساسية، إضافة إلى تداعيات أخرى قد تولد ركودا اقتصاديا يضاف لحالة عدم الاستقرار، مما قد يزعزع ثقة تجار الأسواق الموردة، ويجعلهم يطلبون التعامل بالنقد بدل العقود المؤجلة.

مبروكة منصور-طرابلس

على وقع الأزمة السياسية والأمنية المتدهورة في ليبيا تعيش البلاد أزمة اقتصادية تجعل من الصعب التكهن بالمتغيرات المستقبلية ذات الصلة بعائدات النفط على المواطن ومدى تأثره معيشيا واجتماعيا.

ويؤكد مراقبون أن ضعف إيرادات الدولة ينبئ باحتمال استخدام احتياطاتها من النقد والذهب والممتلكات الأخرى، ورفع نسبة من الدعم عن السلع الأساسية والمحروقات وخروج بعض الشركات النفطية من ليبيا وانخفاض مستوى السيولة لدى المصارف التجارية.

وسينتج عن كل ما سلف ضغط على الصندوق السيادي الليبي، وضعف في الإيرادات غير النفطية من ضرائب ورسوم جمركية وركود اقتصادي شبه تام.

المصارف التجارية الليبية توقفت عن بيع الدولار لأسباب غير معروفة (الأوروبية)
رفع الأسعار
حالة الركود في الأسواق باتت الشغل الشاغل للتجار، في هذا الإطار قال أحمد سالم -وهو مالك متجر للأحذية- إن الاقبال على شراء البضائع المتمثلة بالأحذية الجلدية والحقائب المنتجة في سوريا والصين يشهد كسادا لافتا، مشيرا إلى ركود عام في البضائع التي يتاجر بها باستثناء بعض لوازم الأطفال.

ويرجع سالم أسباب قلة الطلب على هذا النوع من البضائع إلى رفع التجار الليبيين أسعارها، وعدم تمكن المواطنين من توفير متطلباتهم اليومية بسبب أوضاع البلاد، وتأخر دفع الأجور، وعدم الاستقرار الذي يعيشه المواطن.

وبرر سالم أسباب رفعه أسعار بضاعته إلى ارتفاع سعر الدولار في السوق الموازي، ولفت إلى أن المصارف التجارية توقفت لأسباب غير معلنة عن بيع الدولار، وأنه يدفع ضريبة جمركية مضاعفة عن ما كانت عليه.

فقدان المزود
وحسب إفادات بعض التجار، فإن معاناتهم لا تتوقف عند كساد البضاعة بل تصل إلى حد فقدان المصادر المزودة، إذ بات يخشى التجار الذين كانوا يوردون البضائع من سوء أوضاع ليبيا فيوقفون التعامل مع التجار الليبيين بعقود مؤجلة ويكتفون بالتعامل نقدا.

ونفى مدير قسم الإيرادات بمصلحة الجمارك أنور راشد أن تكون هناك ضريبة تدفع للدولة بعد أن أصدر المجلس الوطني الانتقالي القرار رقم 48 الذي ينص على إعفاء السلع الغذائية المستوردة من الضريبة، وقال إن الأسعار ازدادت كثيرا عقب هذا القرار بشكل لا يحتمله المواطن البسيط.

وأشار في حديث للجزيرة نت إلى أن قرار وزير المالية رقم 32 لعام 2012 -والذي يعفي واردات الجهات الممولة من الميزانية العامة- لن يحقق مصلحة المواطن إلا اذا تم تشديد الرقابة من قبل الحرس البلدي وحماية المستهلك.

الأسعار ارتفعت في ليبيا بعد إعفاء السلع الغذائية المستوردة من الضرائب (رويترز)

الإعفاءات والقوانين
وأكد أن العديد من الشركات والمصانع التي تتمتع بإعفاءات جمركية تتحايل على القرار بشتى الطرق المالية، وأن القوانين لم تحقق النتائج المرجوة كتشجيع الاستثمار، بل وتكبد الدولة خسائر مادية.

وطالب رئيس اللجنة الاستشارية المالية الاقتصادية في مصرف ليبيا المركزي محمد أبو سنينة بتفعيل الرقم الوطني لصرف المرتبات التي ارتفعت من ثمانية مليارات دينار (11 مليار دولار تقريبا) عام 2010 إلى 24 مليارا ( 32 مليار دولار) عام 2014.

كما طالب بإعادة النظر في دعم المحروقات الذي وصل عام 2014 إلى ثمانية مليارات دينار، "وإعادة النظر في سياسة دعم السلع تدريجيا وتنمية الإيرادات السيادية غير النفطية مثل الضرائب والرسوم الجمركية شريطة ترشيد الإنفاق العام وضبطه، ووقف الصراع المسلح والانقسام السياسي الحالي نحو معالجة الأزمة والعجز الماليين المتوقع وصوله إلى عشرين مليارا عام 2015.

بيع الممتلكات
ويرجح المحلل الاقتصادي عصام زينوبة أنه في حال استمر هبوط سعر النفط واستقر ما بين 35 و50 دولارا أكثر من عشرين شهرا من دون حصول تحسن فسوف تضطر الدولة لبيع ممتلكاتها في الخارج مع إمكانية حصول فشل وتدني مستوى إنتاجية بعض الشركات العامة واللجوء للاستدانة من القطاع الخاص والخارج.

وقال للجزيرة نت "ستفقد ليبيا بعض مكانتها في الخارطة الاقتصادية، وهيبتها كدولة مهمة في شمالي أفريقيا".

وحسب زينوبة فإن التأثيرات المنظورة تكمن في تخوف شعبي بدأ يحدث، مما يدعو للبحث عن ملاذات آمنة للأموال وضبط وجوه الإنفاق بما يحافظ على مستوى المعيشة بدلا من الإسراف.

المصدر : الجزيرة