هيثم حسين

في رد روائي على تصاعد العنف الطائفي في العراق، يلجأ الكاتب مرتضى كزار (مولود في الكويت 1982) في روايته "طائفتي الجميلة" إلى السخرية اللاذعة من الأحوال التي يعيشها بلده، وتأثير ذلك على حالة الناس الذين يجدون أنفسهم في معمعة معارك عبثية يخوضون غمارها، ويكتوون بنيرانها.

يقرر بطل الرواية (منشورات الجمل، بغداد 2016م) تأسيس طائفة خاصة به يحتمي بها، تنجيه من ويلات الواقع، يستقر على اختيار النحل طائفة له، يهندس قفير النحل، يحلم بالعسل الذي ستمنحه إياه، ويرنو إلى حالة التعاون التي تسم عوالم مملكة النحل، من دون التغافل عن الإشارة إلى وخزها المتوقع، وأسلحتها الدفاعية التي تتصدى بها للأعداء الذين يحاولون اقتحام ممالكها، والعبث بأمنها وسلامتها، واستنزاف عسلها أو سرقته.

الراوي أكثم طبيب بيطري عراقي يشرف على حيوانات ابن الرئيس، يسرد حكايات غريبة عاشها قبيل الغزو الأميركي للعراق، وإسقاط النظام؛ من ذلك مثلا الحكاية التي تشكل شرارة الأحداث، حين تداهم قوة خاصة منزله، وتقوده كأنه مجرم فار من العدالة، ليخرج جروا صغيرا دخل إلى تمثال الرئيس، ويصدر صوتا متقطعا ينال من هيبة التمثال. يبقى أكثم هناك بانتظار مفاجأة تخفف عنه وطأة الإقامة الإجبارية، ويتعرف إلى الجنود ويحكي قصصهم الغريبة.

مرتضى كزار يقول إنه جرب استعادة لحظة عنيفة وفارقة في الحياة العراقية (الجزيرة)

ملح على الجروح
هناك شخصية جميل الذي يشتهر "بجميل يحترمني"، يقتفي الراوي أثره، وكيف تحول من عسكري إلى مذيع، ومفارقة زوجته التي تم تجنيدها في الحرب العراقية الإيرانية لتسهم على الجبهات بدورها.

يحصل ذلك وكأنه تم تغيير جنسها في البطاقة الرسمية لتقدم على أنها ذكر وليست أنثى، وأرغمت على تكييف حياتها وفق التغيير اللغوي في بطاقتها، أصبح اسمها "زغل" بدلا من "زغلة"، وكان شكلها مثيرا للأسى والهزء معا كردود أفعالها الغريبة.

تبلغ السخرية المريرة ذروتها حين يضطر الراوي لكتابة رسالة إلى الرئيس الأميركي، يطلعه على أحوال كلبه "خاكي" ويسأله الرأفة بحاله، ومنحه لجوءا في بلده، وذلك من باب حماية حقوق الحيوان، ويكون في سؤاله راغبا في مرافقة كلبه إلى بلاد العم سام، ليظل قريبا منه، محاولا الإيفاء بالتزاماته حياله، وإكمال الاعتناء به.

كأنما يميل مؤلف "السيد أكبر أصغر" لالتقاط اللامألوف وتوثيقه، في مسعى لرش الملح على الجروح العراقية النازفة، يظهر الأمر كأنه بات من طبيعة الحياة العراقية ما بعد الاحتلال الأميركي للعراق، ولعنة التعصب الطائفي، والسخرية من سبل التجييش البغيضة، والسعي لتسخيفها عبر السخرية منها، والعودة من خلال أجواء الرواية إلى عالم الحيوان والغوص فيه، وتقديمه كنموذج للتعايش والتعاون. 
 
ثقوب الانفجارات
في تصريح خاص للجزيرة نت أشار الروائي مرتضى كزار إلى أنه جرب من خلال شخصية بطله أكثم استعادة لحظة عنيفة وفارقة في الحياة العراقية، لحظة صاخبة تنمو وتتجدد وتنشر الأسئلة والإجابات المشوشة، ويقرأ في كتاب المواعظ كليلة ودمنة ويرى في الحيوانات الرئاسية ما لا يراه غيره.

الكاتب يلتقط ما هو غير مألوف ويوثقه، في مسعى لرش الملح على الجروح العراقية النازفة، ويظهر الأمر كأنه بات من طبيعة الحياة العراقية ما بعد الاحتلال الأميركي للعراق، ولعنة التعصب الطائفي

ويلفت إلى أن بطله الذي يظهر كترميز لشريحة من العراقيين يعيش لحظة التغيير الكبير، وتبدل الأحوال والنظام. وكان عليه كشخصية متعلمة التصدي للتفكير والرد على أسباب العنف والاضطرابات التي تلت تلك اللحظة، فهو يمثل تلك الأقلية الكثيرة التي تقع عليها الأسئلة ولا يسمع رأيها أحد. ينشغل بالبحث عن حيواناته الهاربة من الأقفاص والتحضير لمشروعه الإحيائي الخاص.

يشير كزار كذلك إلى أن الحوادث تقود راويه إلى الانفتاح على شخصيات آدمية تجعله يغوص عميقا في ذاته المتعبة والمدانة بلا سبب، يحمل معه إحساسا بالإدانة من دون أن يكون ذلك مفهوما بالنسبة له، يخطط لتأسيس طائفة خاصة ولا يرى نفسه إلا واحدا من ركاب مدينة منكوبة سقطت منذ زمن بعيد.

لا يخفي كزار أسفه وهو ينوه إلى أن العمى هو فضيلة لا تنكر أمام هذه الصور شديدة الوضوح، يقول "نحن نرى كل شيء، والعالم حولنا يرى كل شيء، لكن لا أحد يستعمل حواسه الطبيعية ليتجاوب مع الفظائع، فنحن بالنسبة لأكثم وكلبه وصديقه الأعمى نأكل ونشرب ونتنفس في منطقة غير مرئية من العالم".

ويجد أن حدة الإيمان بالعمى تبلغ عند أحد أبطاله درجة يجرب فيها قراءة الثقوب التي تصنعها الانفجارات على الجدران، يترك كتبه المكتوبة بلغة بريل ويسعى في الشوارع بحثا عن تلك الثقوب ليتلوها، ثم يقرر الرد عليها ومحاورة المسؤولين عما حدث، كأنه ابتدع لغة خاصة قوامها ثقوب الانفجارات.

المصدر : الجزيرة