علي القاسمي.. رفقة المتنبي وابن رشد وقصة رشا
آخر تحديث: 2016/6/20 الساعة 16:56 (مكة المكرمة) الموافق 1437/9/16 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2016/6/20 الساعة 16:56 (مكة المكرمة) الموافق 1437/9/16 هـ

علي القاسمي.. رفقة المتنبي وابن رشد وقصة رشا

علي القاسمي يقيم في المغرب منذ عام 1972 وتفرغ كليا للكتابة والقراءة منذ 15 عاما (الجزيرة)
علي القاسمي يقيم في المغرب منذ عام 1972 وتفرغ كليا للكتابة والقراءة منذ 15 عاما (الجزيرة)

على درب الرحلة مع عدد من الكتاب والمبدعين العرب، للتعرُّف على طقوسهم في الإبداع والكتابة والقراءة خلال شهر رمضان الكريم، نتوقف اليوم مع الكاتب العراقي علي القاسمي الذي يقيم في المغرب منذ أكثر من أربعة عقود.

يمضي القاسمي (74 عاما) سنويا شهر رمضان في بيته على شاطئ الهرهورة قرب الرباط وحيداً مثل ناسكٍ متبتلٍ منقطعٍ للعبادة والقراءة والكتابة، واختار هذا العام صحبة اثنين من رموز الثقافة العربية: أبو الطيب المتنبي وابن رشد، إلى جانب مواصلة كتابة رواية بعنوان "رشا".

تفرغ القاسمي للقراءة والكتابة منذ 15 عاماً، بعد أن ترك وظيفته في المنظمات الدولية، ويجمع بين الكتابة الأدبية والاهتمام العلمي بشؤون المعاجم والمصطلحات والاشتغال في الترجمة، حيث صدرت مؤخرا النسخة الثامنة من ترجمته لكتاب "وليمة متنقلة" للكاتب الأميركي إرنست همنغواي.

في ما يلي نص رد الكاتب على أسئلة الجزيرة نت حول طقوسه في القراءة والكتابة وشجونه وحنينه في شهر رمضان:

شهر رمضان المبارك شهر العبادة والغفران، شهر التأمل والحنين والذكريات، فالجوع يشحذ الفكر، ويُرهِف الإحساس والعاطفة والوجدان. وإذا كنتَ بعيداً عن الأهل والأحباب والأصحاب، فإن حنينكَ سيتضاعف بلا حساب.

أمضي شهر رمضان من كل عام في دارتي على شاطئ الهرهورة قرب الرباط وحيداً مثل ناسكٍ متبتلٍ منقطعٍ للعبادة والقراءة والكتابة. وهناك يمنح المحيط الأطلسي ناظريَّ وليمةً دسمة من الشسوع والألوان والظلال المتحولة على سمائه وأُفقه وأمواجه وصخوره، ويهب مسمعيَّ موسيقى سرمدية من هدير أمواجه الأبدية، فأشعر بأن الكون يسبّح بعظمة الخالق وحمده، ويعرّي ضعف الإنسان وهوانه.

بيدَ أن رمضان هذا العام جاء مثخناً بشحنة أليمة من الحنين والأسى، بسبب ما يجري في بلدي العراق وبقية بلدان وطني العربي، من قتلٍ وتهجير ودمار، فأحاول أن أدفن أساي وأحزاني في القراءة، وأحتمي بالكتابة من هول الرؤى والهواجس البئيسة، التي تقتحمني بلا استئذان ولا هوادة، فتستدر مني حسراتي الواهية وأحزاني البالية.

أعيد قراءة "ديوان المتنبي"، فأتذكر الحياة المتعبة التي عاشها في عصر مضطرب، ويُشعِرني بما نحن عليه اليوم. وأقرأ "تهافت التهافت" لابن رشد فتتماثل أمام عيني دويلات الطوائف في الأندلس، التي كان يحارب بعضها بعضاً ويحالف العدو ضدَّ أخيه العربي، تماماً كما نفعل اليوم.

يطردني الهم والألم والقلق إلى أحضان الكتابة في أعماق الليل وسكونه، فألفي أن القلق -في حقيقته- مولد الكتابة ومدفنها في آن واحد. فأنتَ لا تستطيع أن تحقّق ذاتك وتجوّد إبداعك ما لم يحتضنك شعور بالأمن والأمان والاطمئنان، وتمتلك كفّاك الكفاية المادية. وأي عربي اليوم يتوافر له كل ذلك الرفاه الخيالي؟ فأعزي نفسي بأن الإنسان مصاب بقلق وجودي مزمن، ولا بد من مواصلة العمل والحياة.

لم أتفرغ للقراءة والكتابة إلا منذ 15 عاماً، بعد أن تركتُ وظيفتي في المنظمات الدولية. وطقوس الكتابة لدي معقدة نوعاً ما؛ فإذا كان همنغواي -كما يخبرنا في روايته السير ذاتية "وليمة متنقلة" التي ترجمتُها إلى العربية- يكفيه قلم رصاص وأوراق ومقهى هادئة ليكتب، فأنا عادة لا أستطيع الكتابة في المقاهي، باستثناء مقهى مخصوصة في مدينة مراكش.

رمضان هذا العام مثخن بشحنة أليمة من الحنين والأسى بسبب ما يجري في بلدي العراق وبقية بلدان وطني العربي، فأحاول أن أدفن أساي وأحزاني في القراءة، وأحتمي بالكتابة

ولأني كاتب متعدِّد الاهتمامات والقراءات، فإن طقوس الكتابة تتباين لدي من موضوع إلى آخر. أفضل كتابة السرد -قصص قصيرة وروايات- بمكتبي في دارتي على شاطئ البحر في الربيع والصيف، على حين أميل إلى كتابة الموضوعات المعجمية والمصطلحية في مدينة مراكش خلال فصلي الخريف والشتاء، أما القراءة ففي كل مكان وفي جميع الفصول، ليلاً ونهاراً. والمبدأ هو "اقرأ تكتب".

بعد أن حقّقت روايتي "مرافئ الحب السبعة" (2012) نجاحاً، فإنني انخرط هذه الأيام في كتابة رواية بعنوان "رشا" عن فتاة ذات طموح أكبر مما تسمح به الأوضاع في بلداننا العربية، تزوجت رشا فقاست كثيراً من معاملة الزوج الذي أنجبت منه ابنين خلال ثلاث سنوات قبل أن تودي بحياته حادثة سير.

مقارعة الزمن
وراودها أمل تغيير حياتها وضمان مستقبل ابنيها عن طريق الهجرة إلى أوروبا، تماما كما يفعل الآلاف من شبابنا الذين يمتطون "قوارب الموت" هاربين من بلدانهم التي لا تضمن لهم أدنى حقوق الإنسان، ويقضي كثيرٌ منهم في البحر.

لكن رشا -التي استقرت في ألمانيا- عانت ألواناً أليمة من الغربة، غربة الوجه واليد واللسان، كما يقول المتنبي، واستبد بها الحنين إلى الوطن والأهل والثقافة. وعندما أنهى ولداها دراستهما في ألمانيا واستقلا، أرادت أن تعود إلى وطنها، ولكنها ألفت نفسها غريبة فيه.

غير أني بطيء في كتابة الرواية، فقد استغرقت كتابة "مرافئ الحب السبعة" عشر سنوات كاملة، لأنني انفعل بالأحداث، وأتقمص الشخوص، وأشاركهم آلامهم وأحزانهم ودموعهم، وقد تغرورق عيناي بالعبرات في أول الجلسة ولا أستطيع الاستمرار في الكتابة، فأنتظر يوماً آخر.

أفضل كتابة القصة القصيرة، لأنني بعد أن تختمر فكرتها في نفسي ووجداني بضعة أيام أو أسابيع، أكتبها مكثَّفةً في جلسة واحدة، كما أتوقع أن يقرأها القارئ في جلسة واحدة كذلك، لتنتج مفعولها المطلوب. القراءة والكتابة -بالنسبة إليّ- وسيلة لمقارعة الزمن، ونفي الغربة، وهدهدة الحنين.

المصدر : الجزيرة

التعليقات