هيثم حسين

يسعى الشاعر السوري نوري الجراح في ديوانه الجديد "قارب إلى ليسبوس" إلى التذكير بأولئك السوريين الذين فقدوا حياتهم أثناء إبحارهم من شواطئ إزمير التركية إلى جزيرة ليسبوس اليونانية، كأن الشاعر ينتقم من الغرق بالتذكر، ويحتفظ بملامح الغرقى وصورهم، ويمد لهم جسراً من الأمل رغم ما ينقله من لقطات خراب معمم.

يحرص الجراح -وهو من مواليد دمشق 1956، ويقيم في لندن منذ نحو ثلاثين سنة- على نفس القصيدة الملحمي، حيث ألواح إغريقية متخيلة تحتضن أوجاعاً واقعية، تمور بالأسى وتنضح بالخسارات المتتالية.

مناداة ومناجاة، صراخ في دائرة النار والماء، احتفاء شعري بالوجع الدموي، توصيف مشاهد الإبحار والهجرة والغرق، اقتحام الأمواج وركوبها في مسعى إلى خلاص منشود على الضفة الأخرى.

تتحرك القصيدة لدى الجراح تحت وقع السياسة، ترثي تاريخاً معيناً، وتهجو واقعاً بائساً مشوهاً. تراه يناجي السوريين الراكبين أمواج البحر بين المشهد والآخر، ثم ينتقل إلى مخاطبتهم عن قرب حين ينتقل بكيانه إلى ليسبوس ليستقبل قوافل المبحرين، ويمزج بين البسمة والدمعة حين استقبالهم.

يستعيد الجراح صورة الطفل السوري الشهيد المرمي على شواطئ بحر إيجة، يسأله بحنو وتفجع: "كيف، يا طفلي الصغير، لم تصل إلى حضني، كيف ردتك الموجة عني وتركتك هناك على شاطئ إزمير؛ ملاكا بلا جناحين".

نوري الجراح من مواليد دمشق عام 1956 ويقيم في لندن منذ نحو ثلاثين سنة (الجزيرة)

مأساة ومناجاة
ينقل بعد ذلك أصوات من داهموا المكان المنشود، وحاولوا تغيير معالمه التاريخية، ليفرضوا عليه هوية جديدة طارئة لا تنتمي إليه، يحاول استنطاق الآخر المحتل لدمشقه التي يحرص على استعادتها بصورتها التي يحتفظ بها في ذاكرته الطفولية. وينتقل إلى الضفة الأخرى ليعبر عن مأساة متجددة: "في باحة الأموي، أخيرا، جسدي يشطر التاريخ، جسدي يمكن نصل الملهاة من نسل معاوية ويزيد".

ثم يتحرك في ميدان التحدي، يستعيد زمام المبادرة والمواجهة، قبل أن يبلغ به التفجع ذروة مؤلمة، لينتقل من المناجاة إلى الرجاء، يرجو السوريين المبحرين ألا يغرقوا، وهو رجاء لا يخلو من يأس من تغير الأحوال، يرجوهم أن يموتوا في المجاز لا في الحقيقة. "اتركوا اللغة تدفنكم في أوصافها، ولا تموتوا وتدفنوا في تراب. ليس للتراب ذاكرة سوى الصمت. أبحروا في كل جهة، وفوزوا بضجة أرواحكم".

كيف يمكن لشاعر أن يستعيد قصيدته ليتحدث عنها وهو الذي خرج من أتون كتابتها كما خرجت هي من جحيم التجربة التي وقفت وراءها وكانت باعثا عليها؟ بهذه الكلمات يصف الشاعر نوري الجراح، في تصريح للجزيرة نت عودته للوقوف على قصيدته "قارب إلى ليسبوس"، ويقول إنه يشعر باستحالة أن يتكلم عن هذه القصيدة الملحمية التي تنهض على "أصوات" كل ما تحمله إلى أسماعنا هو ضجة الأسى الجماعي وعصف الآلام الكبرى في التغريبة السورية.

نوري الجراح:
أنا المنفي وقد طاله زلزال الثورة العظيمة في منفاه وشقق من تحت قدميه أرض المنفى، وناداه إلى ذرى جديدة، فكان أن أحيا في روحي الأمل من بعد يأس، وفجر في لغتي مكبوتاتها المنتظرة

زلزال الثورة
يلفت الجراح إلى أن الشعر -هنا- على هذا المفترق صوت الحياة في مواجهة أصوات الفناء. ويتساءل: ماذا يمكن للشعر أن يفعل بإزاء وقائع تعجز القواميس عن وصف أهوالها؟ بل ماذا يمكن لغير الشعر أن يفعل في وصف ما لا يوصف؟ ماذا يمكن للروح الإنسانية المصدومة بالأهوال أن تفعل بآلامها دون سطر شعري يهزم ببلاغته المضادة بلاغة الجريمة ولسانها الشيطاني، ويمجد الحياة في وجه وحش الموت.

على هذه الخلفية الفادحة كتب الجراح شعره منذ خمس سنوات، ويقول "أنا المنفي وقد طاله زلزال الثورة العظيمة في منفاه وشقق من تحت قدميه أرض المنفى، وناداه إلى ذرى جديدة، فكان أن أحيا في روحي الأمل من بعد يأس، وفجر في لغتي مكبوتاتها المنتظرة، وجعل لتلك المكبوتات صوراً وكلمات، فصارت لها هيئة وكياناً".

يتحدث الجراح بأسى عن أنه ليس ثمة ما هو أكثر تراجيدية من الموت غرقا في بحر بلا قرار، بينما أنت تحاول النجاة من الموت على اليابسة، وقد أفلت للتو من يد القاتل. إن كل أساطير العالم القديم لتقف عاجزة أمام صور الموت البحري للسوريين الهاربين من جحيم الاستبداد، وقد أمسوا شهداء العالم الحديث على مفترق القارات.

المصدر : الجزيرة