نزار الفراوي-الرباط

تتألق نخبة من أعمال النحات العالمي السويسري ألبيرتو جياكوميتي (1901-1966) في أروقة متحف الفن الحديث والمعاصر بالرباط، في معرض فريد بالقارة الأفريقية، التي كان لثقافاتها وفنونها البدائية تأثير قوي على هذا الفنان.

على مدى أربعة أشهر ونصف، يقيم هذا الإرث الفني المتعدد الأشكال والمحطات، داخل المتحف ليستعيد من خلاله عشاق التشكيل سيرة فنان طبع تاريخ النحت الحديث، وأنصت لتعدد مصادر الإلهام الفني، وخرج من جلباب المدارس الغربية والقواعد المقولبة، ليكتشف مكنون الإبداع في مظهره الطبيعي والفطري الذي يمنحه السحر والخلود.

وللجمهور، المثقف منه والبسيط، أن يقف بوضوح، وهو يعاين التحف المعروضة ضمن المحور المتعلق بالتأثير الأفريقي والمصري القديم في أعمال جياكوميتي، على انجذاب فنان اكتشف مبكرا قارة جمالية وتشكيلية مختلفة، في محاكاته لوجوه الإنسان الأفريقي التي يخلدها فن الأقنعة والأشكال المستوحاة من الآثار المصرية القديمة.

منحوتة "الرجل الذي يمشي" من أشهر أعمال ألبيرتو جياكوميتي (الجزيرة)

سحر أفريقيا
وقد خصص المنظمون فضاء خاصا في المتحف يقترح الأعمال التي تعكس التأثير الأفريقي والمصري القديم على جياكوميتي. ويظهر ذلك جليا في منحوتات البرونز والجبس والتماثيل النصفية لشخوص تقف على قاعدة من ذات المادة، بشكل يحاكي التماثيل المصرية الفرعونية،  وهي أعمال يرجع جلها إلى عقدي الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين.

ويعود أصل الفتنة الأفريقية في أعمال جياكوميتي إلى قربه في مرحلة ما من كارل أينشتاين، مؤلف الكتاب المرجعي حول النحت الأفريقي بعنوان "الفن التشكيلي الزنجي"، منذ منتصف العشرينيات، حيث نما ذوقه المائل إلى الفنون غير الغربية، وانجذب إلى ذلك العالم الغرائبي الذي اكتشفه في المجلات والكتب الفنية، وكذا في مجموعات متحف تروكاديرو الإثنوغرافي ومتحف اللوفر في فرنسا.

وبدت هذه التأثيرات، حسب الوثيقة التقديمية للمعرض، في نسخ صور الفيوم والتماثيل المصرية وأقنعة أفريقيا السوداء، كما تجلت في إعادة تحويل أشكال الدروع والتماثيل الجنائزية ودمى الخصوبة. وتذكر النساء الواقفات على قاعدة التماثيل بالتماثيل المصرية، فيما تحيل صباغة الوجوه النسائية المصنوعة بالجبس على وشوم ورسومات الجسد في الشعائر البدائية الأفريقية.

ويقترح المعرض أيضا على زواره واحدة من أشهر منحوتات جياكوميتي، هي منحوتة "الرجل الذي يمشي" التي صنعت في صيغتها الأولى عام 1947. فبهذا التمثال، الوحيد في حجمه الطبيعي، يعيد جياكوميتي الاعتبار لوجود الإنسان، مجسدا إياه في حركته، مع العلم أن بعض النقاد قدموا قراءات تربط دلالات المنحوتة بوضعية الإنسان الناهض من أهوال الحرب العالمية الثانية.

من أعمال جياكوميتي المعروضة في متحف الفن الحديث والمعاصر بالرباط (الجزيرة)
انفتاح فني
كما تحضر في المعرض منحوتات شهيرة أخرى مثل "الكرة المعلقة" و"القفص" وأعمال أخرى متفاوتة الأحجام، توزع عرضها بما يعكس تطور أساليب فنان ظل منفتحا على التطور، حريصا على اكتشاف مرجعيات فنية جديدة لإثراء تجربته ورؤيته التشكيلية.

يذكر أن جياكوميتي الذي رأى النور على الحدود مع إيطاليا،  فتح عينيه على عالم مشبع بالفنون، ذلك أن والده جيوفاني جياكوميتي كان رساما انطباعيا معروفا. أنجز الفنان الصغير أول أعماله في الرسم وأولى قطعه المنحوتة وهو في الرابعة عشرة من العمر. وسافر إلى باريس للدراسة عام 1922، حيث تتلمذ على يد النحات أنطوان بورديل.

تفتحت مداركه على العديد من المدارس الفنية التي كانت تصنع حيوية المشهد الفني في أوروبا، إلا أن السمة التي تكرر حضورها في أعمال جياكوميتي تتمثل في انجذابه إلى الفنون غير الغربية، التي أغرته بالتحرر من ثقل القواعد الأكاديمية والرهان على رؤية مشبعة بقوة سحرية تسم المآثر الفنية لدى الشعوب والحضارات القديمة.

المصدر : الجزيرة