سوق بلون زبائنها
آخر تحديث: 2016/3/4 الساعة 13:25 (مكة المكرمة) الموافق 1437/5/25 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2016/3/4 الساعة 13:25 (مكة المكرمة) الموافق 1437/5/25 هـ

سوق بلون زبائنها

إبراهيم صموئيل*

ثمة أعمال أدبية أو فنية تكوينها ومسارها وحدودها في منطقة وسطى، محيّرة، ويمكن أن نضيف ملتبسة؛ لا هي تخلو تماماً من كل تأثير بطريقة ما، ولا هي تكتنز بالدلالات والإشارات وطاقات التعبير التي تُعلّم وتحفر في الروح.

إنها أعمال رمادية، مزيج من الأبيض والأسود، أقرب إلى البرزخ، ليست مترعة بالمعاني، ولا هي خاوية، ليست من الأحياء لتستمر بجدارة، ولا من الأموات لتدفن، أعمال باردة، باهتة، تنتهي بإغلاق الصفحة الأخيرة فيها، تصدر على التوالي، وتُنسى على التوالي أيضاً.

سنتعرف في هذه الأعمال -ولتكن من جنس الرواية مثلاً- على شخصيات تتلاقى، وأحداث تجري، وسنقرأ محادثات ونقاشات تدور هنا وهناك، وثمة موضوع، أو فكرة، ثمة زمن أو أزمان.

بيد أن ذلك كله يفتقد إلى العمق الغنيّ، والمذاق النافذ، والنكهة المميزة، والحرفية العالية، والرؤية الجديدة، الأمر الذي لا يدفع القارئ إلى ركن الرواية جانباً ومن ثمّ إهمالها كأنه لم يقرأ شيئاً، ولا هو يمنحه -في الآن نفسه- البهجة والغبطة والشعور العميق بالاكتشاف، وبالتالي الرغبة في المتابعة وتقصّي عوالم النصّ حتى منتهاه.

مجموعات قصصية كثيرة، وروايات، ودواوين شعر، ومعارض فنية من نحت ورسم وحفر، وأمسيات موسيقية، ومسلسلات تلفزيونية، وعروض مسرحيّة، أو رقص فني... أعمال متنوّعة تملأ الصفحات، وجدران الصالات، وتغطي أوقات البثّ التلفزيوني، وتشغل خشبات المسارح؛ تتّسم جميعها بقدر من الرمادية في مستواها، فنراها تسكن في تلك المساحة الوسطى.

في ظلّ هذه المطبوعات، من الطبيعي أن تنشأ أجيال جديدة ويكثر أفرادها وهم يحسبون أن هذا هو الأدب ومبلغ الأرب، وأن ما يخالف ذلك من شأن مجموعات قليلة منتشرة هنا وهناك

موهبة وهمة
في تقديري، إن أعمالا كهذه تُربك الناقد المتخصّص؛ فهو لا يجد فيها رِوَاءً وغنى يغريه بالكتابة عنها، ولا يلمس فيها جفافاً وفقراً يدفعه لإهمالها. والحال ستكون مماثلة لدى القارئ الحصيف المتابع الذي لن يحبّ العمل ولن يكرهه، حتى إذا ما سألته عن رأيه قال كلاماً نفهم منه ما يُقال في الدارج عن بعض الأشياء من أنها "إذا لم تنفع فهي لا تضرُّ".

أصحاب الأعمال الرمادية هذه هم -على الأغلب- ممّن قرروا بعقولهم وثقافتهم التي حصّلوها وبشهوتهم إلى نيل صفة الروائي أو الفنان التشكيلي أو الموسيقي؛ قراراً ذهنياً يقضي بإصدار رواية أو طباعة مجموعة شعرية أو كتابة مسرحية، إذ لا تنقصهم الثقافة والمعرفة -كما يؤكد لهم أصحابهم والمحيطون بهم- ولا يفتقرون إلى التجارب الحياتية، ولا هم أقلّ كفاءة من العديدين الذين يتصدّرون المشهد الثقافي وتلمع أسماؤهم كالنجوم في السماء.

إنهم يعرفون الكتابة، لكنّهم غير موهوبين، لديهم من الثقافة والمعرفة والاطلاع الكثير جداً، لكنّ الموهبة الحقيقية، والهوى الأصيل، والميل العميق ليس متوفّراً في عالمهم. نتبيّن ذلك من سويّة نصوصهم، سواء في الأسلوب وتقنيّة السرد وتخليق الشخصيات، أو في وَهَن المعمار الفنّي للنصّ بشكل عام.

ومن هنا، لا تحتاج الكتابة لديهم سوى إلى إجراء عملي فقط؛ شحذ الهمّة، ثمّ بدء الخطوة الأولى. وما يتبع سيأتي آليّاً جراء ثقافتهم ومطالعاتهم الغزيرة وانخراطهم في الأجواء الثقافية، مما يمدّهم بأسباب الكتابة في هذا الجنس الأدبيّ أو ذاك، وفي هذا اللون الفنّي أو ذاك.

علاقات عامة
وإلى هذا، تراهم يسعون بدأب وإصرار إلى إنشاء علاقات عامّة، وصداقات خاصة، تكفل لهم سنداً ثقافياً ودعماً قوياً، ودعوات مستمرّة إلى بلدان عدة، ولا تهمّ الآراء حول ما أنتجوه، أليس أسُّ الحياة الثقافية -كما يُردّدون على الدوام- التعدّد، والتباين، والتنوّع في الآراء والطرائق والمآرب؟!

الكتابة لا تحتاج لديهم سوى إلى إجراء عملي فقط؛ شحذ الهمّة، ثمّ بدء الخطوة الأولى، وما يتبع سيأتي آليّاً جراء ثقافتهم ومطالعاتهم الغزيرة وانخراطهم في الأجواء الثقافية

انتشار هذه الأعمال ليس هباءً، إذ إن لها قرّاءً على شاكلتها، لهم من الرغبة في القراءة ما للمصاب بالضجر والملل من رغبة في دفع السأم عن نفسه، وتزجية الوقت، ولهم من الغاية ما للباحث عن المسلسلات المسليّة أو البرامج الخفيفة التي تكثر فيها الأحداث والمفاجآت، مما يلوّن عالمهم الرمادي.

في ظلّ هذه المطبوعات، من الطبيعي أن تنشأ أجيال جديدة ويكثر أفرادها وهم يحسبون أن هذا هو الأدب ومبلغ الأرب، وأن ما يخالف ذلك من شأن مجموعات قليلة، منتشرة هنا وهناك ممن يُطلق عليهم لقب المثقّفين، وترتبط بأسمائهم في العادة بعض الشطحات في العقل، والأمزجة الغريبة المخالفة في السلوك والكلام.  

وعلى هذا النحو تُغلق الدائرة، تُغلق ويُحكم إغلاقها بوجود منتجين ودور نشر وأصحاب صالات ومنتديات يبحثون عمّا يملأ مؤسساتهم، ويسيّر آلاتهم، وينشّط حركتهم، من دون أن يجلب لهم الهمّ ووجع الرأس من جهة، وبما يُحقّق الرواج لمنتجهم خارج أوساط المثقّفين المتطلّبين على الدوام من جهة أخرى.

وهي تجارة متعدّدة الأرباح -على كلّ حال- سواء لكتّابها بطرح أسمائهم وتداولها على أيّ نحو من الأنحاء، أو لناشريها ومنتجيها بالمردود الوفير، أو لمستهلكيها بالتسلية الأكيدة. وإلى هذا وذاك فهي -وبسبب موقعها الرماديّ المتوسّط- إنْ لم تجلب المديح والإعجاب، فإنّها لا تستجرّ الذم والقدح، كحال كل ما يسلك مسلك المبدأ القائل: خير الأمور أوسطها.
____________
* كاتب وقاص سوري

المصدر : الجزيرة

التعليقات

المزيد من ثقافة وفن
حقيقة ساطعة في زمن المجازر
صراع اللغات بالمغرب العربي
التحليق على ارتفاع منخفض
الكتابة والتدريب