ناصر يحيى

بينما تتعالى أصوات تنتقد الطريقة السلمية لثورات الربيع العربي في تعاملها مع الأنظمة القديمة، ترددت في روسيا في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي أصدقاء الذكرى الـ98 للثورة الروسية الشيوعية، وهي في أحد أوجهها صورة للانقلابات المضادة على الطريق السياسي السلمي للتغيير، وانتهاج العنف لاستئصال النظام القديم.

فقد انقلب الشيوعيون المشاركون في الثورة ضد القيصر على حلفائهم في الثورة، وأقاموا نظاما دكتاتوريا، لكنهم دفعوا بروسيا إلى نفق مظلم ربما لم تخرج منه حتى الآن، وأفشلوا ربيع العالم كله!

وكما كان الفيلم المصري "القضية 68" تصويرا لفشل التغيير السلمي في ظل وجود الدولة العميقة، فقد صور الكاتب والشاعر الروسي الشهير بوريس باسترناك في روايته الرائعة "دكتور جيفاكو" فشل الطريق الآخر بالتغيير الثوري الدموي، وخلد مآسي الثورة الشيوعية، وجسد فيها خطأ العمر والتاريخ والذي ترتكبه الثورات وهي تعمل بنفس الآليات القديمة، ولو كانت كردة فعل عمياء على مظالم تاريخية وفظائع ارتكبها نظام ما!

تتبع باسترناك تاريخ المظالم الروسية قبل الثورة وخلالها وأثناء الحرب الأهلية من خلال حياة طبيب شاعر يدعى يوري جيفاكو، وخلال زمن الرواية رسم المؤلف صورا مأساوية للحالة التي كانت عليها روسيا في المراحل الثلاثة، وكيف دفع الإنسان الروسي أثمانا فادحة -ورغم أنفه في كثير من الأحيان- للانعتاق من النظام القديم، ولمواجهة جنون النظام الثوري الجديد!

صار البؤس والجوع والصقيع قواسم مشتركة في ظل النظام الثوري، وحتى صار الخبز عملة التداول للشراء والبيع بين البشر الباحثين عن طعام لأطفالهم، ومقابل أي شيء لكيلا يموتوا جوعا، وحتى صارت حفنة طحين مادة للرشوة تفتح كل الأبواب المغلقة! حتى الطبيب الشاعر سرق حفنة من الخشب ليوفر الدفء لعائلته في شتاء روسيا!

الطبقة الجديدة الثورية الحاكمة باسم العمال كانت خارج هذه المعاناة، وظهرت المفارقة من خلال قيام شقيق بطل الرواية البلشفي العتيد بإهداء شقيقه، المصاب بالتيفوس بسبب رعايته للمرضى، الكثير من الخبز الأبيض والزبدة والشاي المسكر والقهوة والأرز والعنب، وهي الأشياء غير الموجودة في السوق!

بلدان الربيع العربي وعلى رأسها مصر تعيش بمستويات مختلفة تجاذبا بين الثورة والثورة المضادة (الجزيرة)

وعلى طول رحلة بطل الرواية الهارب من موسكو للعيش في الريف (بناء على نصيحة شقيقه البلشفي!) يرسم المؤلف صورة مفزعة للأوضاع نتيجة الخيار الثوري الدموي: المصانع مغلقة، والعمال عاطلون، والقتل في كل مكان، والإعدامات للخصوم والخونة سواء من قبل الحمر البلاشفة أو البيض المعارضين! 

خلاصة التجربة
في رحلة الهروب قابل دكتور جيفاكو في القطار سامديفياتوف أحد الناشطين الاشتراكيين السابقين، وشاهدا الدمار والخراب الذي حل في كل مكان، والحرائق التي نشبت في المدن والقرى والمزارع، القطارات المدفونة في الثلوج!

وأقر الثوري السابق بالأخطاء والسياسات الفاشلة التي وقعت، وإن كان بررها بأنها حتمية.. لكن الطبيب الشاعر ألقى له بخلاصة التجربة والمعاناة، وهي أن الحل هو في التغيير السلمي الذي يظل رغم بطئه أقل تكلفة إنسانيا.. أو كما قال: "كنت ثوريا متحمسا ولكني أفكر الآن أنه ليس هناك ما يمكن الحصول عليه بالقوة الغاشمة.. الشعب يجب أن يساق إلى الخير.. بالخير!".

ومع ذلك تظل المعضلة قائمة، وحيرة الإنسان مستمرة بين التغيير السلمي مع تربص المتآمرين به، وبين التغيير بالعنف بنتائجه المأساوية المشهودة في تاريخ الثورات، وبين الموازنة بين المنهجين دون تغليب واحد على الآخر!

من وحي تلك التجارب، يبرز سؤال مهم: هل أخطأت ثورات الربيع العربي عندما تعاملت بنهجها السلمي مع النظام القديم، وتخلصت فقط من بعض الرؤوس الكبيرة، وأبقت جوهر النظام القديم بمؤسساته ورموزه في الدولة العميقة كما صارت توصف؟

ألم يؤد هذا النهج السلمي إلى منح الثورة المضادة فرصة العمر لاسترداد أنفاسها، وإعادة ترتيب أوراقها وتحالفاتها الداخلية والخارجية، والانقضاض على السلطة من جديد، مستفيدة من حقيقة أن من يؤمنون بها مسيطرون على القوة، والمال، والإعلام، ولم يمسسهم سوء من ثورات الربيع العربي؟

بين النهج السلمي للتغيير ونهج العنف الثوري انقسمت خيارات الثوار، وتفرقت مناهج التغيير، وفي حالات كثيرة دفعت الشعوب أثمانا باهظة نتيجة الفشل في اتباع هذين النهجين على حد سواء، فقد فشلت الثورات في تحقيق أشواق الإنسان للحرية والعدل والمساواة!

فهل كان واجبا على ثورات الربيع العربي سلوك طريق العنف الثوري كما يفعل خصومها بها الآن؟ أو كان حريا بها أن تلتزم بسلمية التغيير مهما كانت النتائج، كما حدث في حالات تاريخية مثلما حدث في الثورتين الأميركية والإنجليزية اللتين كانتا أقل حركات التغيير عنفا في العصر الحديث، ومهدتا لإصلاحات عميقة بأقل قدر من الخسائر؟

بين النهج السلمي للتغيير ونهج العنف الثوري انقسمت خيارات الثوار، وتفرقت مناهج التغيير، وفي حالات كثيرة دفعت الشعوب أثمانا باهظة نتيجة الفشل في اتباع هذين النهجين على حد سواء.

صوت العقل
وحقا أن تاريخ البشرية المثقل بالمظالم والآلام لم يكن قادرا -في كثير من الأحيان- على أن يسلك طريق الإصلاحات التدريجية السلمية أو الأقل عنفا، لكن في أحيان كثيرة كان يمكن أن يتم تجنب أنهار الدماء، لو أن الطغاة استمعوا لصوت العقل، واستجابوا لدعوات إجراء إصلاحات جذرية!

وكان يمكن -كذلك- تجنب الدمار الثوري العنيف لو أن الثوار وازنوا بين العدل والسيف بعد أن استولوا على السلطة، وتجنبوا تكرار جرائم السابقين، وفي الحالتين دفعت الشعوب نفسها أثمانا أفدح للانعتاق من مظالم الطغاة مرة.. ومرة ثانية لتحقيق التغيير بالعنف الدموي على أيدي.. الطغاة الجدد!

عرف التاريخ الإنساني نماذج كثيرة للتغيير بالعنف كما حدث في تاريخ الثورتين الفرنسية (1889) والروسية (1917). فقد أضاعت الملكية الفرنسية فرصة الإصلاح السلمي التدريجي -في عهد لويس الرابع عشر- بعد فشل ما عرف بثورتي (الفروند) منتصف القرن الـ17 بقيادة رجال البرلمان الفرنسي ثم النبلاء الذين ضاقوا ذرعا باستبداد الملك، وأرادوها تغييرا سلميا على النمط الإنجليزي يجعل البرلمان فوق الملك، وكانت النتيجة ثورة دموية علقت المشانق للمجرم والبريء على حد سواء، وتأخر انتصار الثورة النهائي قرابة مائة سنة أخرى من المعاناة والآلام!

وفي أعقاب فشل الثورة الشعبية الروسية (1905) ضد طغيان الاستبداد والفقر، فوت القيصر نيقولاي الثاني الفرصة التاريخية لإجراء إصلاحات جذرية حقيقية، واستيقظ متأخرا على ثورة فبراير/شباط 1917 التي تلاها انقلاب دموي بقيادة الشيوعيين في نوفمبر/تشرين الثاني من العام نفسه.. وفي الحالتين خسرت الأسرتان الحاكمتان كل شيء!

المصدر : الجزيرة