كمال الرياحي-تونس

يشهد سوق الكتب القديمة تراجعا كبيرا في تونس، حيث أغلقت أغلب المكتبات وتحول نشاطها إلى محلات تجارية أو مطاعم، كما زاحمت الكتب تجارة الخردوات والتحف القديمة والهدايا، ويتردد البعض في زيارة سوق الكتب خوفا من النشالين أو المتحرشين.

وفي ظل هذه الحالة انتفض الشباب التونسي على شبكات التواصل الاجتماعي للتظاهر ضد ما يتهدد هذه الفضاءات، وأطلق حملة "أنا اشتريت كتاب وأنت وقتاش؟ (متى؟)" لمساندة "الدباغين" أحد أشهر الشوارع المعروفة ببيع الكتب القديمة في تونس.

إنقاذ الدباغين
وأقدمت مجموعة من الشباب الشغوفين بالقراءة على تنظيم مظاهرة ثقافية في المقاهي وفضاءات المدينة العتيقة لنشر ثقافة القراءة، وهو شكل من أشكال الامتداد لتظاهرة أطلقت منذ سنتين باسم "تونس تقرأ".

واختار "نادي الكتاب" الذي ينشط بشكل غير دوري تسليط الضوء على "نهج الدباغين" وهو المعادل التونسي لسوق الأزبكية بالقاهرة وشارع المتنبي ببغداد. وقد كان الكتّاب يحملون نسخا من كتبهم الجديدة ويهدونها للباعة لإشهارها، في الوقت الذي تحتفل به واجهات المكتبات المعاصرة بكتّاب أجانب، يبقى حظ الكاتب التونسي ضعيفا في حجز مكان بينها.

وأكد المنظمون للجزيرة نت أن هذه الحملة ستتحول إلى تقليد شهري لزيارة هذا الشارع وبقية الشوارع التي تبيع الكتب القديمة، ومنها "نهج إنجلترا".

الروائي جمال الجلاصي يقرأ للشباب مقاطع من ترجماته (الجزيرة)

وقد تضامن عدد من الكتاب التونسيين المعروفين ليحضروا هذه التظاهرة ويشاركوا فيها بشراء الكتب وتقديم أعمالهم، وقد تابعت الجزيرة نت التظاهرة التي بدأت باقتناء الكتب ثم قامت المجموعة الشابة بقراءة مقاطع من كتب اطلعوا عليها حديثا وأحبوها.

وقد ساهم الشاعر سوف عبيد في هذه التظاهرة، حيث ألقى عددا من قصائده على مسمع الشباب في أحد أزقة الشارع، بينما قرأ الشاعر والروائي التونسي جمال الجلاصي مقاطع من آخر ترجماته الأدبية "الإله الصغير عقراب".

صدى الحنين
كانت أصوات الباعة الذين حاولنا أن نسألهم عن واقع الكتاب القديم في تونس مبحوحة وهم يتحدثون عن تهميشهم، واشتكوا من ثقل الأداءات على بيع الكتاب أو استيراده، ونادوا بإنقاذ الشارع الذي التهمته التجارات الموازية للبضائع المهربة.

سوق الكتب القديمة بتونس (الجزيرة)

وقد بدا المكتبي الطاهر الرزقي -صاحب أشهر مكتبة بالدباغين- متأثرا بما أقدم عليه هؤلاء الشباب الذين أحيوا الشارع ولفتوا الانتباه إليه، وعادت به الذاكرة إلى السنوات الذهبية للشارع الذي كان قبلة الطلبة والشباب، واستغرب من هجرانهم له.

كما كانت الفعالية مناسبة لتذكر الكتّاب الذين مروا بذلك الشارع من عز الدين المدني إلى الراحل أبو زيان السعدي والشاعر المنصف المزغني والشاعر الراحل الميداني بن صالح، وغيرهم ممن ظلوا أوفياء للشارع وكتبه.

وفي سؤال وجهته الجزيرة نت لبعض القراء والكتّاب عن علاقتهم بتلك الفضاءات قديما ومواقفهم ومشاعرهم اليوم من اختفائها، قالت الناقدة التونسية ابتسام القشوري إنه رغم التطور الهائل لوسائل المعرفة العصرية فإن مكانة الكتاب بصفة عامة تبقى رائدة، واختفاء أسواق الكتب القديمة في تونس وغلق المكتبات التي تتاجر بها خسارة كبرى لكل فئات المجتمع.

الطاهر الرزقي: الشباب أحيوا شارع "الدباغين" (الجزيرة)

وذكرت القشوري أن هذه الأسواق كانت توفر كتبا في جميع مجالات العلم والمعرفة وبكل اللغات وبأسعار زهيدة، ويقبل عليها كل محبي المعرفة.

في المقابل، رأى الروائي الهادي ثابت، وهو أحد رواد هذا السوق/الشارع أن الأزمة شاملة ولا ترتبط بالكتاب القديم فقط، بل الكتاب في تونس اليوم يعيش أزمة شاملة من النشر إلى التوزيع، موضحا أن دور الدولة ضروري لتتدخل وتنقذ هذا القطاع الحيوي.

كما يقول عماد المذبوح، وهو أحد القراء النهمين، إن تونس تفتقد جزءا هاما من تراثها الذي غيّب لعدة أسباب، وصارت دكاكين بيع المعرفة تغلق الواحدة بعد الأخرى لتحل محلها سلع مهربة من لعب أطفال خطيرة وسكاكين وملاعق، حيث تنتشر ثقافة الاستهلاك بديلا للكتاب وللقيمة وللمعرفة.

المصدر : الجزيرة