ميرفت صادق-رام الله

من أقبية سجن الفارعة الحية بأسماء الأسرى الفلسطينيين وعذاباتهم على جدرانها، أزاح المخرج محمد فرحان الكرمي ستائر بدت ثقيلة عن مشاهد التعذيب على يد المحققين الإسرائيليين، في فيلم "ستائر العتمة" المنقول عن رواية للكاتب الفلسطيني وليد الهودلي.

وقدم الفيلم -في عرضه الأول بمدينة رام الله مساء الاثنين- قصة "عامر" أحد الأسرى الفلسطينيين الذي اعتقل بعد تنفيذه هجوما على دورية إسرائيلية مع مجموعة مقاومة، لكنه رفض الاعتراف رغم سلسلة طويلة من أساليب التحقيق النفسية والجسدية.

ويواجه عامر -الذي جسد شخصيته الشاب محمد العاروري- محاولة المحققين الإسرائيليين ابتداءً بخداعه بالمعاملة الجيدة حتى أن أحدهم دعاه لمشاركته السجائر والفضفضة معا، ثم إيهامه باعتراف رفاقه وانكشاف تفاصيل تخطيطهم وتنفيذهم للعملية.

ويمثل عامر شخصية الأسير الصلب الذي يرفض الاعتراف ويشكك في كل ما يجري حوله، فيتحول المحققون إلى أسلوب الضغط عليه نفسيا باعتقال زوجته وتهديدها، وصولا إلى تعذيبه جسديا وعزله في زنازين انفرادية.

الكاتب وليد الهودلي في تقديمه للفيلم برام الله (الجزيرة نت)

ويعكس الفيلم أساليب التعذيب التي قدمها وليد الهودلي في رواية "ستائر العتمة" بجزأيها الأول عام 2003 والثاني عام 2009. وهي الرواية التي أخرجت تهريبا من سجن عسقلان عام 2001، وأخفيت لعام كامل قبل أن تبدأ طباعتها ثم نشرها.

واعتقل الهودلي في السجون الإسرائيلية لنحو عشر سنوات متواصلة، ثم تعرض لاعتقالات متعددة، وكذلك زوجته الأسيرة المحررة المعروفة عطاف عليان التي سُجنت معها طفلتهما عائشة أيضا.

الشبْح وغرف العصافير
يتعرض البطل عامر في ستائر العتمة للشبْح المتواصل من خلال تقييده إلى كرسي لساعات طويلة وربط يديه وقدميه إلى الخلف، ثم يواجه أسلوب الهز العنيف لمدة طويلة، ويحرم من النوم ويتعرض للضرب الشديد من عدة محققين.

ويولي الفيلم اهتماما خاصا بظاهرة "غرف العصافير" كما يسميها الأسرى، حيث يجري خداع الأسير من أشخاص يظهرون بصورة معتقلين في الزنزانة ذاتها ويعيشون معه رفاقا مساندين له حتى يثق بهم ويدلي لهم باعترافه.

يقول الهودلي إن الفيلم لا يقدم سوى جزء بسيط مما تعرض له مئات آلاف الفلسطينيين خلال فترة التحقيق لإجبارهم على الاعتراف، لكنه يهتم بالتعريف بالخطوط العامة لأساليب التحقيق كي لا يقع الشباب الفلسطيني بسهولة في شباك المحققين الإسرائيليين.

وعرض الفيلم برعاية هيئة الأسرى وبحضور مئات الفلسطينيين من أنحاء الضفة الغربية والقدس والأراضي المحتلة عام 1948، وبمشاركة عدد كبير من القيادات الفلسطينية على رأسهم الشيخ رائد صلاح، والأسير المحرر صاحب تجربة الإضراب عن الطعام خضر عدنان.

يحمل الفيلم رسالة وعي بأساليب التحقيق مع الأسرى الفلسطينيين (الجزيرة نت)

وبين الحضور شوهد عشرات الأسرى السابقين الذين خاضوا تجربة الشبح والتعذيب الجسدي الأقسى في فترتي الثمانينيات والتسعينيات خاصة، ومن بين هؤلاء محمد منصور الذي اعتقل عام 1985 وقضى 25 عاما في سجون الاحتلال.

وقال منصور إن السجان الإسرائيلي يمارس التعذيب النفسي والجسدي معا حتى يصل الأسير إلى مرحلة يفقد فيها تركيزه ويدلي باعترافه تحت الضغط النفسي والتعب الجسدي.

وأكد منصور أن أساليب التحقيق تتغير وتتطور مما يتيح للمحققين الإسرائيليين الإيقاع بالأسرى لعدم درايتهم أو قلة وعيهم، وتحدث عن دراسات أجريت داخل السجون وخارجها أشارت إلى أن 80% من الأسرى يتحدثون عن قضيتهم في "غرف العصافير".

وقال رئيس هيئة شؤون الأسرى عيسى قراقع في تقديمه للفيلم، إنه ليس خيالا بل واقعا دفع ثمنه غاليا آلاف الأسرى من أرواحهم وأجسادهم.

وأشار إلى جرائم ضد الإنسانية "ترتكب في تلك العتمة الخالية من الرحمة"، كما قال، "منذ سقوط الأسير قاسم أبو عكر في زنازين سجن المسكوبية عام 1969 وحتى عرفات جرادات في أقبية سجن مجدو عام 2013".

مسؤولية الفصائل
يقول المخرج محمد فرحان الكرمي إن الفيلم يعبر عن واقع الأسرى المرير، ويوفر مادة عن صمود الأسرى المسلحين بإيمانهم وانتمائهم الوطني رغم آلامهم وتعذيب عائلاتهم.

والمخرج نفسه كان أسيرا عام 1995 في سجن الفارعة مكان التصوير الذي سلمته إسرائيل للسلطة الفلسطينية بعد توقيع اتفاق أوسلو عام 1993، وتحول إلى مركز لتأهيل الشباب.

وقال الكرمي إن السجن بزنازينه وغرفه أضفى واقعية للمشهد المرير، مع إضافة رمزية لشخصية الكاتب الذي يتخيل قصته طيلة الفيلم ويقرر في نهايته خلع قميص الأسرى البني.

يقول المخرج إنه يلقي قميصه في وجه الفصائل والجهات الفلسطينية المسؤولة عن الأسرى، والمنوطة بها مهمة العمل على تحريرهم.

المصدر : الجزيرة