هيثم حسين

يتحدث البوسني سلافيدين آفيدتش (ولد عام 1969) في روايته "مخاوفي السبعة" عن حرب البوسنة، والحصار الذي تعرضت له سراييفو، والصراعات الدائرة في فلك الحرب والعدوان سواء من الناحية النفسية أو الاجتماعية.

يشير آفيدتش في روايته -التي نشرتها دار العربي للنشر والتوزيع في القاهرة 2015 بترجمة محمد أسامة- إلى اختفاء الناس أثناء الحرب، وعدم ملاحظة ذلك بداية وكأن الأمر طبيعي في زحمة الاختفاءات المتكررة، حيث يختفي كل شيء، من البشر والأشياء والعادات والتقاليد.

ويمنح آفيدتش راويه فرصة التعبير عن ذاته وواقعه، إذ تعكس حالته واقع البلاد الخارجة لتوها من أتون الحرب، ويصف الرغبة التي كانت تجتاح الكل، وهي رغبة الإفصاح عن آرائهم، فلا أحد يطيق آراء الآخرين، وأصبح إلغاء الآخر وتهميشه من العادات الجديدة التي دخلت عالم المدينة أثناء الحرب. 

مخاطر ومخاوف
يتوجه الروائي على لسان راويه إلى القارئ بطريقة مباشرة، قائلا إنه سينقل ما يرد في مفكرة أحدهم وسيقدم اعترافاته، ويعترف أنه يعرف نفسه بأنه خبيث وبائس وأناني وجبان، تماما كأي بطل عصري.

بطل الرواية يقرّ بعثوره في مفكرة قديمة له على قائمة بمخاوفه القديمة، ويدونها لأنه قرأ ذات مرة مقولة لأحد علماء النفس ينبه إلى كون أهم خطوات محاربة المخاوف هي الاعتراف بوجودها

تؤرخ اليوميات -التي يتكئ عليها آفيدتش في نسج روايته- لعام 1993، يحكي فيها صاحبها عن يومياته مع عمال المناجم، ومشاركته لهم في عمليات الحفر والتنقيب، والمخاطر التي يتعرضون لها والمخاوف التي تثيرها، وكيف أنهم كانوا يتكاتفون معا أكثر من غيرهم من أصحاب المهن الأخرى. ويورد حادثة غريبة يقول إنها تستحق الكتابة والبوح، وهي لقاؤه بشبح غريب.

توثق اليوميات مواقف من حياة الصحافي أليكسا، وكيف أن تقاريره الصحافية التي كان يعدّها عن أناس مبدعين تراجعت في ذروة الحرب، فقد تم إعداد جدول برامج يلائم الأوضاع بسبب قدوم اللاجئين إلى المدينة، ووحدها التقارير الميدانية كانت تذاع، وشهادات عن الجرائم، وتنبيهات تخص العجز في الماء والكهرباء. لم تكن هناك حتى تقارير عن الطقس، حيث لم تعد هناك مساحة لقصص الأشخاص العاديين، حيث ما عاد هناك أشخاص عاديون.

ويذكر صاحب اليوميات لقاءاته مع ابنته، ويجد أنه في الحرب بدأ يفهم لعبة الشطرنج التي كان يمارسها لسنوات على وجهها الأمثل، لم يعد ينظر إلى القطع مفردة، صار قادرا على النظر إلى الرقعة كما لو كانت هي العالم، كسلسلة لا نهائية من الاحتمالات، ومنذ استيعابه بدأ يهزم غريمه باستمرار.

يصف الروائي تحويل مدرسة الموسيقى إلى مكان لتعذيب السجناء في الحرب، ويقول إنها مقارنة مجحفة، وإنه يعجز عن تصديق أخبار التعذيب في مدرسة الموسيقى، وإن فكرة الاعتداء البدني في حجرات التمرين إلى جوار الآلات الموسيقية أسفل صور المؤلفين بينما الجلاد يؤدي مهمته أمام كتب الموسيقى فكرة مجنونة تجعل المشهد مبالغا فيه، بل مزيفا.

ويعترف بطل الرواية بعثوره في مفكرة قديمة له على قائمة بمخاوفه القديمة، ويدونها لأنه قرأ ذات مرة مقولة لأحد علماء النفس ينبه إلى كون أهم خطوات محاربة المخاوف هي الاعتراف بوجودها، وتتضمن قائمته مخاوف سبعة، وهي الخوف من الموت، والمرض، والفقر، والزواحف، ومساحات الماء الواسعة، والارتفاعات، والخوف من أن يدفن حيا.

يقر أنه كان قد عالج جميع مخاوفه ما عدا خوفه من الدفن حيا، ثم يضيف خوفا جديدا إلى قائمته، وهو الخوف من الوحدة. يشير إلى شعوره المتعاظم بالخوف، ويجد أن عالم النفس كان مخطئا، وأن المخاوف كمصاصي الدماء، تظهر عندما تكثر من الحديث عنها.

الكل مذنب
يسجل آفيدتش يوميات الحرب وأفكار الناس السريعة وجملهم الخاطفة، كقول بعضهم إنه لم تكن هناك أماكن مبيت كافية أثناء الحرب، وقول آخر إن الكل مذنب ولا أحد بريء، وقول ثالث إنه تقع العديد من الحوادث ومن الصعب تركيز الانتباه على أمر واحد فقط. ثم قول آخر إن العالم يعيد تنظيم نفسه ويعود كل شيء كما كان. ويصف تغير عادات الناس، كجلوسهم أمام الردهات إما خوفا وإما رغبة في الاطمئنان على بعضهم بعضا، ويتساءل إن كانت تلك العادات ستنتهي مع حلول السلام.

آفيدتش يؤكد أن شر الحروب نابع من الإذلال، والإذلال هو ما يفعله الخائفون بالآخرين، ويصرح بأنه لم يعد لديه أي سبب للخوف، فعندما يصل الشخص إلى القاع، لا يبقى مجال إلا للارتداد ثانية

يعود الراوي في النهاية لوضع قائمة بمخاوف جديدة، تتضمن الخوف من: المرايا، والمنازل الفارغة، ومِيتة مخزية، والأشياء الهائلة الحجم، والغابات الشاسعة، والجنون، والخوف من الوحدة والظلام. ويثبت في النهاية أنه كانت هناك كمية هائلة من الخوف تكفي مئات الأعمار، وأن كل ما في الحياة يمكن اختزاله، بصورة ما، إلى الحب والخوف. ويجد أن الشرور كلها تصدر عن الخوف، فالحروب تندلع من الخوف.

يحاول الراوي الذي يشعر بالانفصام والانشطار، إعادة ترتيب نفسه والاندماج في المجتمع من جديد. يسعى إلى التصالح مع واقعه الجديد، ورحيل زوجته، وتقبل الدمار المحيط به. يقول إن قرينه يتخذ القرارات بدلا منه، وإنه إذا ما أخطأ في فعل شيء، أو أفسد الإيقاع أو قاوم تكرار حركة، يبدأ يعوي بداخله، وتنشط داخل جمجمته ريح ساخنة مفعمة بالرمال الحادة، وتمتلئ عينه بالدموع إذا ما استشعر سعادته من ضحكة راضية يطلقها بطريقته الخليعة المثيرة للاشمئزاز.

يتخفف الراوي في النهاية من مخاوفه بعد التصريح بها والحديث عنها، ويقول إنه لا يشعر بأي من المخاوف، وإنه لا يهونها، ويعتقد كالأيرلنديين أن البيت يمثل نقطة ارتكاز الإنسان في حربه ضد قوى العالم الآخر غير المحدودة، وأن مقعده في بيته كان يمثل له نقطة ارتكازه وانطلاقه وقوته.

يجد آفيدتش أن شر الحروب نابع من الإذلال، والإذلال هو ما يفعله الخائفون بالآخرين، ويصرح بأنه لم يعد لديه أي سبب للخوف، فعندما يصل الشخص إلى القاع، لا يبقى مجال إلا للارتداد ثانية. ويترك سبع صفحات فارغة في النهاية يقول إنها ستكون كافية للقصة التي ينوي سردها بالطريقة المثلى.

ويستعرض الروائي سيادة نوع من العمى الهستيري في الحرب. ويعتقد أن في تلك الحالة من التشرد والضياع لا تعود لكلمات كالخوف والنحيب والهرب والاختباء أية معانٍ، وأنه لا يعود للمرء ما يحميه، أو يخشاه. تراه يتملكه السواد، ويجد أن كل الأشياء سود في حقيقتها، ولا يتبدل ذلك إلا إذا تعرضت للضوء. ويؤكد أن كيان الإنسان هو مخاوفه، وأنه كلما ازدادت مخاوفه ازدادت إنسانيته.

المصدر : الجزيرة