الصحبي العلاني

احتفالا بمرور أربعين عاما على تأسيسها، أصدرت مجلة "لير" الفرنسية عددا خاصا فتحت فيه صفحاتها لكتّاب من مشارب مختلفة وتوجهات متباينة واختصاصات معرفية متباعدة.

وخلافا للعادة والمألوف، تعمدت المجلة أن لا تقف كثيرا على أطلال ماضيها رغم عراقته، واختارت مساءلة مستقبلها ومستقبل القراءة والمطالعة في مجتمع اشتهر بأنه لا ينفك عن معاشرة الأوراق والكتب.

"لير" الفعل وتصريفه
لكل لغة خصائص تميزها وروح تنفرد بها، ومن بين أهم ما تتسم به اللغة الفرنسية مقارنة بالعربية على وجه التحديد أنها تُعبر عن المصدرية أو الاسمية باستعمال الفعل، ولكن دون تصريفه في أي من الأزمنة الثلاثة، لا في الماضي ولا في الحاضر ولا في المستقبل، ولا في غيرها من الأزمنة التي يزخر به لسان فولتير.

وهذا ما ينطبق تماما على عنوان مجلة "لير" (Lire) الذي ورد في صيغة فعل يُحمل محمل المصدر، ويمكن أن يترجم حرفيا بـ"قراءة" أو "مطالعة".

ولكن العارفين بأسرار اللغة الفرنسية والمتمكنين منها يدركون جيدا أن هذه الصيغة الفعلية/المصدرية تزخر بالإيحاءات والمعاني الحافلة.

برنار بيفو أحد مؤسسي مجلة "لير" الأدبية العريقة (غيتي إيميجز)

ففي استعمالها تحريض ضمني على تجاوز مستوى الوجود بالقوة من أجل الارتقاء نحو مرتبة التحقيق والإيجاد بالفعل، وهذا جوهر ما نبه إليه فرنسوا بينال في افتتاحية العدد الاحتفالي، حيث يقول "إن في فعل القراءة، كما في عنوان المجلة، دعوة إلى قطف الورود التي تُزهرها كل لحظة من لحظات الزمن.. فالمطالعة متعة، وإن هي كفت عن أن تكون كذلك، فحري بنا أن نستغني عنها".

ولكن أسرة "لير" لم تستغن قط عن الفعل الذي أسست كينونتها عليه. فعلى امتداد أربعين عاما، ومن خلال أربعمائة وستة وثلاثين عددا، استطاعت المجلة أن تجدد العهد مع قرائها، وأن تتواصل معهم وبهم، وأن تغرس فيهم حب الكتاب ولذة تصفحه وقراءته، وكل ذلك اعتمادا على حِرَفية علمين من أعلام الصحافة جون لوي سرفان شغيبر وبرنار بيفو اللذين اهتديا إلى الطريقة المثلى التي ظلت مجلة "لير" من خلالها مغرية للقراء وقبلة لعموم المهتمين بصناعة الكتاب الفرنسي.

البداية السرية!
في حوار مع المؤسسين جون لوي سرفان شغيبر وبرنار بيفو، تسترجع مجلة "لير" سنوات طفولتها الأولى والظروف التي حفت بنشأتها أواسط السبعينيات من القرن المنقضي.

ولعل أهم ما يلفت الانتباه في خصائص تلك الفترة أن المجلة بدأت مسيرتها على شاكلة أشبه ما تكون بالمنشورات السرية ذات السحب المحدود، إذ لم يقع إشهارها أو عرضها في الأكشاك كسائر الجرائد والصحف، بل تم الاقتصار على توزيعها بواسطة الاشتراكات.

مجلة "لير" أجبرت مجلات أدبية أخرى على الإغلاق والانقطاع مثل مجلة "آر" (فنون) ومجلة "لاتر فرانساز" (الآداب الفرنسية)، وحتمت على ملاحق ثقافية عريقة أن تنسحب من الساحة الصحفية مثل ملحق جريدة لوفيغارو

ومع ذلك، أو ربما بسببه، استطاع مؤسساها أن يخلقا حولها نواة صلبة من القراء الشغوفين، ثم ما لبثت هذه النواة أن توسعت شيئا فشيئا بعدما أصبحت المجلة حاجة ضرورية ملحة لا يمكن لعشاق الكتاب أن يحققوا نشوة القراءة ومتعة المطالعة من دونها.

ولكن "لير" استفادت أيضا من وسائل الإعلام الحديثة وأساسا من التلفزيون الذي كان يحتضن آنذاك مؤسسها الثاني برنار بيفو كمنشط لأحد أشهر البرامج الثقافية وأوسعها انتشارا وجماهيرية، برنامج "فاصلة عليا".

فمن تزاوج المكتوب/المقروء والمرئي/المسموع، استطاعت المجلة أن تحلق بجناحين في سماء كلها عواصف أجبرت مجلات أدبية أخرى على الإغلاق والانقطاع مثل مجلة "آر" (فنون) ومجلة "لاتر فرانساز" (الآداب الفرنسية)، وحتمت على ملاحق ثقافية عريقة أن تنسحب من الساحة الصحفية مثل ملحق جريدة لوفيغارو.

وهذا هو الدرس الأهم الذي حفظته مجلة "لير" عن ظهر قلب وحرصت على استحضاره في كل مرحلة من مراحل تطورها: أن تساير عصرها وأن تتفاعل إيجابيا مع السياق الذي تجد نفسها فيه من أجل المواصلة والتقدم دوما إلى الأمام.

ولعل أهم ما نجحت فيه أنها استطاعت أن تُقنع كبار الناشرين الفرنسيين باعتماد طريقة جديدة في اقتحام السوق، بل في غزوه، طريقة نشر مقتطفات مطولة من المنشورات التي لم يحن بعد موعد ترويجها.

وكانت صفحات "لير" طُعما حقيقيا في عالم أراد أصحابه من الناشرين أن يجعلوا الكتاب طعاما لكل فم!

العاصفة الرقمية

فلاسفة يرون أن المستقبل المنظور للكتاب الورقي مؤذن بانحساره وتراجعه أمام هيمنة الوسائط الافتراضية المتعددة، بل إن بيار بورداج يذهب في توقعاته إلى حد تعيين 2035 سنة ستقرر فيها البشرية الانقطاع عن الطباعة نهائيا
ولكن الخطة التي ظلت المجلة تعتمدها في تفاعل ذكي مع العصر وتحولاته، وفي تناغم براغماتي مع السوق وأحكامه، سرعان ما دبّ إليها الوهن أمام العاصفة الرقمية التي جعلت الوسائط المتعددة بمختلف أشكالها تغزو وعي الجمهور وتشكله تماما كما يُشكل قرص صلب أو حامل بيانات صغير.

وإزاء هذا الواقع الجديد العاصف، حملت "لير" هواجسها وطرحت سؤال المصير على الفيلسوف ميشال سيريس (من مواليد 1930) وعلى ثلاثة من كتاب الخيال العلمي الفرنسيين بيار بورداج (من مواليد 1955) وبرنار ويربار (من مواليد 1961) وسيسيل كولون (من مواليد 1990).

وقد أجمع الثلاثة -كلهم- على أن المستقبل المنظور للكتاب الورقي مؤذن بانحساره وتراجعه أمام هيمنة الوسائط الافتراضية المتعددة، بل إن بيار بورداج يذهب في توقعاته إلى حد تعيين 2035 سنة ستقرر فيها البشرية الانقطاع عن الطباعة نهائيا بالنظر إلى تكلفة الكتاب الباهظة وعسر استغلاله واستعماله.

ولكن هذا الواقع الجديد المنظور لن يزعزع عرش الكتاب إلى الأبد. فمما يتوقعه برنار ويربار أن طاعونا رقميا سيضرب أسس العالم الافتراضي ويعطل كل شيء فيه، مما سيجبر البشرية على الرجوع مجددا إلى الكتاب المطبوع الذي يظل رغم العواصف، وكما يقول الفيلسوف ميشال سيريس، عنوان الإنسانية الأول والأخير.

مجلة "لير" أضاءت أربعين شمعة في عالم يبدو كل ما فيه مؤذنا بانطفاء الرغبة في المطالعة. ومع ذلك، فإن الكتاب لا ينفك عن إشاعة أنواره ومباهجه. 

المصدر : الجزيرة