هيثم حسين-برلين

تعود الألمانية ديا لور في روايتها "ظهور بوغاتي" لبداية صناعة سيارات السباق التي كانت تعكس رغبة محمومة في سباق آخر مضمَر نحو التسلح، والاستعداد للحروب، وتعالج قضايا ومسائل كالهجرة واللجوء والاغتراب والاندماج لدى بعض الدول الأوروبية التي تتباهى بإنجازها المتقدم في قضايا حقوق الإنسان، والتناقض الذي يتخلل الممارسات أحيانا.

وتؤكد ديا لور -التي تُرجمت أعمالها إلى أكثر من ثلاثين لغة حتى الآن- أن أحداث روايتها واقعية لكن شخصياتها متخيلة، تتكئ على عدة مراجع ووثائق وحوادث، كالكتب التي تتحدث عن بوغاتي ورياضة سباق السيارات، وتقول إنها اعتمدت على بعض المصادر، واعتمدت كذلك على السيرة الذاتية لرينيه درايفوس التي تصفها بأنها كانت قيمة جدا لعملها.

تربط لور في روايتها (منشورات كلمة في أبو ظبي، ترجمة كاميران حوج 2015) بين حدثين واقعيين، الأول قيام مجموعة من الشبان ليلة كرنفال سترانوسياد 2008 بضرب أحدهم، ومن ثم قتله ركلا.

والحدث الآخر انتشال حطام سيارة مطمورة في أعماق بحيرة جنوب جبال الألب، منذ ثلاثينيات القرن العشرين، وترصد الاحتمالات والافتراضات واستعادة تاريخ آل بوغاتي. يكون الربط بالإشارة إلى عبثية الموت، وكأن الناس يكررون دورة العنف والإشاعات والظنون والغباء نفسها بين زمن وآخر.

صناعة سيارات السباق كانت تعكس رغبة محمومة في سباق آخر مضمَر نحو التسلح والاستعداد للحروب

لعبة التخمين
وتدخل لور قارئها في لعبة التخمين على مدار عشرات الصفحات، إذ تستحضر شخصيات كثيرة في التحقيقات، وعلى مسرح الجريمة، وكل واحدة منها تدلو بدلوها، هنا مَن يشتط في التفسير والتأويل، وهناك من لا يولي المسألة أي اعتبار، ويحاول إبقاءها في إطار الحادثة البسيطة غير المقصودة، ويدخل الأمر في نفق من الشكوك والقلاقل، وعبثية الحياة في مواجهة واقع بائس.

تستهل الكاتبة روايتها بالإشارة إلى ما خطط له مصمّم السيارات الشهير بوغاتي الأب، وهو أن يصير ابنه رمبرانت مهندسا وابنه الآخر إيتور فنانا، لكن الولدين تبادلا المصائر، فغدا إيتور من أشهر مصممي سيارات السباق وبسبب إحداها مات ابنه، فتوفي هو أيضا على أثره.

الفتك بالآخر
تبدأ الكاتبة القسم الأول "من يوميات رمبرانت بوغاتي" بمقتطفات لرامبرانت تعود إلى سنوات الحرب العالمية الأولى، يكتب فيها حياته وواقعه آنذاك، يصور الأجواء المحيطة به، يستعيد ملاحظات على هامش عمله الفني، وموديلاته العارية، وتعامله مع الجسد، والفن. ثم يستذكر التحضيرات التي سبقت اندلاع الحرب، وما رافقها، مشيرا إلى تصميم سيارات السباق التي اشتغل عليها آل بوغاتي، وكيف أن السباق لتصميم السيارات يعكس في جوهره السباق نحو التسلح، نحو الفتك بالآخر، نحو البحث عن سبل للهيمنة والقوة والنفوذ.

تصوّر الكاتبة وصول بطلها إلى حافة اليأس، وقراره التخلص من حياته، إذ إنه يعد الترتيبات اللائقة بنهايته، يكتب رسائل إلى أهله والمسؤولين في البلدة، يتمنى لو كان لديه ما يخفيه مثل أخيه إيتور الذي أخفى قطع السيارات في مولزهايم قبل أن يهرب مع أسرته إلى ميلانو. ويتمنى لو كان لديه شيء للبقاء حيا بعد الحرب. ولا يستدل إلى تحديد ماهيته، ويقر بأنه ليس لديه أي شيء. ويقرر أن الحكاية انتهت وعليه وضع النقطة الأخيرة لها. ويكون ذلك في يناير/كانون الثاني 1916م.

في القسم الثاني المعنون بـ"الجريمة" تنتقل ديا لور إلى سنة 2008، لتحكي مصرع الشاب لوكا الذي لقي مصرعه في ليلة الاحتفال في سويسرا، وهو يحاول الفصل بين فريقين متشاجرين فيتورط في عراك يؤدي إلى قتله على يد ثلاثة مراهقين. هنا تبدأ متاهة من التحقيقات والادعاءات والفرضيات المصاحبة واللاحقة للحادثة. وتدور الكاتبة حول سؤال مقلق "ما معنى الموت ولماذا القتل؟".

تصوّر الكاتبة وصول بطلها إلى حافة اليأس، وقراره التخلص من حياته، إذ إنه يعد الترتيبات اللائقة بنهايته، يكتب رسائل إلى أهله والمسؤولين في البلدة، ويتمنى لو كان لديه شيء للبقاء حيا بعد الحرب

في القسم الثالث "عملية الانتشال" تسير الروائية في أكثر من اتجاه، تغوص في أعماق الشخصيات، أثناء غوصها في أعماق البحر، حين تصوير عمليات انتشال هياكل سيارة بوغاتي قديمة، تلك التي تعد تحفة أثرية، وتكشف أثناء ذلك أن انتشال سيارة غارقة قبل ما يقارب القرن من الزمن يكون بمثابة انتشال جثة مصممها وإعادة الاعتبار إليه، والاحتفاء بإنجازه التاريخي.

فكاهة مريرة
ترصد ديا لور حالات التخبط التي ترافق عمليات الإنقاذ، وكيف أن التخمينات تستعر، كما في حالة التحقيق في قضية مصرع الشاب، وكأن دورة الحياة تستعيد رتابتها في كل قضية بصورة مشابهة، حتى ولو اختلفت الأزمنة والأمكنة والشخصيات، وتكون في ذلك مشيرة بطريقة غير مباشرة إلى نظرة الفنان رامبرانت بوغاتي في يومياته، حين أكد حالة التكرار والملل المصاحب لها، واختياره نهايته الدرامية.

يكون الانتشال الواقعي، والمتخيل معا، احتفاء بآل بوغاتي، بالمصمم من جهة وبأخيه الفنان من جهة أخرى، أحدهما من خلال الهيكل والأثر والآخر من خلال الفكر والصور. أي أن الكاتبة تحقق جمعا بين الأخوين بعد طول فراق، وتتخذ تلك الخطوة بداية للدعوة إلى التفكير في الواقع المستجد بعد هذا الزمن، وكيف أن الجديد يستعيد القديم بصيغة أو أخرى، من دون أن ينجز أي إضافة.

ينتقل المنقذ جوردي إلى السيارة، يفكر بداية أن الحديث عنها مبالغة، وأن الغواصين انشغلوا بها لما لها من صيت، وأنها قطعة خردة لا غير، ثم يغير موقفه، ويقرر البحث عن الحقيقة، ومعرفة ما يوجد هناك في الأعماق، وإذا كانت فعلا سيارة سينتشلها، لكنه لا يعرف ماذا سيفعل بها، يفترض أنه سيقدمها في معرض تذكارا للوكا، ورغم غرابة الفكرة يقرر خوض مغامرته. ويستحضر حالات الموت السابقة، رابطا بطريقة بين عبثيتها وتشابه الافتراضات والتعليقات والظنون حيالها.

تنجح لور بالتعمق فيما وراء الأحداث الظاهرة، بطريقة سلسة، وبنوع من الفكاهة المريرة، بحيث تبرز معها أن العبث متجاوز في فعله وتأثيره المتجددين في دورة الحياة نفسها. وأن أهمية الرواية لا تكمن في اختيار خاتمة انتشال هيكل السيارة، أو وضعها في هذا المتحف أو ذاك، بل تتجلى في القدرة على استرجاع تفاصيل حياة برمتها، عبر مشاهد عبثية ولقطات ومواقف تظهر عمق الفراغ الذي يشغل كثيرا من الناس في مختلف الأزمنة والأمكنة.

المصدر : الجزيرة