الصحبي العلاني*

كانت جنازة الفنان عمر الشريف في القاهرة باهتة، بعد أن انقطعت أخباره من قبل إلا من إشاعات عن مرضه بالزهايمر، لكنها لا تلغي نجومية متفردة ومسيرة فنية حافلة خطها الراحل بجهده وإبداعه وموهبته، حيث استطاع أن ينحت اسمه في تاريخ السينما بأحرف من ذهب في الشرق والغرب.

وما لا يذكر كثيرا في مسيرة الراحل صفحة تونسية منسية سبق لمهرجان كان السينمائي الشهير أن توقف عندها في دورته الأخيرة وقدّم من خلالها تحية لعمر الشريف شهورا قبل رحيله.

فقد بدأ مشوار النجومية العالمية للفتى المصري في فيلم فرنسي صور بتونس، وللمفارقة كان الفيلم أيضا بداية ممثلة تونسية-إيطالية خطت خطواتها الأولى في عالم الفن السابع مع الشريف وأصبحت لاحقا ملء السمع والبصر، وهي كلوديا كاردينال.

الممثل الراحل عمر الشريف في لقطة من فيلم "دكتور جيفاغو" (أسوشيتد برس)

تاريخ لم يكتب
رغم كونها اختراعا غربيا محضا وفنا جديدا طارئا، قرعت السينما أبواب الشرق مبكرا على نحو يلفت الانتباه ويدعو إلى استخلاص الدلالات، وما أكثرها.

ففي نفس السنة التي حرّك فيها الأخوان لوميار (1895) مجموعة الصور الواقعية المأخوذة عن الحياة اليومية الفرنسية وخلبا بها أذهان الجمهور إيذانا بانطلاق ما سيعرف لاحقا بـ"الفن السابع"، في نفس تلك السنة بالذات، انتقلت الكاميرا مباشرة من باريس إلى ضواحي القاهرة لتسجل أولى اللقطات المتحركة عن الأهرام وما حولها وعن النيل وضفتيه.

ثم عادت في السنة الموالية (1896) إلى تونس والجزائر لتصور لنا بعض الشوارع والبيوت، قبل أن تستأنف الدوران مجددا في الشرق (1897) عبر رحلة طويلة قادتها من القدس الشريف إلى اليابان مرورا بـتركيا وروسيا وأذربيجان والصين.

وصلت الرحلة تلك إلى الجانب الآخر من العالم، إلى المكسيك والأرجنتين اللذين كانا في وعي الأخوين لوميار وفي وعي الغرب عموما جزءا من الشرق حتى وإن قضت الجغرافيا بأنهما في الطرف الغربي للكرة الأرضية.

على نحو ما -وكما يقول إدوارد سعيد في كتابه الشهير "الاستشراق"- كان الشرق ضرورة غربية وحاجة لا مفر من تلبيتها ومن إشباعها، وهل ثمة ما يشبع الاستيهامات أكثر من الصورة، ولا سيما إذا كانت متحركة مضمخة بالواقع مضخمة بالوهم؟

والمؤكد أن مسيرة عمر الشريف لا يمكن أن تفهم في مختلف أبعادها إلا إذا أخذنا بعين الاعتبار هذه الحقائق الأولية، حقائق العلاقة الصوَرية (نسبة إلى الصورة) بين الشرق والغرب.

دوره في فيلم "جحا الساذج"  كان بداية رحلة عمر الشريف في السينما العالمية (الجزيرة)

من المحلية إلى العالمية
بعد تلقيه تكوينا أساسيا في التمثيل بالأكاديمية الملكية للفنون الدرامية في لندن عاد عمر الشريف إلى القاهرة ليفتح له القدر أبواب الشهرة عندما عرض عليه زميل دراسته الثانوية المخرج يوسف شاهين دور البطولة في شريط "صراع في الوادي" (1954).

مثّل إلى جانب النجمة فاتن حمامة (1931-2015) التي سبقته إلى صعود سلّم المجد منذ الأربعينيات بعدما وقفت -وهي في سن الثامنة- أمام كبار الممثلين والفنانين، كيوسف وهبي ومحمد عبد الوهاب، وتحت إدارة كبار المخرجين أمثال محمد كريم وصلاح أبو سيف وعز الدين ذو الفقار ويوسف شاهين.

وبعد نجاح عمر الشريف في شريطه الأول تتالت أعماله بوتيرة مستقرة وثابتة، فصور على التوالي وطيلة الخمسينيات أفلام "أيامنا الحلوة" (إخراج حلمي حليم-1955)، و"صراع في الميناء" (إخراج يوسف شاهين-1956)، و"لا أنام" (إخراج صلاح أبو سيف-1957)، و"سيدة القصر" (إخراج كمال الشيخ-1958).

لاحقا قاده التعرّف على المخرج الإنجليزي دافيد لين (1908-1991) إلى الطور الأهم في مسيرته الفنية، طور العالمية الذي استهلّه بتجسيد شخصية "الشريف علي" في شريط "لورنس العرب" (1962)، ثمّ بتقمص دور البطولة المطلقة في شريط "الدكتور جيفاغو" (1965)، وبعدها تتالت الأفلام التي حلّقت به في سماء النجومية.

ولكن هذه الرواية السائدة عن مسيرة عمر الشريف من المحلية إلى العالمية لا يمكن أن تحجب عنا حقائق التاريخ والتداخلات العجيبة في الجغرافيا بين الشرق والغرب، وبين تونس ومصر تحديدا.

عمر الشريف في لقطة من فيلم "جحا الساذج" (الجزيرة)

العالم مرورا بتونس
خلافا للمتداول عن عالمية عمر الشريف، وقبل أن يتصل به دافيد لين في أوائل الستينيات ليدرس إمكانية مشاركته في شريط "لورانس العرب"، أتيح للجمهور الفرنسي -خاصة- والأوروبي -عامة- أن يشاهد عمر الشريف في دورة 1954 لمهرجان "كان" بمناسبة عرض شريط يوسف شاهين "صراع في الوادي".

وكان ظهوره ذاك سببا في اكتشافه من طرف المخرج الفرنسي جاك باراتييه (1918-2009) الذي عرض عليه دور البطولة المطلقة في شريط من إنتاج تونسي يحمل عنوان "جحا الساذج"، بمشاركة ممثلة تونسية مبتدئة ذات أصول إيطالية كان القدر يخفي لها من النجومية والمجد نفس ما كان يخفيه لعمر الشريف، وهي بذلك الممثلة العالمية الشهيرة -لاحقا- كلوديا كاردينال (من مواليد تونس 1938) التي قامت بدور "الخادمة أمينة".

وقد لقي هذا الشريط حفاوة ملحوظة في دورة 1958 لمهرجان "كان" وحصل على جائزتين، هما جائزة لجنة التحكيم ضمن قسم "نظرة ما"، وجائزة أفضل صورة لمدير التصوير جون بورغوان.

ولعل أطرف ما في هذا الشريط -الذي أعيد عرضه بعد ترميمه في الدورة الأخيرة من مهرجان "كان" (مايو/أيار 2015)- أنه أنتج على نفقة الحكومة التونسية، وكتب له السيناريو شاعر ومسرحي لبناني (جورج شحادة)، وأخرجه فرنسي، وقام بدور البطولة فيه مصري.

وصُوّرت معظم مشاهد الفيلم في مدينة القيروان، غير أن السرد السينمائي فيه قد اتخذ من القاهرة إطارا مكانيا على نحو تمّحي فيه الحدود بين مصر وتونس، أي أن المشاهدين يتابعون على الشاشة الكبيرة ديكورات وملابس وبيئة تونسية ولكن الحكاية تأخذهم إلى مصر أم الدنيا.
______________
* كاتب تونسي

المصدر : الجزيرة