الصحبي العلاني

في خطوة اعتبرها البعض متأخرة، وعَـدّها آخرون سابقة لأوانها، ووجدها غيرهم خطيرة على حرية التعبير، صدر عن الهيئة العليا المستقلة للإعلام السمعي والبصري (الهايكا) في تونس بيان ضمّنته موقفها من الإنتاج الدرامي المعروض على القنوات التلفزيونية المحلية في نطاق برمجة شهر رمضان.

وكان الهدف الأساسي من البيان محاولة تهدئة الخواطر، والتقريب بين المواقف المتباينة التي زخرت بها مواقع التواصل الاجتماعي في سابقة لم تشهد تونس مثيلا لها بنفس الحدة والمدى والحجم.

فعلى امتداد عقدين من الزمان أو أكثر ظلت الأعمال الدرامية التونسية، ولا سيما المسلسلات بمختلف أنماطها، تشكو من معضلة جوهرية تتمثل في طابعها الموسمي وفي اقتصار إنتاجها على شهر رمضان المعظم.

ورغم المحاولات القليلة التي سعت إلى تحريك القطاع من خلال إنتاج أشرطة تلفزيونية تعرض على امتداد السنة، ظلت الجهود في هذا الإطار محتشمة ومحدودة.

عطب هيكلي
وقد كان العطب هيكليا صميما رغم أن أعراضه ظلت تتجلى على أكثر من مستوى،  فقد بدا من العسير حقا أن تتنامى الإنتاجات الدرامية التلفزيونية وأن تتنوع في ظل احتكار الدولة للشاشة الصغيرة واتخاذها أداة تفرض من خلالها اللون الواحد وتكرس هيمنة "الرأي السديد"، رأي النظام القائم.

ورغم إقدام الحكومة على بعث قناة تلفزيونية جديدة سنة 1994 تحت مسمى (قناة 21) في إشارة إلى الرغبة في مسابقة الزمن واستشراف القرن الجديد، ظلت آلة الإنتاج تعاني الكثير من الثقل، إلى درجة أن التونسيين تعودوا لسنوات طويلة على الاكتفاء بمسلسلَيْن من 15 حلقة يتقاسمان شهر رمضان، مع استثناءات قليلة هنا أو هناك، استثناءات جاءت لتؤكد القاعدة.

ولم يتغير الوضع جوهريا حتى مع ظهور قناتين تلفزيونيتين خاصتيْن، قناة "حنبعل" (2005) ثم قناة "نسمة" (2007) اللّتَيْن دخلتا على خط المنافسة، ولعل التغيير الوحيد الذي طرأ إنما تمثل في اضطرار القناتين العموميتين (تونس 7) و(قناة 21) -سابقا- إلى اعتماد سياسة أكثر انفتاحا تتمثل في إيكال تنفيذ الإنتاج إلى مؤسسات خاصة.

ولكن هذا الحل الذي خفف من ثقل الجهاز الإداري وحرك الدواليب شيئا ما سرعان ما أصبح مدخلا إلى الفساد، بعدما هيمنت بعض المؤسسات الخاصة المقربة من دوائر السلطة آنذاك على القطاع السمعي البصري، واستثمرت عوائد الإعلانات لصالحها على حساب الدولة نفسها.

بيان الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي البصري بشأن مسلسلات رمضان بتونس (الجزيرة)

الرؤية المعطّلة
ولكن العطالة الكبرى تجاوزت في الحقيقة مستوى الإنتاج لتمس الرؤية الإبداعية ذاتها، فقد وجد كتّاب السيناريو أنفسهم (وهم في الأصل قليلون) مسجونين في قوالب درامية ضيقة مكررة ترتد بهم إلى ماضي الحقبة الاستعمارية، حينا (مسلسل "غادة" 1996، مسلسل "منامة عروسيّة" 2000)، أو إلى نوع من الفنتازما البدوية (مسلسل "الدوّار" 1992)، حينا آخر، أو إلى الراهن الاجتماعي (مسلسل "الخطّاب على الباب" 1 و2، موسم 1996، وموسم 1997)، في جل أحيان.

ولكن هذا الراهن بدا مُسطّحا، بعيدا عن واقع التونسيين، لأن سقف الحرية فيه كان محدودا، والصراعات الدرامية التي تزخر بها المسلسلات كانت منحصرة في حدود معلومة لا تتجاوز الخلاف على ملكة الأراضي والعقارات أو البحث عن التموقع الاجتماعي لبعض الفئات أو قصص الحب الفاشلة.

وحتى إن تجاسرت بعض الأعمال على تسمية الفساد فسادا، فإن الأمر يقدم على أساس كونه من باب الحالات المعزولة والانحرافات البسيطة التي لا يخلو منها مجتمع.

وقد كان الجميع يكتب وينتج ويبث على المقاس تماما وعلى نفس الذبذبات: مقاس المتوقع وذبذبات المنتظر بعيدا عن الصدمة والمواجهة، فما بالك بالترويع! إلى درجة أن صفحات الحوادث في الجرائد التونسية بدت سنوات القمع والاستبداد أكثر درامية من الدراما على الشاشة الصغيرة.

وبالطبع، كانت ثمة استثناءات، ولا سيما في مجال الكوميديا الاجتماعية والسيتكوم، وهي استثناءات شدّت التونسيين وما زالت تشدهم كما يؤكد ذلك ارتفاع نسب المشاهدة. ويتعلق الأمر على وجه الخصوص بالسلسلة الهزلية "شوفلي حل" (ابحث لي عن حل) التي صمدت طيلة ستة مواسم
(2006-2012).

ولكن هذه الاستثناءات على دلالتها العميقة إنما تؤكد حاجة يبدو أن المشهد السمعي البصري لما بعد الثورة ما زال يتلمس الطريق إلى تلبيتها أو لعله "أخطأ الطريق" إلى ذلك. وهذا ما يفسر عمق الخلاف الذي طبع تقييم التونسيين لدراما رمضان لهذه السنة.

مسلسل "ناعروة الهواء" في جزئه الثاني يعرض على القناة الوطنية الأولى (الجزيرة)

عواصف الدراما
ومباشرة بعد ثورة 14 يناير/كانون الثاني 2011، شهد القطاع السمعي البصري في تونس تحولات جلية، في المستوى الكمي على الأقل.

فإلى جانب القنوات القديمة المألوفة، بُعثت عديد القنوات التلفزيونية الخاصة، بعضها استطاع الصمود والمواصلة، في حين انقطع بث بعضها الآخر في انتظار عودة قد يطول موعدها.

ورغم الوفرة العددية الملحوظة لم تكن الإمكانيات المادية تسمح للجميع بإنتاج أعمال درامية خاصة بشهر رمضان. فانحصرت المنافسة بين عدد محدود من القنوات، وبدا الصراع حادا من أجل الاستئثار بـ"البرايم تايم" أو "وقت الذروة" الذي لا يجتذب المشاهدين فقط، بل يستدر أيضا
-وهذا الأهم- أصحاب رؤوس الأموال الراغبين في ترويج منتجاتهم التجارية عبر الإعلانات.

وخلف مشاهد الدراما التلفزيونية المتخيلة التي يتابعها الجميع، ثمّة دراما أخرى حقيقية ولكنها خفية رغم عنفها وقسوتها، دراما عنوانها السيطرة على عائدات الإشهار ومحاولة الهيمنة على السوق واحتكار جيوب المشاهدين من خلال الاستحواذ على عيونهم وعقولهم.

وفي سياق كهذا شاهد التونسيون على شاشاتهم الصغيرة ما لم يسبق لهم أن شاهدوا مثله في الصيغة والرؤية وأسلوب المعالجة والطرح، فتابعوا مسلسلات تطرقت إلى مواضيع كان يعتبر مجرد التلميح إليها من قبيل المحرمات كالمخدرات والجريمة المنظمة والاتجار في الأعضاء والفساد السياسي والإعلامي والدعارة والخيانة الزوجية والتشدد الديني والجنس والإنجاب خارج إطار الزواج وحياة أهل الريف في المدينة وغيرها من القضايا. 

"أولاد مفيدة" مسلسل لسامي الفهري عرض على قناة الحوار التونسي (الجزيرة)

قضايا وجدل
وقد تقاسمت هذه القضايا على إثارتها مسلسلات، من أهمها وأكثرها إثارة للجدل "ناعورة الهواء" (الموسم الثاني/القناة الوطنية الأولى) و"أولاد مفيدة" و"حكايات تونسية" (قناة الحوار التونسي) و"ليلة الشك" (قناة التاسعة) و"نسيبتي العزيزة" (الموسم الخامس/قناة نسمة).

وهو جدل دفع بعض مواقع التواصل الاجتماعي إلى التهديد باللجوء إلى القضاء لإيقاف بث أعمال ما زالت حلقاتها لم تنته وملامح خاتمتها لم تتضح.

وهذا ما حمل الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي البصري على إصدار بيانها الذي أكدت فيه "نسبية التقييمات والانطباعات... بما في ذلك رأي الهيئة نفسها والنقاد"، وحذرت من عدم الوقوع في فخ "تحويل... المواقف إلى مطالبة صريحة بالرقابة والصنصرة"، ودعت إلى ضرورة "إعطاء الأولوية لمراكمة التجربة، فهي الكفيلة بتطوير الإنتاج الدرامي والارتقاء بأداء المبدعين".

وفي خضم هذه المواقف المتضاربة يبدو من الواضح أن مسلسلات تونس الرمضانية لن تتوقف عن إثارة الجدل، وأن ردود الأفعال تجاهها ستستمر إلى شهر شوال، وما بعده.

المصدر : الجزيرة