حاوره/ بدر محمد بدر-القاهرة

أكد الناقد السينمائي الأمير أباظة أن مشكلات السينما في مصر قديمة، سواء في الإنتاج أو التوزيع، إضافة إلى أزمة الإنتاج مؤخرا، وهو ما يستدعي تدخل الدولة لدعم قطاع السينما ماديا وفنيا.

وأضاف أباظة، وهو رئيس مهرجان الإسكندرية السينمائي في دورته المقبلة ورئيس الاتحاد العام لجمعيات وأندية السينما العربية، أن البعض يضغط لزيادة المسموح به من نسخ الأفلام الأجنبية، وهذا معناه أن الفيلم المصري لن يجد مكانا في دور العرض.

وأشار أباظة -في حوار خاص للجزيرة نت- إلى أن النقد السينمائي يعاني من الهواة وغير المتخصصين، مما يعمق أزمة السينما.

 يرى البعض أن السينما المصرية تعاني من أزمة واضحة.. هل تؤيد هذا الرأي؟

السينما المصرية تعاني من أزمة منذ البداية، فهي إذن أزمة متواصلة ومتوارثة من مدة طويلة.. نحن نعاني من أزمة في التوزيع، وفي الإنتاج، وأزمات متعددة أخرى.

لكن أنا متفائل، لأن هناك من جيل الشباب من يقدم سينما مختلفة ومتطورة، والتقدم التكنولوجي الذي حدث أعطى الفرصة للكثيرين، فالكاميرات الآن أصبحت بجودة عالية وفي متناول الجميع، وهناك من يستطيع صناعة فيلم بكاميرا هاتف "الموبايل" أو "اللاب توب" الخاص به، ولهذا أنا متفائل بأن مستقبل السينما لم يعد في خطر.

 وهل تعاني السينما المصرية في رأيك من أزمة تأليف أم إنتاج أم نجوم، أم عزوف الجمهور؟

السينما هي فن الشباب، بمعنى أن النجم عندما يكبر يبتعد ويتراجع ليقوم بالدور الثاني أو الثالث، ويأتي الشباب ليتصدروا الدور الأول، وعليه فالنجوم ليس فيهم أزمة بل تقدموا في العمر، وعلى السينما في هذه المرحلة التي تحاول فيها أن تخرج من عباءة الماضي وترتدي عباءة المستقبل أن تقدم فنا مختلفا.

الحل الأمثل في رأيي هو عودة الدولة لدعم الإنتاج السينمائي، وهو حل حقيقي يقيم صناعة سينمائية، والحلول الفردية لا تبني صناعة، وبالتالي لابد من عودة الدولة لممارسة دورها وأن تعود للإنتاج بشكل ما

وأيضا التأليف لا توجد فيه أزمة، وأنا أقوم بعمل مسابقات في كتابة السيناريو ويتقدم إليها شباب بنماذج رائعة وأعمال جيدة.

ربما هناك أزمة إنتاج بعد ثورة 25 يناير 2011، وقبلها كانت الأزمة الاقتصادية العالمية في 2009، وقد جعلت هذه الأزمة بعض المنتجين أو المشاركين في الإنتاج يسحبون أموالهم، ثم دخل الإنتاج الخليجي على الخط لفترة ولكنه انسحب.

والحل الأمثل في رأيي هو عودة الدولة لدعم الإنتاج السينمائي، وهو حل حقيقي يقيم صناعة سينمائية، والحلول الفردية لا تبني صناعة، وبالتالي لا بد من عودة الدولة لممارسة دورها وأن تعود للإنتاج بشكل ما، مثلا عن طريق شركة قابضة تضم تراث السينما والأفلام القديمة والأستوديوهات والمعامل.. إلخ.

 هناك حديث عن عزوف الجمهور عن ارتياد دور السينما حاليا، فهل السبب عدم قناعته بما يقدم الآن، أم أن الظروف السياسية والاقتصادية التي تعيشها مصر هي السبب؟

منذ ما بعد ثورة يناير 2011 انجذب الجمهور أكثر إلى برامج "التوك شو"، وأصبحوا يرون أن ما يجري في الواقع أكثر إثارة من خيال السينما، إلى جانب ارتفاع أسعار تذاكر دخول دور السينما.

أعود وأكرر أنه يجب أن تعود الدولة للإنتاج، ويجب زيادة دور العرض لزيادة التسويق، ودور العرض أصبحت الآن أكثر وأفضل منها في العشرين عاما الأخيرة.

 البعض يرى أن الإنتاج التجاري الباحث عن الجمهور يتدنى أخلاقيا وسلوكيا (في المشاهد المبتذلة والألفاظ السوقية.. إلخ)، هو ما أدى إلى تفاقم أزمة السينما، فهل تؤيد هذا الرأي؟

لا توجد سينما إباحية في مصر، وهناك رقابة تمنع ذلك، ولكننا نشاهد ألفاظا أو مشاهد قد تؤذي الذوق العام، وهذه مسؤولية الفنان نفسه الذي يقول أنا أحاكي الواقع

للأسف هناك من يرى أن الفن محاكاة للواقع كما يريد أن يراه هو، وأنا لست من أنصار هذا الرأي، لأن عرض أفلام بها مثلا أسلحة بيضاء وألفاظ بذيئة وسلوكيات خاطئة قد يدفع المشاهدين إلى تقليدها، فلماذا لا يقدم هؤلاء نموذجا جميلا حتى يقتدي به الآخرون؟! يجب أن يقدموا سينما ودراما لا تضر بالمجتمع.

أما عن الأفلام الإباحية، فلا توجد سينما في مصر فيها هذا المعنى، وهناك رقابة تمنع ذلك، ولكن هناك ألفاظ أو مشاهد قد تؤذي الذوق العام، وهذه مسؤولية الفنان نفسه الذي يقول أنا أحاكي الواقع، وهذا ليس محاكاة بل هو تقديم لواقع مرير نحن لا نحبه.

 البعض يرى أن زيادة عدد الأفلام الأجنبية المعروضة في دور السينما له دور سلبي في تفاقم أزمة السينما في مصر، فهل ترى ذلك؟

هناك قانون يقول بأنه يسمح بتداول خمس نسخ فقط من الفيلم الأجنبي في دور العرض، وعشر نسخ بصورة استثنائية، فأصبح الاستثناء الآن هو القاعدة، وحاليا هناك من يريد زيادة عدد النسخ المتداولة إلى ثلاثين نسخة!

والغريب أن من تقدم بطلب ذلك هم موزعون وأصحاب دور عرض ومنتجون أيضا، بدعوى أنه لا يوجد إنتاج يكفي، وأن دور العرض في حاجة إلى أفلام حتى تستمر.

والحقيقة أنه في حالة السماح بعرض ثلاثين نسخة من الفيلم الأجنبي، فإن الفيلم المصري لن يجد له مكانا في دور العرض، والفيلم الأجنبي يأتي أحيانا كمنحة أو بأسعار زهيدة لا تتعدى 50 ألف جنيه مصري (حوالي 6500 دولار أميركي)، بينما تكلفة الفيلم المصري هي ما بين 30 و40 مليون جنيه (ما بين أربعة وخمسة ملايين دولار)، وهناك كثيرون يرفضون هذا.

 وكيف ترى حل أزمة السينما المصرية؟

أقولها بوضوح.. الدولة، ثم الدولة، ثم الدولة ثلاثا، بأن عليها أن تقدم الدعم للمساعدة على إنتاج الأفلام، وأيضا لأن السينما تحتاج إلى دعم لوجيستي من أستوديوهات ومناطق تصوير، وغيرها.

الأماكن الأثرية والسياحية والمطارات وغيرها، تطلب مبالغ وإيجارات باهظة للساعة الواحدة، وهذا يؤدي إلى زيادة تكلفة الإنتاج، وحتى المنتجون الأجانب صاروا يفضّلون المغرب الآن

وهناك مشكلة أخرى وهي أن الأماكن الأثرية والسياحية والمطارات وغيرها تطلب مبالغ وإيجارات باهظة للساعة الواحدة، وهذا يؤدي إلى زيادة تكلفة الإنتاج، والأماكن الأثرية والتاريخية ومعالم البلد لم تكن تستنزف المنتج للتصوير فيها قديما، أما الآن فهي تستنزف وتجهد القائمين على الفيلم، وبعض المنتجين لا ينتجون عند الدولة بل يذهبون بعيدا، وحتى الأفلام الأجنبية التى كانت تأتي للتصوير في مصر بدأت تذهب إلى المغرب مثلا للتصوير هناك.

ومنذ سنين وهناك لجان تجتمع وتضع حلولا للمشاكل، وفي النهاية لا يحدث أي جديد!

 يُقال إن النقد السينمائي الآن أصبح يمارسه بعض الهواة من الصحفيين وغير المتخصصين.. فما تعليقك؟

النقد السينمائي الآن في أزمة، وعدد النقاد دائما قليل، وبالتالي فإن هؤلاء الهواة من الصحفيين ومن غير المتخصصين هم جزء من الأزمة، بمعنى أن العمل الفني مجموعة أطراف والنقد طرف منها.

ولو أن السينمائي لم يجد الناقد المتخصص الذي ينقد العمل ويحلله تحليلا فنيا صحيحا، فسوف يعمل ما يريد، وبالتالي من الممكن أن يصنع أفلاما ليست بالمستوى الفني المطلوب، أما إذا وجد من يوجهه وينبهه وينقده نقدا بنّاء يساعده على التقدم للأمام، فسوف يصنع سينما مختلفة.

 وما الجديد في الدورة رقم 31 لمهرجان الإسكندرية السينمائي المقرر في سبتمبر/أيلول المقبل؟

مهرجان الإسكندرية هذا العام سيشارك فيه حوالي 28 دولة حتى الآن، وقد وجهت الدعوات لأكثر من ثلاثمئة شخصية فنية، مصريين وعرب وأجانب، وهناك تحضيرات جيدة لندوات وجهد كبير مبذول من إدارة المهرجان، وأتمنى أن يلقى النجاح المأمول.

المصدر : الجزيرة