تتمتع مدينة تدمر بأهمية إستراتيجية كبيرة بحكم موقعها على طريق بري سريع يربط دمشق بمحافظات شرق سوريا. ومن الناحية الثقافية والاجتماعية والسياسية، لهذه المدينة أيضا أهمية كبيرة لأن سكان هذه المنطقة يُعتبرون صلة وصل بين سكان المناطق الساحلية في غرب البلاد وسكان الأرياف على نهر الفرات.

إضافة إلى ذلك، توجد إلى جانب مدينة تدمر الحضرية مدينة تدمر الأثرية التي تعد من أهم المدن الأثرية عالميا ولها شهرتها ومكانتها، وهي مدرجة على لائحة التراث العالمي لليونسكو.

وتحدث شتيفان فيبر مدير متحف الفن الإسلامي في برلين ومنسق مشروع أرشيف التراث السوري، في هذه المقابلة عن أهمية مدينة تدمر الأثرية لسوريا والعالم بأسره، وإستراتيجية تنظيم الدولة في التعامل مع الآثار والمعالم التاريخية التي يسيطر على مناطقها.

هل يمكن أن تتحدث لنا عن مدينة تدمر الأثرية؟
- لدينا في سوريا مدن يرجع تاريخها إلى آلاف السنين، وهناك أدلة على أن تدمر يرجع تاريخها إلى ألفي أو ثلاثة آلاف سنة قبل الميلاد. ليس ذلك فحسب، بل كانت تدمر نقطة تقاطع الحضارات في منطقة شرق البحر الأبيض المتوسط بين العالم اليوناني الروماني وبلاد ما بين النهرين (بلاد الرافدين) لمئات السنين. ويمكن ملاحظة ذلك على نقوش جدران المعابد التي تظهر عليها آلهة متعددة ابتداء من الحضارة الفينيقية وصولا إلى الحضارة الفارسية، كما نرى على جدران المعابد أنماطا من الحضارة الرومانية. لذلك فإن تدمر ليست مهمة جدا بالنسبة لكثير من السوريين فحسب، ولكن أيضا للعالم بأسره بحكم أنها كانت عاصمة مملكة بالميرا، ومنها قادت الملكة زنوبيا ثورتها ضد الرومان.

وإلى ماذا ترمز الملكة زنوبيا؟
- عشت فترة طويلة في سوريا والجميع يعرف من هي زنوبيا، وإذا سألت عنها يروي لك الناس العديد من القصص عنها لأن جذور هذا التراث المحلي متعمقة في ذاكرة السوريين. أما الآن، فهذا التراث السوري/العالمي على وشك الضياع لأن البلاد تعيش حالة انقسام، وقد يُقدم مقاتلو تنظيم الدولة عمدا على تدمير وتخريب هذا التراث. كما أن تدمير المدن هو في حد ذاته أيضا تدمير للثقافة الإسلامية التي تشكلت في هذه المدن، وهذا ليس فقط خسارة لتاريخ الحضارة الإنسانية بين الشرق والغرب، وإنما هو أيضا خسارة كبيرة وجرح قد لا يبرأ منه السوريون.

المسرح الروماني في مدينة تدمر السورية (دويتشه فيله-الفرنسية/غيتي)

إذا تم تخريب مدينة تدمر بالفعل، إلى أي حد يتعلق الأمر بالعالم، لاسيما وأن ذلك هو مسار الحضارة كما يقال؟ 
- مدينة تدمر الأثرية هي بالطبع جزء من تاريخنا العالمي، ومع ذلك فإن السوريين هم وحدهم من يحس بهذه الخسارة، وتنظيم الدولة الإسلامية يعرف جيدا أن أي مساس بهذه الآثار التاريخية سيثير اهتمامنا أيضا.

أما عن الأشخاص الأربعمئة الذين ذبحتهم عناصر التنظيم في تدمر فلم يأخذوا حيزا كبيرا من اهتمام وسائل الإعلام، وتم الحديث عنهم في سطور مقتضبة.

الغريب -على ما يبدو- أن القتل لا يلقى اهتماما كبيرا عندنا بقدر ما يخيفنا تدمير آثار تاريخية قديمة، وهذا ما يسعى إليه تنظيم الدولة، أي إصابتنا في نقطة حساسة من أجل الدعاية وإحداث ضجة كبيرة. وقد عشنا ذلك لأول مرة مع حركة طالبان في أفغانستان عند تدمير تمثالين أثريين لبوذا في باميان، ونفس الحالة نعيشها الآن مع تنظيم الدولة الإسلامية.

وهل نجح تنظيم الدولة في سياسة الاستفزاز؟
- أعتقد أنه يجب علينا أن نحاول -حتى لو كان في ذلك خسارة لآثارنا العالمية وخسارة لسوريا- التزام الهدوء وعدم السماح لذلك بأن يؤثر علينا، لأن استفزازنا هو بالضبط ما يريده تنظيم الدولة، وكلما كثر صراخنا ازدادت نشوتهم واعتبروا ذلك فوزا.

إنهم ينتهجون إستراتيجية غير أخلاقية، وعلى الأغلب سيستمرون في هذا النهج لفترة طويلة. ونحمد الرب على ما قام به مكتب الآثار السوري الذي نقل العديد من التماثيل الثمينة من المتحف المحلي، ولكن توجد قطع أثرية ينوي مقاتلو التنظيم تدميرها حسب المصدر نفسه. وليس لنا أي علم بما سيحدث لهذه الآثار التاريخية في تدمر، ولكن تصريحات محلية من قادة كبار في تنظيم الدولة أكدت عدم المساس بهذه الآثار.

الغريب أن القتل لا يلقى اهتماما كبيرا عندنا بقدر ما يخيفنا تدمير مآثر تاريخية قديمة، وهذا ما يسعى إليه تنظيم الدولة، أي إصابتنا في نقطة حساسة من أجل الدعاية وإحداث ضجة كبيرة

أنتم تتابعون ما يجري في سوق القطع الأثرية الفنية عن كثب، فهل هناك تطورات لاحظتموها؟
- الشيء المثير للاهتمام هو أن الرواج في سوق القطع الأثرية الفنية أقل مما كنا نعتقد، وهذا يعني أن القطع الأثرية المنهوبة لن تُعرض للبيع مباشرة. ويدور الحديث هنا عن قطع أثرية قديمة من الشرق الأدنى من الحقبة الرومانية، وقطع قليلة من الحقبة الإسلامية. فمن المحتمل أن كثيرا من هذه القطع الأثرية تباع مباشرة إلى عملاء خواص. وهناك أسواق جديدة في كل من تركيا ومنطقة الخليج حيث يشتري الأثرياء قطعا من تراثهم الثقافي لوضعها في منازلهم الخاصة.

ويفترض مكتب الجنايات الألماني -الذي نحن على اتصال دائم به- أن القطع الكبيرة ستعرض في السوق عندما لا يعود موضوع سوريا طاغيا على الساحة الإعلامية، وعندما يتوجه الاهتمام الدولي نحو بُؤر توتر أخرى في العالم، وهذا يمكن أن يستغرق بعضا من الوقت.

أطلق معهد الآثار الألماني ومتحف الفن الإسلامي قبل ثلاثة أعوام بدعم من الخارجية الألمانية مشروعا لحماية التراث السوري، فما هو هذا المشروع؟
- كان هدفنا أولا الخروج من هذه الصدمة.. لقد بقينا لأكثر من عامين مكتوفي الأيدي نتابع الإجرام الذي طال الآثار التاريخية. وفي هذا المشروع، نحن نفعل كل ما بوسعنا لرصد القطع الأثرية السورية التي وضعت للأبحاث وإدراجها على شبكة الإنترنت وتوثيق كل البيانات عنها. كما نوثّق الآن أيضا الدمار الذي تعرضت له هذه القطع الأثرية، ونتابع عن كثب تجارة الآثار وما يحدث في سوق القطع الأثرية ونعلن عن القطع المنهوبة للجهات المختصة.

وهل بإمكانكم حماية التراث الثقافي في المستقبل؟
- المشاريع التي نقوم بها مهمة جدا بطبيعة الحال، ولكن هذا لا يعني أن بإمكانها حماية التراث الثقافي السوري في المستقبل، وفي الواقع نحن بحاجة إلى مبادرات من حجم أكبر.. علينا دعم القوى المحلية في المناطق التي لا ينعدم فيها حضور الدولة تماما أو يضعف فيها حضور السلطات الحكومية. وعلينا توعية الرأي العام بمناهج ثقافية -وخاصة في مخيمات اللاجئين- للمحافظة على هذا التراث الثقافي، ويمكن أن يجري التأكيد على أن تعدد الأديان والأعراق إرثٌ إنساني غني يجب الحفاظ عليه والفخر به.

المصدر : دويتشه فيلله