حاوره/ توفيق عابد-عمّان

يتحدث الشاعر الأردني محمد سمحان في حواره مع الجزيرة نت عن النقد الشعري في الأردن وظاهرة شعراء فيسبوك، إضافة إلى أهمية هذا النوع الأدبي وموقعه في التاريخ والحياة.

ويذكر أن سمحان أصدر خمسة دواوين شعرية هي "معزوفتان على وتر مقطوع" و"أناشيد الفارس الكنعاني" و"أنت أو الموت" و"قال النبي الطريد" و"أفاويق"، إضافة إلى كتاب "الطريق إلى يبوس".

 تحدث نقاد عن "حرب خنادق" بين قصيدة النثر وقصيدة التفعيلة، فأين موقفك؟

في اعتقادي أن الشعر كغيره من الفنون يخضع لعملية مراجعة وتطور حقيقية، فقد كانت القصيدة العربية التي بلغت ذروتها في المعلقات هي المثال، وحين جاء الإسلام أبقى الشكل الشعري واهتم بالمضمون القيمي والأخلاقي.

إن قصيدة النثر الحقيقية أصعب من قصيدتي التفعيلة والبيت بما تحتويه من تحولات في أسلوب بنائها وكثافة اللغة وشعريتها واعتمادها على الخيال الجامح الذي شكل "رامبو" الفرنسي ذروتها.

وأود الإشارة لانقسام الساحة العربية بين مؤيد ومعارض لقصيدة النثر، فالراحل محمود درويش الذي شكّل أعلى الروافع في الشعر العربي وقف ضدها لكنه طوّر لغته الشعرية لما يشبهها دون الاعتراف بها.

وشخصيا أنا منفتح على جميع التجارب وأشجع المحاولات الحقيقية شريطة التزام الشاعر وإتقانه للأنواع الشعرية الثلاثة.

 يوصف النقد بالأردن بأنه "نقد الاحتفاء" فما رأيك؟

الحركة النقدية فشلت في تشكيل مظلة نقدية حقيقية تفرز الشعر، وقد تحمل الجامعات بأساتذتها وخريجيها الإدانة الأكبر، ذلك أن أساتذة الجامعات في معظمهم كسالى لا يتابعون حركة النشر ولا يتعرفون على الأصوات الشعرية وإنما يذهبون للمكتبات ليأخذوا من الكتب المنشورة آراءهم وأفكارهم ويكتبوا عن أعلام كبار وبذلك يعزلون طلبتهم عن مواكبة حركة الإبداع الشعري.

وأرى أن للعملية النقدية معايير وذائقة شعرية ونقدية، وهذه أمور غير متيسرة لأن النقاد العرب لا يمتلكون الثقة ولا يختلفون في مسلكياتهم عن مواطن عادي يريد شراء سيارة جديدة لا يستطيع التعامل معها أو تصليحها.

 بعض النقاد يصفون الشعراء الشباب بـ"شعراء فيسبوك" ويحملونهم مسؤولية انهيار الذائقة الشعرية، فما رأيك؟

مواقع التواصل الاجتماعي كسرت احتكار الصحافة بأشكالها التي كانت أشبه بسد يحجز الترسبات خلفه، والآن انهار وأصبح بإمكان أي فرد دخول فيسبوك ونشر ما يشاء.

وسيفرز هذا التدفق في النهاية أصواتا شعرية حقيقية إلا أنه سيصبغ الساحة الشعرية بصيغة غير معقولة أو منطقية ويغذي نزعة تدميرية لذائقة المتلقين، تماما كما أحدثت قصيدة النثر هروبا من مسارح إلقاء الشعر لأنها اعتدت على الذائقة العامة ففقد الشعر جمهوره المسرحي.

 وماذا عن إشكالية الشاعر والسلطة؟

الشاعر بطبيعته متمرد على واقعه، وإذا دخل في علاقة همود مع واقعه لا يعود شاعرا ولا يكتب شعرا، ولعل هذا السبب الذي جعل أفلاطون يطرد الشعراء من جمهوريته لأنهم يثيرون القلق والإزعاج.

سيف الدولة الحمداني دخل سفر الخلود من خلال شعر المتنبي وليس من معاركه مع البيزنطيين، وبوشكين في روسيا أشهر من قياصرتها، وأسرة محمد علي أشهرتها قصائد أحمد شوقي

فالشعراء لا يتعاملون مع الواقع ويبنون دولتهم في خيالهم ويريدون لعالمهم أن يبقى متحركا باحثا عن الأجمل والأمثل والأفضل، وهذا ما يزعج السلطة، كما يعملون دائما بعيون المستقبل في البحث عن مستقبل أكثر روعة لهم وللأجيال المقبلة.

أما الشعراء الذين يصفقون للسلطة فسيبقون كأجساد الموديلات وترمى قصائدهم في مزابل الأدب وينسون بعد غيابهم عن مسرح الحياة.

 البعض يلقبك بشاعر الحب أو المرأة، فما هي فلسفتك؟

المرأة رديف للوطن والحب بأشكاله وتعبيراته فكيف أتجاهلها وأبتعد وأشعر بأنني ممتلئ حبا وأفيض "جنتي لا يكتمل مشهدها إلا بالمرأة"، لذلك تجد في قصائدي مساحات تتغنى بالمرأة رغم محاولات زوجتي قمعي ومراقبتها لكل قصيدة غزلية.

 يلاحظ توجه أمراء وسياسيين كبار وأطباء لنظم الشعر فأي سر يكمن بالشعر؟

بلا انحياز أقول إن الشعر هو أرقى الفنون وسيدها وجامعها لأنه يحتوي الموسيقى والرسم والتعبير والإلقاء، فالشعر هو "عشبة الخلود"، ولهذا نجد ملوكا وأمراء وقادة وأثرياء يصرون على كتابة الشعر، فكم من هؤلاء اندثروا وضاع ذكرهم في دهاليز التاريخ إلا الشعراء منهم أو من كتب عنهم شعرا.

فسيف الدولة الحمداني دخل سفر الخلود من خلال شعر المتنبي وليس من معاركه مع البيزنطيين، وبوشكين في روسيا أشهر من قياصرتها، وأسرة محمد علي أشهرتها قصائد أحمد شوقي، وشكسبير أشهر من ملوك بريطانيا، وفيكتور هيغو أكثر شهرة من ملوك فرنسا.

المصدر : الجزيرة