بوطاجين: النقد يُحرر النص من سلطة المبدع
آخر تحديث: 2015/5/18 الساعة 15:27 (مكة المكرمة) الموافق 1436/7/30 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2015/5/18 الساعة 15:27 (مكة المكرمة) الموافق 1436/7/30 هـ

بوطاجين: النقد يُحرر النص من سلطة المبدع

حاوره: الخير شوار-الجزائر

في هذا الحوار الذي خصّ به الجزيرة نت، يتحدث الكاتب والأكاديمي الجزائري السعيد بوطاجين عن جذور اهتمامه بالنقد السيميائي، ومحاولاته الأكاديمية لتأصيل هذا المنهج في التراث النقدي العربي، إضافة إلى أزمة النقد الأدبي الجامعي ومشكلة السرقات العلمية في الجامعات الجزائرية.

د. بوطاجين كاتب وناقد جزائري أصدر كثيرا من الكتب النقدية والدراسات السيميائية (السيمياء -أو السيميولوجيا- هو علم يهتم بالمدلولات اللغوية أو الرمزية ويعتمد على تفكيك النصوص وتركيبها للوصول إلى معانيها) إضافة إلى ترجمات متنوعة عن الفرنسية وإصدارات بالقصة القصيرة والرواية.   

 ارتبط اسمك بالنقد السيميائي للنصوص الأدبية ولك كثير من الإسهامات في هذا المجال، فكيف بدأت القصة؟
يعود اهتمامي بالمقاربات السيميائية والسردية إلى نهاية السبعينيات ومطلع الثمانينيات. تعلمنا المبادئ الأولى مع طلبة اللغات الأجنبية بجامعة الجزائر، ثم ساعدتنا جامعة السوربون على تطوير بعض المفاهيم. كان هناك جيل من النقاد الفرنسيين الذين تعلمنا على أيديهم، أقصد أغلب الأسماء الكبيرة التي ساهمت بمهارة في ترقية الأدوات النقدية، بصرف النظر عن منحى التوجهات النقدية الجديدة التي بنت على اللسانيات وجهود الشكلانيين الروس.

لم تُبن السيمياء على فراغ، فهي نتيجة منطقية لجهود سابقة، كما مهدت لاحقا لظهور سيميائيات جديدة اهتمت بحقول أخرى أكثر اتساعا، ومنها ما تعلق بالصورة واللباس والتعليب والإشهار

ما كتبتُه في المنهجين كان تحايلا على الضوابط التي وضعها المؤسسون ومن حذا حذوهم، أي أني لم أتقيد بالحدود المرسومة لتفادي الحرفية. كان ذلك خيارا اتبعته لاحقا لعدة أسباب، ومنها إفراط بعض المناهج في العرض الحيادي للأشكال، مع ذلك فأنا مدين بعدة معارف لهذه المناهج التي أهلتني لمعرفة النص ومكوناته في تفاصيلها الدقيقة، وهو أمر لم يكن معروفا في الدراسات السابقة، دون التقليل من قيمتها ومرجعياتها.

 على عكس باحثين آخرين، حاولت التأصيل للمنهج السيميائي في التراث النقدي العربي، ألا ترى أنك "تؤصل لما لا يُؤصل" كما يقول البعض، أم أن هناك بالفعل جذورا للمنهج في التراث؟
لا أميل إلى المقاربات التي تقوم على المحو. لقد آمنت دائما بهذه الحَلَقية التي تطبع الجهد البشري. لم تُبن السيمياء على فراغ، فهي نتيجة منطقية لجهود سابقة، كما مهدت لاحقا لظهور سيميائيات جديدة اهتمت بحقول أخرى أكثر اتساعا، ومنها ما تعلق بالصورة واللباس والتعليب والإشهار.

 مشكلة العقل العربي أنه لا يحترم هذه الحَلَقية التي من دونها نظل ننطلق من الصفر دون أن تكتمل رؤيتنا للأشياء. هذه محنة حقيقية يمكن أن تنطبق على الإبداع والنقد على حد سواء. أما إذا عدنا إلى السرد والسيمياء فيمكن القول إنهما كانا امتدادا لمنظورات سابقة، لكنهما عملا على ترقية مفاهيمهما وحقولهما المصطلحية التي تجاورت مع مناهج وعلوم أخرى، ومنها البلاغة واللسانيات والمنطق.

هناك من أخذ المنهج مفصولا عن سياقه وتاريخه، لذلك لم يتم الكشف عن بعض المسائل الجديدة التي تناولها التراث بدقة متناهية، ويمكن أن نقدم عدة أمثلة على ذلك، وهي كثيرة، سواء من حيث المفاهيم أو من حيث الأدوات. لذلك حاولت باستمرار العمل على محورين: الحداثة والتراث.

 تتعدد الترجمات للمصطلح الواحد، وتتعدد الترجمات للكتاب الواحد بصيغ مختلفة.. ماذا عملتم كـ"سيميائيين" لتجاوز هذه الوضعية؟
يجب أولا تثمين الجهود الكبيرة التي بذلتها المجامع العربية واتحاد المجامع ومكتب تنسيق التعريب، إضافة إلى ما قام به الأفراد والهيئات والمخابر، وما تبرزه القواميس والبحوث التي أنجزت هنا وهناك، بعقل وروية. طبعا، هناك فجوات واختلافات في التعامل مع المصطلحات بشكل عام، وليس فقط ما تعلق بالمصطلح اللساني.

هناك مئات المصطلحات التي تنتج يوميا على المستوى الدولي، وليس من السهل جمعها ونقلها إلى العربية، اللغات الأخرى تعاني المشكلة ذاتها لأنها لا تستطيع متابعة هذه السرعة الكبيرة في الإنتاج، وعلى كافة الأصعدة

هناك مئات المصطلحات التي تنتج يوميا على المستوى الدولي، وليس من السهل جمعها ونقلها إلى العربية، اللغات الأخرى تعاني المشكلة ذاتها لأنها لا تستطيع متابعة هذه السرعة الكبيرة في الإنتاج، وعلى كافة الأصعدة. ربما كانت مشكلة اللغات الأخرى أقل حدة، لكنها قائمة.

أشرت سابقا إلى التراث، إذ هناك مصطلحات كثيرة وُجدت قبل قرون، لكننا لم نستثمرها كلها، ثم إن هناك بعض التردد في التعامل مع المنجز القديم. وقد تخرج القضية في حالات من مشكلة علمية إلى مشكلة ذات علاقة بالأفراد والمراكز وجماعات الضغط.

هناك مشكلة أخرى: نحن نبحث عن التكافؤ الكلي بين المصطلح الأجنبي ومقابله بالعربية، في حين أن الأمم الأخرى تستثمر في النقل والنحت والاشتقاق تأسيسا على المجاورة، وليس على التطابق، وعلينا أن نراجع المدونة المصطلحية الفرنسية على سبيل المثال.

 يرى الكثير أن المنهج السيميائي زاد النصوص المطبقة عليه عتمة عوض أن يضيئها.. أين الحقيقة من المبالغة في هذا المجال؟
قدم المنهج السيميائي، شأنه شأن المنهج السردي الكلاسيكي، معارف كثيرة للنقد، وتحديدا ما ارتبط بالأشكال والكيفيات، ولم يحدث أبدا أن عرف القارئ التفاصيل الدقيقة لأجزاء الخطاب كما عُرفت في الحقبة الأخيرة.

طبعا، سنتساءل دائما عن الخدمة التي تقدمها هذه المناهج للإبداع. لكن، علينا أن نتساءل قبل ذلك إن كان المبدع يؤمن بالنقد أصلا، سواء كان سرديا أو بنيويا أو تفكيكيا أو اجتماعيا أو نفسانيا أو انطباعيا.

إن كنا نرغب في الذهاب بعيدا فيجب تحرير النقد من سلطة المبدع، أي أن يكون هناك تناغم بين هذا وذاك من أجل ترقية الفن، وعلى النقد موازاة مع ذلك أن يكون ملما وقادرا على تطوير ذائقته وأدواته

المؤكد أن المناهج الواصفة تعرض بدقة متناهية "تمفصلات" المعنى، أو كيفية السرد وإنتاج المعنى، أما من يريد الاستمرار في البحث فعليه أن يطرح سؤالا: وبعد؟ أي أن يبني على هذه المنظورات ثم يقيّم أو يقوّم تأسيسا على قضايا جمالية أو أسلوبية أو بلاغية أو نحوية، مع أن الكتاب سيكونون متذمرين من كل ما يأتي من وراء سؤال "وبعد"؟ الكتاب لا يحبون النقد ويعتقدون أنهم معصومون، بمن فيهم من لا يعرف نظام الجملة.

لقد أصبح النقد الجديد في بعض الحالات موضوعا لنفسه، وهناك ما يسوغ هذا المآل. لكننا لا يجب أن نغفل معرفته الكبيرة بالنص. أما إن كنا نرغب في الذهاب بعيدا فيجب تحرير النقد من سلطة المبدع، أي أن يكون هناك تناغم بين هذا وذاك من أجل ترقية الفن، وعلى النقد موازاة مع ذلك أن يكون ملما وقادرا على تطوير ذائقته وأدواته.

 وما السر في رواج هذا المنهج دون غيره في الدراسات الجامعية في الجزائر؟
يمكن أن نرجع سبب انتشار هذا النقد في الجامعات الجزائرية إلى قربنا من مصدر الإنتاج، ثم إن هناك مجموعة من الباحثين والأكاديميين ممن عملوا على نشره، وهذا طبيعي، لكن السيمياء، شأنها شأن المقاربات السردية، أصبحت متداولة في كثير من البلدان العربية ولو أنها انتشرت أكثر في المغرب العربي.

سيتجه هذا المنهج في السنين القادمة نحو مراجعة حدوده وفلسفته النقدية بالنظر إلى المتغيرات الجديدة، ومنها وصوله إلى مأزق الدلالة، مثل المناهج قاطبة. ولا توجد مقاربة ثابتة ومنتهية إذ لكل أمر سياقه وعلة وجوده.

 على ذكر الجامعة الجزائرية.. كيف ترى واقع النقد الأكاديمي في ظل الحديث عن السرقات العلمية التي تعددت حالاتها بشكل مخيف؟

قد يسطو الباحث على جهد غيره، وهذا مؤسف حقا وغير مقبول، غير أن هناك سياسيين ومسؤولين يسطون على شركات بأكملها وعلى حاضر الأمة ومستقبلها دون أن ندينهم أو نشير إليهم

ما يشاع عن الجامعة مجرد دعاية لا علاقة لها بالواقع، أو ببعضه. هناك جهود كبيرة تبذل في المجال النقدي، على اختلاف منابعه وتوجهاته، مع أخطاء قد تقع في بعض الجامعات فتستغلها جهات سياسية للإساءة إلى الباحثين والجامعيين من أجل تمرير خطابها، لكن ذلك لا يبرر ما حصل حتى لا يصبح تقليدا. لا يوجد مسوغ لقرصنة جهد الغير، وعلى الوزارة الوصية أن تتخذ الإجراءات المناسبة لردع هذه النوعية الفاشلة التي لا تشرف العقل والبلد.

يجب محاسبة السياسيين والباحثين والمسؤولين بنفس المنطق. قد يسطو الباحث على جهد غيره، وهذا مؤسف حقا وغير مقبول، غير أن هناك سياسيين ومسؤولين يسطون على شركات بأكملها، وعلى حاضر الأمة ومستقبلها، دون أن ندينهم أو نشير إليهم، الجامعة هي وجه من وجوه المرحلة لا غير، وليس لنا أن نركز على النتائج ونهمل الأسباب. لكل معلول علة.

 وماذا قدّمت الجامعة للنصوص الأدبية الجديدة، بعيدا عن الأسماء التي تُستحضر إعلاميا؟
أتصور، حسب تجربتي ومتابعاتي، أن الجامعة قدمت في السنين الأخيرة خدمات جليلة للنص الجزائري الجديد، سواء في قاعات المحاضرات أو في الملتقيات والمخابر ووحدات البحث، وهذي حقيقة يجب أن نعرفها عن قرب، وليس تأسيسا على ما يتم تداوله في الشارع والمقهى. قد نتحدث عن التقييم، وهذي مشكلة أخرى أشرت إليها.

الجامعة الجزائرية حاليا ليست جامعة السبعينيات والثمانينيات. لقد انهارت كما انهار المجتمع برمته وعلى كافة الأصعدة. إنها جزء من بنية مهيمنة يميزها الاستخفاف بالبحث والجهد العقلي والعبقرية

ليس من السهل القيام بذلك في ظل العقلية السائدة، وفي ظل تفشي نزعة استعلائية ستلحق -لا محالة- ضررا كبيرا بالأدب. نحن متجهون في الجزائر نحو نفي النقد، أو على الأقل تقوية النقد الواصف الذي يلتزم الحياد تفاديا للحرج. الكتّاب لا يحبون في النقد إلا ما كان مدحا.

 ألا ترى أن الجامعة أصبحت تتأثر بالإعلام والظواهر الإعلامية عوض أن يحدث العكس؟
الجامعة الحالية ليست جامعة السبعينيات والثمانينيات. لقد انهارت كما انهار المجتمع برمته، وعلى كافة الأصعدة. لذا لا يمكن أن نفصلها عن المحيط العام من حيث إنها جزء من بنية مهيمنة يميزها الاستخفاف بالبحث والجهد العقلي والعبقرية. نحن أمام قيم أخرى، مختلفة ومخيفة، وهي في كل الأحوال سمة من سمات واقعنا الثقافي والسياسي والاقتصادي والأخلاقي.

وإذا تأثرت الجامعة بالإعلام والشعوذة والأغنية وكرة القدم، فلأن هذه المرجعيات الجديدة لها سلطة كبيرة على المجتمع، في حين أن الجامعة لا سلطة لها، لقد أُفرغت من محتواها وأفلست، ولولا الحضور اللافت لباحثين وطلبة مهتمين لفقدت اسمها ومعناها بعدما فقدت سمعتها ووظيفتها التنويرية. لكن هذا لا ينطبق على الجامعة بمفردها، وإنما ينسحب على مؤسسات الدولة قاطبة.

المصدر : الجزيرة

التعليقات