حاوره/ الخير شوار-الجزائر

في هذا الحوار الذي خصّ به الجزيرة نت، يتحدث الروائي الجزائري الحبيب السائح عن روايته "كولونيل الزبربر" التي تصدر هذا الشهر عن دار الساقي وتتداخل فيها بعض وقائع الثورة التحريرية الجزائرية مع أحداث "المحنة الوطنية" في تسعينيات القرن الماضي، انطلاقا من المكان نفسه الذي شهد الحدثين الكبيرين في تاريخ الجزائر المعاصر.

كما يتحدث السائح عن واقع الرواية في الجزائر في ظل "الإخفاقات" الأخيرة في بعض المسابقات الإقليمية.

وصدرت للحبيب السائح منذ منتصف ثمانينيات القرن الماضي الكثير من الروايات التي أثارت نقاشا واسعا، منها "زمن النمرود" و"تلك المحبة" و"تماسخت.. دم النسيان" و"الموت في وهران".

 "كولونيل الزبربر" عنوان يحيل إلى عشرية التسعينيات الدموية، مثلما يحيل إلى أحداث الثورة التحريرية في الجزائر، فهل "المكان" عندنا مُلتبس إلى هذا الحد؟

- لم نكن في الجزائر قبل بداية أحداث "المحنة الوطنية" نكاد نعرف شيئا عن جبل الزبربر خلال حرب التحرير رغم حمولته التاريخية، ذلك لأن جغرافيا تلك الحرب -كما تاريخها- لا تزال بكرا.

رواية كولونيل الزبربر تريد القول إن هناك ذاكرة جغرافية أيضا، فمن المفارقة التاريخية أن يتحول الزبربر منذ عام 1992 إلى أحد أهم معاقل الجماعات المسلحة بعدما كان أهم فضاء لكتائب جيش التحرير الوطني بين 1954 و1962

رواية "كولونيل الزبربر" إذًا لا تدّعي تعويضا، إنها تبغي فقط أن تقول إن هناك ذاكرة جغرافية أيضا. فمن المفارقة التاريخية أن يتحول "الزبربر" منذ عام 1992 إلى أحد أهم معاقل الجماعات المسلحة، بعد أن كان أهم فضاء لكتائب جيش التحرير الوطني ما بين عامي 1954 و1962.  

 على ذكر المكان، الروائي الحبيب السائح يشتغل كثيرا على هذا الجانب إلى درجة الصناعة، كيف "صنعتَ" الزبربر هذه المرة؟ وما أوجه الشبه بينه وبين المكان المعروف في الجزائر؟

- "الزبربر" في الرواية مكان مخيَّل.. إنه ذلك الذي يمتد في ذاكرتنا الحالية بشحنته التي تصطبغ بلون دم المحنة الوطنية. ومع ذلك، فهو أيضا المكان الجغرافي الذي كان عليّ أن أضع له حدوده اللينة التي تؤطر مساحة السرد منعا للانفلات، وكم كان ذلك متعِباً ومرهِقاً. فأنت في مواجهة الجغرافيا والتاريخ لحصرهما من أجل الموضوع، "لتطويعهما" للسرد، ولفتحهما لاستقبال القيمة الأدبية، وأخيرا لتشكيلهما روائيا.

 تتناول الرواية بكثير من الجرأة بعض تفاصيل ثورة التحرير، فلماذا برأيك بعد أكثر من ستين عاما لا تزال ثورة نوفمبر/تشرين الأول 1954 تحافظ على غموضها و"محظوراتها"؟

- في "كولونيل الزبربر"، قصدت أن أطرح على حرب التحرير وعلى المحنة الوطنية أسئلتي الشخصية التي أرجئت عندي نظرا إلى الرقابة القبْلية التي كانت سائدة، وإلى قلة المراجع والمصادر وانعدام وسائط الاتصال، وأيضا صمت الفاعلين في حرب التحرير، لحسابات سياسية أو تخوفا من ردات فعل، أو تجنبا لإثارة ما يهدد "بالمساس بقداسة ثورة التحرير".

أعتقد لذلك أن قارئ "كولونيل الزبربر" سيعاين طبيعة تلك الأسئلة التي إن جمع بينها قاسم مشترك فهو أن حرب التحرير -ككل الحروب- قام بها رجال ونساء كانوا معرضين في المسار نحو الاستقلال إلى الأخطاء والتجاوزات والصراعات والاقتتال الصامت، وذلك فعلا ما ستسفر عنه نهايتها بتلك المواجهات المسلحة بين الإخوة رفاق السلاح التي كادت تتحول إلى حرب أهلية.

 هل يمكن أن نقرأ "كولونيل الزبربر" في سياق روايات كسرت محظور الثورة على غرار "لاز" الطاهر وطار و"تفكك" رشيد بوجدرة مثلا؟

لا يمكن للرواية وحدها كسر المحظور التاريخي وبقية المحظورات الأخرى. لعل أقصى ما تحققه -وهو من وظيفتها- أن يكون لكُتابها في الجزائر الجرأة الدائمة على إثارة المسكوت عنه، وعلى الجهر بما يقال سرا

- باعتبار المسافة التي آخذها عن تلك الكتابات وسياقاتها، بوجدرة ووطار خاصة، فإن "بوزڤزة" أو كولونيل الزبربر نفسه أبعد ما يكون عن "زيدان" و"الغمري" من حيث المقاربة الفكرية والأيدولوجية خاصة، ومن حيث البناء والإشعاع. إلا أني أعتبر أن كتابتي في مسارها كله، هي ذات صلة وثيقة جدا بالمنجز السردي الجزائري المعاصر.

نحن الكتّابَ الجزائريين وسط حقل اجتماعي يتداخل فيه -بشكل مركب- التاريخي بالثقافي بالسياسي، ونعبّر كلٌّ من تجربته ووضعه وزاوية رؤيته وقدراته وموهبته ولغته أيضا، عن علاقتنا بالحقل ومعطياته وحركيته وتناقضاته، وعن إسهامنا الإنساني والأدبي فيه، إلى جانب القوى الأخرى التي تشتغل للحفاظ على نسيجه وتنميته.

أما كسر المحظور التاريخي -وبقية المحظورات الأخرى- فإن الرواية لوحدها لا تستطيعه. لعل أقصى ما تحققه -وهو من وظيفتها- أن يكون لكُتابها في الجزائر الجرأة الدائمة على إثارة المسكوت عنه، وعلى الجهر بما يقال سرا.

 يثار حاليا نقاش تزامن مع "إخفاق" الرواية الجزائرية في بعض المسابقات الإقليمية، فهل أصبحت مثل هذه المسابقات مقياسا للنجاح أو الفشل؟

- في الكتابة الأدبية كما أعتقد، لا وجود لما يسمى "الإخفاق" أو "النجاح"، لأننا لسنا أمام رهانات رياضية أو سياسية أو اقتصادية، ولا أمام امتحانات من أي نوع كانت. فالكتابة الروائية -كأي كتابة أدبية- كانت وستبقى من أنبل الأفعال التي ينجزها الإنسان في وحدته، محاطا بأسئلة الوجود وفي عزلته، مستأنسا بأصوات لغته، لأن قدَره اصطفاه للقول.

الرواية قول ما في الوجدان والقلب والروح، وما في الجسد وحوله. الرواية الجزائرية -مثل نظائرها في العالم العربي خاصة- تتشكل ببطء، ولكن بثقة وجهد وإصرار على أن تضيف من خصوصيتها إلى المنجز الإنساني علامة أخرى لا تثير إليها الانتباه فحسب، ولكن تأسر أيضا. ذلك هو رهان الرواية الجزائرية. أما المسابقات فشيء يمكن أن يوجه إلى الشباب. والجوائز -قياسا إلى الرهان- أمر ثانوي جدا، ينبغي أن ينظر إليها باعتبارها تكريما على منجز.

 أخذت اللغة حيّزا كبيرا من النقاشات الأخيرة حول الرواية الجزائرية، وأنت تشتغل كثيرا على هذا الجانب إلى درجة أنك "تنحت" لكل عمل روائي لغته، فهل مشكلة الرواية الجزائرية في لغتها؟

طبيعة لغة الكتابة الأدبية من خلال سلامتها النحوية والصرفية والبلاغية التي تضمن قوة تأثيرها، تُعد في تقديري أهم عامل في البناء الروائي، فإنك لن تقرأ أبدا في أي لغة أدبية أخرى نصا ملطخا بأخطائه

- طبيعة لغة الكتابة الأدبية من خلال سلامتها النحوية والصرفية والبلاغية التي تضمن قوة تأثيرها، تُعد في تقديري أهم عامل في البناء الروائي، فإنك لن تقرأ أبدا في أي لغة أدبية أخرى نصا ملطخا بأخطائه. مثلُ هذا النص لا تُكتَب له القراءة. يمكن لنا أن نتصور شخصا يتناول مثلا نصا مترجما إلى العربية من لغة أخرى بأخطائه الإملائية والنحوية والصرفية والتركيبية التي ستدمر المعنى ليقرأه، كيف سيكون رد فعله!

هذا يعني أنه قبل الدفع بالنص إلى الطبع، لا بد من مراجعة وتدقيق على مستوى الكاتب نفسه، بالوسائل التي يملكها وبالاستشارة، ثم على مستوى دار النشر التي لا تملك هي أو غيرها للأسف مدققا ولا مراجعا.

شخصيا، كنتُ حريصا جدا على أمر اللغة في تلك الحدود، لأضفي على النص -كما في الفن التشكيلي- مسحة من التناسق الإضافي، وذلك كان وسيبقى من بين رهاناتي على أن أقطع مع نصوص غيري، مما أقرأه، ومع نصوصي نفسها، كلما دخلت في كتابة نص جديد. ذلك ما أسميه هوية النص ببصماته التي تفرقه عن غيره من النصوص "الشقيقة" أو المجاورة. 

المصدر : الجزيرة