أمير العمري*

ليس من الممكن أن تمر دورة من دورات مهرجان برلين السينمائي دون أن يحضر -وبقوة- موضوع ما وقع في الحرب العالمية الثانية لليهود على أيدي الألمان النازيين، أو ما أصبح منذ ستينيات القرن الماضي يعرف بـ"الهولوكوست".

فبرلين هي العاصمة القديمة "للرايخ الثالث"، ولعرض هذه النوعية من الأفلام في قلب برلين مغزى خاص، والأصوات الصهيونية القوية و"اللوبي" اليهودي الصهيوني النافذ والمؤثر داخل صناعة السينما في أوروبا والولايات المتحدة تملك القدرة على الابتكار والتنويع في مواضيع الأفلام التي تتناول موضوع "الهولوكوست" عاما بعد عام.

وعادة تشتد وتيرة إنتاج مثل هذه الأفلام كلما أصبحت إسرائيل، وهي النتاج غير المباشر للظاهرة النازية، تعاني من الحصار الدولي أو من غضب الرأي العام العالمي على سياساتها.

تجارة الهولوكوست
فـ"الهولوكوست" الذي أصبح "صناعة" أو تجارة -حسب تعبير الكاتب الأميركي اليهودي المناهض للصهيونية نورمان فنكلشتاين- يبدو أنه وجد خصيصا لكي يكون طوقا للنجاة أمام إسرائيل، وأصبح بالتالي من الأسس الثابتة في صناعة السينما الغربية، إنتاج أفلام جديدة وإرسالها عاما بعد عام للعرض في مهرجان برلين تحديدا، إبقاء على عقدة الإحساس بالذنب لدى الألمان مشتعلة وراسخة.

مشهد من فيلم "رجال التحف الفنية" (الجزيرة)

في العام الماضي شاهدنا في المهرجان المشار إليه فيلم "رجال التحف الفنية" الذي أخرجه وقام ببطولته جورج كلوني مع مجموعة من النجوم، وكان يصور مغامرة مجموعة خاصة من الجنود الأميركيين وراء الخطوط الألمانية أثناء الحرب العالمية الثانية لإنقاذ كنز هائل من التحف الفنية (اللوحات والتماثيل والمقتينات الثمينة) التي سرقها النازيون من متاحف فرنسا، وأخفوها في مكان ما تمهيدا لنقلها إلى ألمانيا.

وعندما يعثر أفراد المجموعة أخيرا على كثير من هذه اللوحات الفنية، يجدون معها أيضا وعاءً كبيرا يحتوي على كتل من الأسنان الذهبية التي يفترض أن تكون قد انتزعت من جثث اليهود الذين لاقوا مصيرهم في "غرف الغاز".

أما في الدورة التي اختتمت مؤخرا من المهرجان، فقد عرض فيلم "امرأة من ذهب" الذي قامت ببطولته الممثلة الإنجليزية هيلين ميرين، في دور امرأة يهودية تسعى إلى استرداد مجموعة من اللوحات الفنية الثمينة كانت ملكا لأسرتها، قبل أن يستولي عليها النازيون، ويسوقوا والديها إلى الموت في "الهولوكوست"، والآن استقرت تلك اللوحات في أحد متاحف فيينا.

وتخوض المرأة معركة قضائية صعبة ومعقدة من أجل استعادة اللوحات، وما يكتنف ذلك من فتح لملف العلاقة بين النمسا وألمانيا النازية، والضغط على فكرة كيف رحب النمساويون بدخول قوات هتلر بلادهم وأشادوا بالتوحد مع ألمانيا في تلك الفترة!

تبرير الوحشية
شهد المهرجان أيضا عرض فيلم "إلسر" Elser الذي يروي قصة شاب ألماني حاول اغتيال هتلر عن طريق زرع قنبلة في مقر الحزب النازي بمدينة ميونيخ عام 1939 إلا أن محاولته فشلت، وقبض عليه، وتعرض للتعذيب الشديد وظل في السجن إلى أن أعدم قبيل نهاية الحرب العالمية الثانية.

لقطة من الفيلم الألماني "إلسر" الذي يدخل "الهولوكوست" في موضوعه قسرا (الجزيرة)
ورغم عدم وجود أي علاقة بين الفيلم والهولوكوست، يختلق مخرجه مشهدا نرى فيه امراة يهودية محاطة بالنازيين، أجلسوها بالقوة على مقعد وسط ساحة البلدة التي كان يعمل فيها الشاب، وجعلوها تحمل لوحة عليها عبارات مسيئة لليهود، بينما يتجمع حولها النساء والأطفال يسخرون منها!

ويصور فيلم "ثمانون جلدة" كيف تعرض صبي يهودي -ظلما- لعقاب صارم من جانب ضابط ألماني قام بجلده 81 جلدة في الغيتو اليهودي الذي أقامه النازيون وقتها لتجميع اليهود قبل ترحيلهم إلى معسكرات الاعتقال الجماعي.

كما يصور الفيلم أيضا أحداث انتفاضة غيتو وارسو الشهيرة التي انتهت بمأساة، وينتهي الفيلم بمحاكمة المسؤول البيروقراطي النازي أدولف أيخمان الذي اتهم بمسؤوليته عن سوق اليهود إلى غرف الغاز، والذي اختطفه عملاء الموساد من الأرجنتين في أوائل الستينيات وحوكم وأعدم في إسرائيل عام 1962.

والمقصود من كل هذا التكرار كما أشرت، ترسيخ عقدة الإحساس بالذنب لدى الألمان، وتذكير العالم دوما بما عاناه اليهود في الماضي على أيدي النازيين، حتى يصبح من الممكن بالتالي تبرير جرائم إسرائيل ضد العرب، بعد أن تعلو معاناة "الشعب اليهودي" في الماضي على أي جرائم ترتكب في الحاضر، وفي الوقت نفسه، التحذير من ظهور النزعات الوطنية المتطرفة في عدد من بلدان أوروبا أخيرا، وضمان ألا يتكرر ما وقع قبل سبعين عاما في أوروبا.

وطالما استمرت آلة الدعاية في العمل، ستظل إسرائيل تتمتع بغطاء أخلاقي لممارسة جرائمها اللاأخلاقية، حتى لو كان هذا الغطاء يقوم أساسا على "الخيال السينمائي"!
_____________

* كاتب وناقد سينمائي

المصدر : الجزيرة