الصحبي العلاني-تونس

احتضنت كلية الآداب والفنون والإنسانيات في جامعة منوبة (غرب العاصمة تونس) أمسية نقدية حضرها جمهور غفير من عشاق الأدب أمكن لمتابعي فقراتها أن يكتشفوا في المعارض الراحل شكري بلعيد وجها آخر غير معروف.

فبعيدا عن ساحات النضال السياسي في صفوف المعارضة، وبعيدا عن مهنة المحاماة وسياقات الثورة وما قبلها وما بعدها كانت لشكري بلعيد -الذي اغتيل في 6 فبراير/شباط 2013- اهتمامات أدبية ونصوص شعرية حرص عدد من أصدقائه على نشرها مؤخرا ضمن مجموعة حملت عنوان "أشعار نقشتها الريح على أبواب تونس السبعة".

وكانت نصوص هذه المجموعة مدار اللقاء النقدي الذي أسهم فيه كل من المنصف الوهايبي ورجاء بن سلامة وفتحي النصري إضافة إلى الدكتور شكري المبخوت رئيس جامعة منوبة الذي حقق نصوص بلعيد وأخرجها إلى النور.

شكري بلعيد اغتيل في 6 فبراير/شباط 2013 (الجزيرة نت-أرشيف)

وديعة بلعيد
في مستهل اللقاء تحدث شكري المبخوت عن علاقته بشكري بلعيد زميل دراسته ورفيق دربه الأدبي، وهما اللذان كانا ينويان إصدار مجموعة شعرية مشتركة إلى أن فرقت بينهما الدروب. وكنتاج لتلك المرحلة احتفظ بعض الأصدقاء بـ"وديعة" ثمينة سموها "وديعة شكري بلعيد" هي عبارة عن مخطوط كان أساس المجموعة الشعرية ومنطلقها.

وفي حديث خص به الجزيرة نت يوضح شكري المبخوت أن كلمة "مخطوط فيها الكثير من المبالغة، لأن الأمر يتعلق بأوراق متناثرة غير مرتبة، ولكن الأهم فيها أن الكل بخط شكري بلعيد ولا توجد أي نسخة مصورة، فكلها نصوص أصلية".

أما عن عملية تحقيق النصوص ذاتها فيضيف شكري المبخوت أنها انطوت على "شيء من الرهبة، وشيء من الفتنة، الرهبة بسبب مسؤولية كبيرة في أن تكون مطابقة لانتظارات الشهيد لو كان حيا، والفتنة في أنني كنت أستكشف مع كل ورقة جديدة أفتحها وأقرؤها وأتأمل عوالمها التخييلية وأكوانها الشعرية.. كنت أجد ملامح من شكري الذي عرفته شابا وفرقت بيننا الأيام والدراسة وشواغل الحياة".

اللوحة الإعلانية عن الندوة في كلية الآداب بجامعة منوبة (الجزيرة نت)

وديعة الشاعر ووداعته
الشاعر المنصف الوهايبي أشار في قراءته لنصوص شكري بلعيد إلى أنها تبدو بعيدة عن الهم السياسي في صيغته المباشرة الفجة، فالقصائد تستند إلى لغة طازجة تحركها بلاغة مغايرة هي بلاغة اليومي المعيش التي تكشف عن قدرة فائقة على تسمية الأشياء وملامستها بلغة سامية.

وأضاف "رغم أن ظاهر الخطاب الشعري يوحي بمسحة رومانسية فإنه ينطوي في العمق على طاقة رمزية تحيل وتحجب لتبني دلالات شعرية خاصة متفردة".

في المداخلة الثانية توقفت رجاء بن سلامة عند ثلاث دلالات كبرى اعتبرت أن الكون الشعري لشكري بلعيد يقوم عليها: دلالة الوحدة، ودلالة الوحشة، ودلالة الغربة.

وبينت كيف أن الشعر في تجربة بلعيد ليس مجرد شكل أدبي، بل هو رهان حياة صميم سعى من خلاله صاحبه إلى أن يجعل القول مبددا للوحشة والغربة ومدخلا إلى التجميع في ما يقترب بنا مما سمتها "وحدة الوجود الدنيوية".

سؤال مركزي
أما المداخلة الثالثة التي قدمها الشاعر فتحي النصري فقد طرحت سؤالا مركزيا مداره الاستفهام عن موضع الشعر في حياة مناضل طلابي وزعيم سياسي.

وحاول النصري تقديم الإجابة فأبرز أن الشعر كان في حياة شكري بلعيد كالظل الخفي أو الصوت المكتوم الذي أراد له صاحبه أن يبقى شأنا خاصا على الرغم من أن النصوص تكشف لنا عن شاعر عارف بشروط الكتابة متمكن منها.

جانب من الحضور في الندوة (الجزيرة نت)

وفي كلمة خص بها الجزيرة نت لاحظ النصري أن "مجموعة شكري بلعيد الشعرية التي بذل الأستاذ شكري المبخوت جهدا محمودا في تحقيقها تحتاج إلى طبعة جديدة تعتمد مخطوطات أخرى أو نسخا من القصائد إن وجدت حتى يأخذ الشاعر حقه كاملا ولا يظلم كما ظلمه عالم السياسة الذي انغمس فيه".

ثلاث مداخلات أزاحت الستار عن وجه الشاعر الوديع الذي يختفي وراء صورة الثائر المتمرد الحالم.

يشار إلى أنه قد تخللت اللقاء قراءات لقصائد من المجموعة ترجمت بعضها إلى الإنجليزية لبنى بن سالم، وإلى الفرنسية نادية الهداوي.

كما ألقى السياسي اليساري حمة الهمامي كلمة استحضر فيها ملامح من صورة شكري بلعيد الأدبية اختتمها بالإشارة إلى أن بلعيد ليس فقيد السياسة وحدها بل فقيد الشعر والأدب أيضا.

المصدر : الجزيرة