ما إن انفلتت الأمور من عقالها في سوريا بعد الثورة، حتى قفز اللصوص مثل الضباع تنهش آثار حضارة تمتد لسبعة آلاف عام. وعلى كثرتهم فإن هناك من السوريين من تحرك سريعا لحفظ إرث الوطن ما استطاع إليه سبيلا.

بنان الحسن-اللاذقية

يوثق ناشطون سوريون عمليات تنقيب واسعة تعددت أهدافها وتنوعت شرائح المنقبين فيها، فمنهم المزارع البسيط ومنهم مافيات الآثار المتخصصة بتجارتها عبر وسيط آثار يسوق لها.

وسجل ناشطون حالات سرقة نسبت لمسلحين مجهولين لمتاحف أثرية ومبان دينية قديمة وقطع أثرية قيمة في حلب وريفها الشرقي والحسكة وجبل الزاوية بريف إدلب وجبل التركمان في ريف اللاذقية.

ويؤكد أبو همام الذي يعمل وسيطا لشراء الآثار في محافظة درعا التي جرى نهبها وبيع آثارها لتجار ومهربين، إنه ومنذ بداية الثورة السورية وتقسيم البلاد لمناطق تابعة للمعارضة وأخرى للنظام، عمت الفوضى.

ويضيف أبو همام للجزيرة نت "تحرك كثير من أصحاب الأراضي الزراعية للبحث والتنقيب عن الآثار لأجل خلق مورد رزق جديد لهم أو لكتائبهم التي ترابط بالمنطقة، ولكن قلة من فعل ذلك، إذ يستثمر الغالبية تلك الأموال بشكل شخصي وغالبا ما يستعينون بخبراء محليين أو من الخارج".

وتابع يقول "بات لدى بعضهم خبرة بالعلامات الأثرية التي تركها القدماء عند الكنوز المدفونة مما يسهل عملية الحفر والاستخراج، فدلالة المسامير المحفورة على الصخور تختلف عن دلالة العقرب أو أجزاء من جسم الإنسان، فالأخيرة تدل على وجود مدفن أو مقبرة لشخصية مهمة مع كنزها".

آثار سوريا تتعرض لحملة مسعورة من أجل منافع مالية شخصية (رويترز)

قدرات محدودة
وحول طبيعة عمله، يقول أبو همام "أحاول من خلال عملي تجنب تهريب هذه القطع خارج سوريا، وأسعى لتوفير تجار شرفاء يعملون على شراء القطع والاحتفاظ بها لحين التحرير".

وزاد "بالفعل استطعت منع تهريب ثلاثمائة قطعة أثرية، ولكن عصابات الآثار تتفوق على عملنا لامتلاكها المال والعلاقات المرتبطة بدول كبرى".

أبو الليث -وسيط آخر للآثار في ريف اللاذقية- ويملك خبرة نادرة بعمليات التنقيب عنها بدون الحاجة لمعدات تقنية، ولكنه لا يستخدم خبرته إلا لتحديد مدافن الكنوز وتعليمها لأجل استرجاعها لمن يملكها حقيقة وهو الشعب السوري، بحسب قوله.

ويضيف للجزيرة نت "حصلت على القرآن الخاص بأمير المؤمنين نور الدين الزنكي مؤسس الدولة الإسلامية الزنكية التي أوقفت الحملة الصليبية الثانية، وقطعت مد الفاطميين، وسأضعه في تصرف المتحف الإسلامي بدمشق بعد التحرير بإذن الله".

ويؤكد أبو الليث أن هناك ملايين القطع الأثرية سربت خارج البلاد، تتراوح بين قطع نقدية وخواتم صغيرة وصولا للتماثيل الكبيرة واللوحات، كما أن عمليات التهريب هذه كانت موجودة منذ أيام النظام.

آثار مزيفة
ويؤكد أن التماثيل المعروضة في متحف اللاذقية مزيفة وتجويفها من الفلين، لأن بعض رجال النظام يلجؤون إلى صناع مهرة مشهورين في ريف إدلب من قرية تلمنس وقلعة المضيق لصنع تماثيل تشبه الحقيقة، بينما يهربون الأصلية منها ويبيعونها خارج البلاد، على حد قوله.

وكان المرصد الآشوري قد أعلن قبل أيام عن تعرض كاتدرائية الحسكة لسرقة ونهب مقتنياتها الأثرية من قبل مسلحين مجهولين، وهذه ليست المرة الأولى التي يعلن ناشطون سوريون عن تعرض متاحف أثرية تم توثيق تدميرها وقصفها من قبل قوات النظام، ومن ثم تعرضها للسرقة بسبب الوضع الأمني السيئ.

حيث تعرض المتحف التربوي في حلب للتخريب والسرقة، كما تمت سرقة مستودعات بالرقة  لقطع أثرية تم تجميعها خلال 25 عاما من منطقة تل أبيض.

المصدر : الجزيرة