حوار مع شاعر عكاظ التونسي المنصف الوهايبي
آخر تحديث: 2015/1/24 الساعة 15:22 (مكة المكرمة) الموافق 1436/4/4 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2015/1/24 الساعة 15:22 (مكة المكرمة) الموافق 1436/4/4 هـ

حوار مع شاعر عكاظ التونسي المنصف الوهايبي

الوهايبي: مستقبل الثقافة العربية يعاني من ضبابية وارتباك (الجزيرة نت)
الوهايبي: مستقبل الثقافة العربية يعاني من ضبابية وارتباك (الجزيرة نت)

حاوره: إبراهيم الحجري

المنصف الوهايبي من أبرز شعراء الحداثة في تونس والعالم العربي، له العديد من النفائس الشعرية منها: "ألواح" (1989)، و"من البحر تأتي الجبال" (1991)، و"مخطوط تمبكتو" (1995)، و"ميتافيزيقا وردة الرمل تونس" (1999)، و"فهرست الحيوان" (2007)، و"كتاب العصا" (2007).

نشرت للشاعر المولود بحاجب العيون قرب القيروان بتونس عام 1949 عشرات المقالات والدراسات الأكاديمية المهمة في مختلف المجلات العربية والأجنبية، وترجمت نصوصه إلى العديد من اللغات، وتناولت تجربتَه الشعرية عشراتُ الدراسات والبحوث الجامعية.

كما أغنى المكتبة العربية بإسهامات في مجال الترجمة والرواية والسينما، وحصل على جائزة البابطين لأفضل ديوان في دورتها الأخيرة عام 2014 عن كتابه "ديوان الوهايبي"، وجائزة الكومار الذهبي للرواية عام 2012 عن روايته "عشيقة آدم"، ويعمل حاليا أستاذا جامعيا في كلية الآداب بالقيروان.

التقته الجزيرة نت بالطائف على هامش تتويجه بجائزة سوق عكاظ في دورته الثامنة (2015)، وأجرت معه الحوار التالي:

 ماذا يعني لك التتويج بجائزة عكاظ بعد تجربة طويلة من الكتابة الشعرية؟

لا شك أن هذا الفوز يعني لي الشيء الكثير، لأسباب منها: رمزية هذه الجائزة التي تحمل اسم عكاظ، وهو اسم عزيز على كل من يعرف تاريخ اللغة العربية، ويعرف أن اللغة الفصحى الجميلة والعظيمة، لغة القرآن، إنما نشأت ودرجت في حضن الشعر منذ غابر العصور.

ثمة أيضا سبب آخر، وهو أن هذه الجائزة تمنح لأول مرة لشاعر من المغرب العربي، وهي بذلك تعقد صلة نحن في أحوج ما نكون إليها في الظرف الراهن بين شرق البلاد العربية وغربها.

 في الدول المغاربية دوما ننتظر الاعتراف بالمواهب والطاقات من الخارج. كيف تفسر هذا الأمر؟

فعلا هذا ما يشتكي منه المغاربة عموما، وقد كتب في ذلك ابن بسام الشنتريني الأندلسي في مقدمة كتابه "الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة" ويأسف لذلك، ويقول إنه في بلاد الغرب الإسلامي عامة، لدينا من الشعراء والكتاب من يفوق شعراء المشرق العربي وناثريه، ولكن لا يتم الاعتراف بهم ظنا أنهم مجرد صدى لصوت المشرق. وهذا للأسف يكاد يكون أشبه بالظاهرة التي تشمل بلدان المغرب العربي قاطبة.

نحن العرب نتوهم أن للشعر العربي جمهورا واسعا، ولكن الشعر حتى في العصر الجاهلي والإسلامي والأموي والعباسي لم يكن له جمهور، بل كان موجها للنخبة من الناس

 تراجع صيت الشعر عموما في العالم العربي، وما عادت له تلك الحظوة التي كانت. في نظركم ما أسباب هذا التراجع؟

في الحقيقة الشعر دائما ليس لديه جمهور منذ قديم العصور، نحن العرب نتوهم أن للشعر العربي جمهورا واسعا، ولكن الشعر حتى في العصر الجاهلي والإسلامي والأموي والعباسي لم يكن له جمهور، بل كان موجها للنخبة من الناس.

ويكفي أن أذكر مثلا بسيطا: المتنبي وما أدراك ما المتنبي، الذي سأله ابن جني، وهو الذي شرح ديوانه في كتابه الفسر، قال له: هل تظن أنّ هؤلاء الذين تمدحهم يفهمون هذا الشعر؟ فأجابه: أنا أكتب الشعر لك ولأمثالك من العلماء.

فالمتنبي نفسه -وهو الشهير لم يكن يشكو- كان يدرك أن الشعر ليس لكل الناس، الشعر ليس للجمهور العريض.

إن الذي يتعامل مع الشعر يفترض فيه أن يكون عالما بالنحو، عالما بالبلاغة، عالما بالعروض... وما إلى ذلك.

والحقيقة أن أزمة الشعر لا توجد في الشعر، بل توجد في هذا المتلقي، لأن الشعر فن سيبقى، فاللغة هي التي تحتاج للشعر.

تصور أن هذه اللغة بدون شعراء الجاهلية وشعراء العصور الإسلامية وشعراء العصر الحديث، كيف ستكون؟ ستكون لغة فقيرة جدا، لأن الشعر هو الذي يوسع من مجازات اللغة، ويغذيها، ويفتح إمكاناتها لأن اللغة ضيقة بطبعها. الشعر إذن، بعبارة وجيزة هو: أمّ اللغة الرؤوم، هو الذي ينجب اللغة لأن اللغة مجرد استعارات.

 هل يمكن أن نقول إن الزمن زمن رواية بامتياز، وإن الأجناس الأدبية الأخرى آن لها أن تتنحى؟

هذا رأي شائع قد يكون فيه مقدار من الصحة وقد لا يكون، هذا بالرغم من كوني حاولت كتابة الرواية، ونشرت لحد الآن روايتين، ولي رواية ستصدر هذا الشهر في تونس، وإحدى هذه الروايات فازت بأكبر جائزة للرواية بتونس. ولكن العصر ليس عصر رواية. إنه عصر الصورة، هذا ما نغفل عنه. ثم إن الرواية هي نفسها تستفيد من الشعر، نحن نتصور أن الشعر هو القصيدة. لا القصيدة نمط من الكتابة، في حين أن الشعر يمكن أن يخترق المسرح، ويمكن أن نقف عليه في القصة وفي الرواية، وفي الخاطرة. إن الشعر حاضر في كل هذه الأجناس الأدبية.

هناك أصوات شابة وقصائد جيدة في العالم العربي. وليس المشكل في المشهد الشعري، بل يكمن المشكل في المشهد النقدي، فهو غير قادر على مواكبة كل المنجز الشعري

 تجربتك في الكتابة متعددة، فأنت شاعر وروائي، ولك إسهامات في البحث والسينما. هل لهذا علاقة قديمة بخصوصية الكتاب القدامى الذين كانوا يجمعون بين كل فنون الكتابة؟

لا أدري، قد يكون هذا وقد لا يكون. على أي لم أكن واعيا بهذا، لكن ما ذكرته صحيح. على كل حال ربما الأمر يعود إلى أن هناك حالات لا نستطيع أن نعبر عنها ونؤديها بواسطة الشعر. قد نؤديها بواسطة المسرحية أو القصة أو الرواية.

وبخصوص محاولاتي الروائية، هناك موضوعات لا يتسع لها الشعر أو لم أستطع أن أتطرق لها شعريا، فجازفت بكتابتها في شكل رواية أو نص سردي.

 هل تعتقد أن الشعر كان له دور فعال في صنع ثورة الياسمين خاصة، والحراك العربي السياسي والثقافي في العالم العربي بصفة عامة، بحكم أنك عايشت تجارب عديدة وأجيالا مختلفة من الشعراء، وكنت شاهدا على الحراك الذي حدث في تونس؟

يصح هذا القول إلى حد بعيد. أنا هنا أتحدث عن تونس تحديدا بطبيعة الحال. لا يمكن أن تكون ثورة الياسمين قد نشأت من فراغ. هناك تراكم، وهناك عمل ثقافي دؤوب. ولكن محصلته وثمرته ونتيجته لم يتسن للتونسيين أن يجنوها إلا بعد هذه السنوات الطوال. قد يكون هذا فعل الشعر، لكن ليس بمفرده.

فهناك الشعر والقصة والمسرح والرواية والخطابات السياسية، ولا ننسى طبعا الكتابات السياسية في المجلات وصحف المعارضة، كل هذه الأشياء تضافرت بطريقة ما في صنع هذه الثورة التي شهدتها تونس. ولا شك، أننا نحتاج إلى فسحة زمنية لكي نتبين كيف تفاعلت مختلف هذه العوامل وكيف تضافرت لتخلق هذا الحراك.

 ما مستقبل المشهد الثقافي العربي في ظل التحولات الجديدة؟

يعاني مستقبل الثقافة العربية من ضبابية وارتباك كبيرين، ونحن في العقد الثاني من هذا القرن، المشكل يكمن في كوننا لم نستطع بعد أن نستوعب مفردات الحداثة. ولم يستطع العرب أن يتواصلوا مع تراثهم، ولا حتى أن يقطعوا معه إذا كان لا بد من قطيعة إبداعية ومعرفية، وأن يستوعبوا هذه الحداثة التي تهجم علينا مثل وحيد القرن، ولا مناص لنا منها.

 كيف تتصور آفاق المشهد الشعري العربي في المستقبل في ظل هيمنة التكنولوجيا، وكثرة التحديات؟

هناك أصوات شابة وقصائد جيدة في العالم العربي. وليس المشكل في المشهد الشعري، بل يكمن المشكل في المشهد النقدي فهو غير قادر على مواكبة كل المنجز الشعري، وحتى عند ما يواكب، فهو يكون نقدا صحفيا، وأحيانا يكون نقدا قطريا ضيقا يهتم بشعراء بلد معين دون تلك النظرة الشمولية التي تستحضر خصوصية الكتابة الشعرية العربية في كل الأقطار العربية.

وأحيانا يكون نقدا مخصصا للشعراء النجوم. وهذا لا يليق بالمتابعة النقدية الجادة. حيث إن هناك محاولات شعرية وشعراء مشتتين في العالم العربي، تستحق تجاربهم أن يعنى بها النقد ويواكبها دراسة وتحليلا وكشفا لخصوصياتها.

المصدر : الجزيرة

التعليقات