أمير تاج السر*

كنت قد قدمت روايتي الأخيرة المسماة "طقس" في ندوة جيدة الحضور بهذه الدورة من معرض الدوحة للكتاب، وذهبت إلى جناح الناشر بطلب منه للتوقيع على النسخ التي ربما يقتنيها القراء ويودون لو وقع لهم الكاتب.

حين مد لي أحدهم نسخة لأوقعها له ثم طلب صورة معي، وقال: هذا هو اليوم الذي يحلم به أي كاتب مهما كان مستواه، وهو تصدر طاولة التوقيع في معارض الكتب، وكتابة الإهداءات للناس، والتقاط الصور معهم.

في الحقيقة لم أجادل ذلك القارئ، وكان الميكروفون يعلن بين لحظة وأخرى وجود كاتب أو شاعر أو مفكر أو حتى كاتب أو كاتبة خواطر مزعجة في جناح ما من أجنحة المعرض لتوقيع كتاب، لكني أجادل نفسي باستمرار منذ سنوات، أي منذ أن انتقلت إلينا ثقافة التوقيع على الكتب التي لم نكن نعرفها من قبل وأصبحت جزءا من النشاط المصاحب للإصدارات الجديدة مهما بلغت قسوة رداءتها، وأنها بلا طعم يجعلها بؤرة في حفل توقيع.

دائما ما أجادل نفسي عن جدوى توقيع الكتب وانحشار الكاتب وسط الباعة وأوراقهم وآلاتهم الحاسبة لينتظر الناس حتى يأتوا، طالبين الإهداء بخطه، وأظنني تحدثت مرة عن حجم الضرر المعنوي الذي يصيب المبدع

الكاتب الظاهرة
الكتاب عندنا لا يغوي متذوقيه المفترضين بنعومة، ولا يملك الصوت الجهوري الذي ينادي به الناس ليتجمعوا حول الكاتب الذي يوقع ويخنقوه، ويضطروه للاعتذار والفرار من المكان وقد تعب فعلا إلا في حالات نادرة لبعض الكتاب العرب الذين أسميهم ظواهر الكتابة، وهؤلاء قد لا يعجبون الناس كثيرا في أسلوبهم، لكن مجرد ظهورهم في أي ممشى تتمشى فيه الكتابة، يسرع الناس بمن فيهم أعداؤهم للالتفاف حولهم واقتناء مؤلفاتهم، وطبعا مسألة الظواهر موجودة في الدنيا كلها، وفي أي فرع من فروع النشاطات الإنسانية، حيث يمكنك أن تجد مزارعا ظاهرة ينتج أكثر من الآخرين، وراعي أغنام ظاهرة، ومدرسا ظاهرة يستوعب منه التلاميذ أكثر من غيره، ويحبون حصصه التدريسية مهما بلغ تعقيدها أو كانت مملة.

قلت إنني دائما ما أجادل نفسي عن جدوى ذلك التوقيع وعن مسألة انحشار الكاتب وسط الباعة وأوراقهم وآلاتهم الحاسبة لينتظر الناس حتى يأتوا، طالبين الإهداء بخطه، وأظنني تحدثت مرة عن حجم الضرر المعنوي الذي يصيب المبدع من جراء أن يقلب أحدهم كتابه عدة مرات يفتحه ويغلقه، ثم يلقيه على الطاولة ويمضي، أو يلتقط كتابا آخر من رف بعيد، ويختار الكاتب من دون الموجودين في جناح دار النشر ليسأله عن سعر ذلك الكتاب، وهكذا عديد من الممارسات التي لا تجعل اليوم يوم الكاتب بكل تأكيد، بل تجعله يوم هبوط كبير في المعنويات بدلا من رفعها بالتوقيع المفترض والتقاط الصور وتوزيع الابتسامات يمينا ويسارا.

إذن، هو ليس يوم الكاتب بالمعنى حسن النية للكلمة، لكن هناك دائما من يجعل يومه حسن النية، خاصة الكاتبات، بما للمرأة من حس يختلف عادة عن حس الرجل، وهنا نلاحظ أن الكاتبة لم تأت إلى جناح الناشر خاوية من الحيل، بل سنجد غالبا باقة ورد كبيرة عليها صورة للكتاب، وسلة كبيرة تحوي ماركة جيدة من الشوكولاتة، وربما دلالا للشاي والقهوة والعصير، فيصبح حفل التوقيع حفلا شبه حقيقي يمكن للقارئ فيه أن يعوض شيئا من خسارته في شراء الكتاب.

موراكامي نسخة يابانية من مؤلفين عرب كثيرين، بمعنى أن الشهرة اليابانية له هي الشهرة العربية لعدد لا بأس به من العرب، ومع ذلك لا يوجد من يصبح بؤرة في تجمع إرهابي قرائي مثل هذا، لا أحد ينتظره الآلاف، وربما تتمزق أوتار يده من كثرة التوقيع

ثقافة مستوردة
من متابعتي للأنشطة الثقافية عموما أجد نفسي أضطر دائما للمقارنة بين ما هو أصلي خارج الوطن العربي، وما هو تقليد له في بلادنا، وحفلات التوقيع لم تكن لدينا وجئنا بها كما هو معروف، وللأسف ورغم مرور سنوات طويلة على ظهور هذه الحفلات عندنا، وتطورها وازدياد عشاقها من مؤلفين وقراء تعجبهم صداقة الكاتب قصيرة الأمد التي لا تتعدى الدقيقتين فإنها ما زالت كما ظهرت لم نستطع وضعها تحت لائحة الفرح، وإنما بقيت هكذا تحت لائحة الإحباط.

كنت شاهدت صورا للياباني هاروكي موراكامي في حفل توقيع لرواية جديدة، في الحقيقة لم أشاهد موراكامي ولكني شاهدت آلاف الناس يتجمهرون حول بؤرة لا تستطيع تمييز شاغلها الذي كان موراكامي، وقد حضر لأن الآلاف ينتظرون توقيعه على الكتاب الذي حصلوا عليه ساعة إطلاقه، وستكتمل السعادة حين يوقع لهم المؤلف، وأستطيع التخمين ببساطة أن المؤلف تعب في ذلك اليوم، وربما تم انتشاله من وسط ذلك الإرهاب القرائي بواسطة أمنيين في المكان.

موراكامي نسخة يابانية من مؤلفين عرب كثيرين بمعنى أن الشهرة اليابانية له هي الشهرة العربية لعدد لا بأس به من العرب، ومع ذلك لا يوجد من يصبح بؤرة في تجمع إرهابي قرائي مثل هذا، لا أحد ينتظره الآلاف، وربما تتمزق أوتار يده من كثرة التوقيع، وبالطبع فإن حفلات التوقيع ليست من تقاليد اليابان العريقة، وإنما استوردتها مثلنا من الاحتكاك بالغرب، لكن التقليد نجح هناك وأخفق لدينا مع الأسف.

مسألة أخرى تجعل يوم توقيع الكتاب الذي عادة يصر عليه الناشرون بعشم الربح من وجود أصدقاء للكاتب ومعجبين ربما يزدحمون للشراء. نعم يوجد مثل هؤلاء، خاصة الأصدقاء الذين لن يأتوا جميعا بطيب خاطر، بل غالبا بإلحاح واتصالات شخصية من المؤلف ترجّوهم أن يأتوا لإنجاح حفل توقيعه.

لقد قمت بتوقيع كتابي للذين أتوا في ذلك اليوم. وبعيدا عن قناعاتي، فإن ما جعل الأمر محتملا هو ذلك الترتيب المدهش لمعرض الكتاب الذي كانت مساحات أجنحته رحبة للغاية، ووجودي في جناح الناشر لم يعرضني لأي إتلاف معنوي بسبب بعدي عن بؤرة البيع والشراء

نسخة مجانية
هنا، ما يخفض من يوم الكاتب مع وجود الأصدقاء تلك الجملة التي سيرددها كثيرون في وجهه: "أين نسختي المجانية"؟

الكاتب هنا أمام خيارين، فإما أن يشتري الكتب من ماله الخاص ويوقعها مجانا لمن يطالبونه بنسخ مجانية، وتذهب تلك النسخ إلى رفوف مغبرة في مكتبات مجمدة في البيوت بلا قراءة، ويخرج فقيرا من حفل توقيعه، وإما أن يبتسم بلا رد وكأنه لم يسمع، فيذهب الصديق من دون أن يقتني الكتاب، وفي ذهنه أفكار مرعبة عن ذلك الصديق التاجر الذي لم يقدر صداقته وحبه للإبداع، وفي كلتا الحالتين ثمة خسارة فادحة بلا شك.

لقد قمت بتوقيع كتابي للذين أتوا في ذلك اليوم، وبعيدا عن قناعاتي فإن ما جعل الأمر محتملا هو ذلك الترتيب المدهش لمعرض الكتاب الذي كانت مساحات أجنحته رحبة للغاية، ووجودي في جناح الناشر لم يعرضني لأي إتلاف معنوي بسبب بعدي عن بؤرة البيع والشراء.

آمل في النهاية أن يكون يوم الكاتب -الذي ذكره القارئ- يوما فعليا، وأن تكون ابتساماته حقيقية، والتقاط الصور التذكارية فيه عن رضا عميق وليس مجاملة، وأن نزدحم حول بؤرة نخمن أن داخلها كاتب يوقع كتابا للناس.

_______________

* روائي وكاتب سوداني

المصدر : الجزيرة