إبراهيم الحجري-الدار البيضاء

بدأت القاعات السينمائية المغربية عرض فيلم "رقصة الوحش" الذي أثار جدلا واسعا، سواء إبان تصويره أو أثناء عرضه على اللجان المحكمة في بعض الجوائز.

ويعد هذا من الأفلام النادرة في تاريخ السينما المغربية، نظرا لطبيعة الموضوع الذي يعالجه، والذي يتخذ موقعا حساسا في النقاش الدائر في الساحة الحقوقية والإعلامية المغربية، ويتعلق الأمر بأحد التابوهات في المجتمع، حيث يرصد مآسي أطفال الشوارع الذين يتكاثر عددهم يوما بعد يوم بسبب تخلي الوالدين عنهم، أو بسبب كثرة العلاقات بين الجنسين التي تتم خارج نطاق الزواج، مما يفتح أمامهم باب المعاناة على مصراعيه، خاصة ما يتعلق بظاهرة اغتصاب الأطفال التي تعد أكبر الجرائم التي تمارس في حقهم، تاركة بذلك ندوبا وإعاقات نفسية يستعصي محوها مع مرور الزمن.

وكتب نص سيناريو فيلم "رقصة الوحش" بتوقيع مشترك بين حسن بن جلول وآمال التمار، وأخرجه مجيد لحسن، وأدى أبرز أدواره كل من عبد الله شكيري وفاطمة عاطف وآمال التمار وسكينة الطاهري وعزيز دهيور وسعاد النجار وعبد القادر مطاع ونور الدين بكر، بمشاركة مجموعة من الأطفال والشباب الواعدين.

لقطة من فيلم "رقصة الوحش" (الجزيرة)

رسالة مجتمعية
وتم إنتاج "رقصة الوحش" بشراكة مع الجمعية الحقوقية "ما تقيش ولدي" (لا تلمس طفلي) وشركة الإنتاج الفني "فوزي فيزيون". وتعنى هذه الجمعية بقضايا الأطفال، خصوصا الاعتداءات الجنسية على الأطفال بالمغرب، وتواكب الظاهرة قانونيا ونفسيا واجتماعيا وإعلاميا، كما تنصب نفسها طرفا مدنيا فيها.

ولهذه الشراكة ما يبرر حضورها على مستوى الشريط، ذلك أن المسيرين للجمعية أصبحوا يراهنون على الفن لمعرفتهم بقدرته على تمرير الرسائل المجتمعية، فاتجهوا إلى المسرح والسينما والموسيقى وغيرها، نظرا لفعاليتها الكبرى في بلوغ المتلقي بأقصى سرعة ممكنة قياسا إلى الخطابات الأخرى.

وأكدت نجاة أنور رئيسة جمعية "ما تقيش ولدي" ومنتجة الفيلم أن "رقصة الوحش" هو أول فيلم سينمائي طويل تشارك الجمعية في إنتاجه، نظرا لتطرقه للموضوع الذي يشكل أساس اهتمامها.

وسبق للجمعية إنتاج فيلم قصير بعنوان "الصمت بصوت عال" تناول قضايا اغتصاب الأطفال وتابوهات اجتماعية أخرى، وقد عرض بدوره في عدة مهرجانات وطنية ودولية.

وتبرز أنور أن الرهان من وراء هذا الفيلم ليس تجاريا، بل هو الرغبة في التوعية وتحسيس المتلقين المغاربة بظاهرة خطيرة تتمثل في اغتصاب الأطفال التي باتت تستفحل في المجتمع المغربي بشكل كبير، حيث إن الشريط يسلط الضوء أساسا على أطفال الشوارع وما يعانونه طيلة نهارهم وليلهم، فضلا عما يتعرضون له من إهانات وتحرشات واعتداءات جنسية.

الممثلة المغربية أمال التمار ومنتجة الفيلم نجاة أنور (الجزيرة)

تحرير المسكوت عنه
السينما لا تصنع الفرجة فقط بل تعد أيضا قناة سلسة للتوعية ونشر ثقافة حقوق الإنسان وإشاعة الاحترام والتسامح. وهذا ما تنبهت له جمعية "ما تقيش بلادي" التي فكرت في كون الفن عموما أداة تستطيع إيصال رسالتها إلى الناس بوضوح ويسر، ودخلت هذا التحدّي للمرة الثانية. وقد وعى الممثلون أنهم يجسدون رسالة سامية، ولذلك أقبلوا على ركوب هذه المغامرة بمحبة دون التفكير في العائدات المادية.

من جهتها، أكدت الممثلة المغربية آمال التمار -التي ترى أن الدور الذي أسند إليها في الفيلم يدخل في إطار اهتمامها كفاعلة جمعوية وحقوقية تعنى بقضايا الإنسان- أن هذا الفيلم فرصة مهمة للفت الانتباه إلى ما قد يتهدد الأطفال والقاصرين من خطر داهم يمس خصوصيتهم الحميمة، ويهدد سلامتهم البدنية والنفسية، خاصة الذين لا يجدون مأوى لهم سوى الشارع، مشددة على ضرورة تدشين المجتمع حوارا شفافا يقوم على الإنصات لما يحدث لأبنائهم وبناتهم بعيدا عن عقدة الخوف أو الخجل من مثل هذه الأمور. وذلك أن فتح حوار حول الظاهرة وإخراجها من دائرة التابوهات المعتمة سيحرر الألسن لفضح مثل هذه الممارسات وزجر مقترفيها، حتى لا تتكرر في المستقبل.

المصدر : الجزيرة