إبراهيم صموئيل*

تبدو النهاية المفتوحة في الأدب أكثر إثارة للقارئ ودفعا لفضوله، وحثا لمخيلته كي تنشط وتجهد بهدف إرساء العمل الأدبي -القصة القصيرة بخاصة- على بر ما، على شاطئ ما، فلا يبقى النص معلقا، متأرجح الاحتمالات بعد ختام الصفحة الأخيرة منه.

وعلى هذا النحو يبحث القارئ -لا شعوريا أحيانا أو بقصد واعٍ أحيانا أخرى- عن خاتمة أو نهاية ما، يفترضها من عنده افتراضا، أو يحسب أنها مستترة داخل الكاتب ولم يشأ إيرادها في نصه أو الإشارة إليها.

والقارئ يُقدِم على ذلك لشعوره بأنه لم يرتوِ ارتواء كاملا، وبأنه ظل على تعطشه لأن يعرف، لأن يصل، لأن يُغلق مبتدا الدائرة بمنتهاها، إذ من غير المعقول -يسر في نفسه- أن أقطع حواري مع النص الأدبي، أو يقطعه معي، قبل أن نتم ما كنا بدأناه!

ومن المؤكد أن فتح النهاية في العمل الأدبي لا تأتي بترا عشوائيا من قِبل الكاتب، بل تكون جزءا عضويا من الهندسة المعمارية للحكاية أو السيرة، سواء جاءت عن سابق تخطيط وتعمد من قبل الكاتب، أو اقترحها الحدث، أو أملتها الشخصية، أو نحا نحوها مسار النص في مرحلة من مراحل الكتابة، أو دهمت خاطر الكاتب قُبيل الوصول إلى نهاية السرد بقليل.

سحر خاص
وفي الواقع، للنهايات المفتوحة سحر خاص، ضباب مغرٍ، ولها طاقة على إثارة التساؤل، لا تصنعا وتكلفا، وإنما جراء عدم اكتمالها بحد ذاته.. من دنوّها دون وصولها.

فغير المكتمل ينشط الذهنَ، ويحفز المخيلة، ويدفع بالرائي أو القارئ للتأهب، أو للانتقال من مطرحه كقارئ أو مشاهد إلى مطرح الكاتب. وإذ يحقق غير المكتمل ذلك، فإنما يصوغ أجمل علاقة مأمولة بين الكاتب والمتلقي.

أسُّ النهايات المفتوحة يكمن في الحياة ذاتها. الحياة المشرعة على نهايات لا تنتهي، على احتمالات لا تحد، على مباغتات وتغيرات وطوارئ لا تخطر على بال

وأحسب، أن أسّ النهايات المفتوحة يكمن في الحياة ذاتها. الحياة المشرعة على نهايات لا تنتهي، على احتمالات لا تحد، على مباغتات وتغيرات وطوارئ لا تخطر على بال. الحياة التي تفاجئنا بما لم نخطط له، ولا أدخلناه في حساباتنا، ولا أعرناه انتباها.

وإلى ذلك، فمن حق القارئ -أو على الأدق: لمتعته- المشاركة في وضع الخواتيم والنهايات لنصوص تشبه الحياة، أو لنصوص تصوغ حياة مُفترضة، أو هي تقترح عليه حيوات كثيرة. من حق القارئ أن تكون تجربته الشخصية، أو ذائقته، أو رؤياه، أو افتراضاته، مُكَملَة للنص المفتوح.

فالقارئ حتى وهو يختار أن تبقى نهاية النص مشرعة (وفق ما جاءت على يد المؤلف)، فإنه إذ يراها مناسبة فإنما يساهم في وضع خط تشديد على رؤية الكاتب بأن الحياة ذات احتمالات لا تنتهي.

ولعل متعة الأدب الكبرى تكمن في الطريق المؤدية، وليست في النهاية الخاتمة. لعلها تكون في رحلة السرد ذاتها منذ انطلاق الجملة الأولى، وتهاديا مع الوقائع والأحداث والمنعطفات والمسالك، مع طباع الشخصيات وهي تتبدى وتتعرى، وكذا في الغوص مع الرؤى والأحلام والآمال، وتذوق الخيبات والمرارات وما إلى ذلك من الكثير مما يتوالى قبل الختام والنهايات.

نسبية الإبداع
متعة قارئ الأدب في تأهبه وتحفزه، في انشداده لأن يعرف، في توتره وقلقه، في انتظاره وتوقه، في انحيازه تارة ومعارضته أخرى. في تصديق عوالم من حبر وخيال وصنعة.. في تواطئه المضمر مع الكاتب للمضي بعيدا وعميقا داخل عوالم المتخيل، والمفتوح على الاحتمالات كلها.

لا أخفي ميلي الشديد إلى النهايات والخواتيم المفتوحة على احتمالات عدة في مختلف الأعمال المقروءة والمرئية، خصوصا في فن القصة القصيرة

ورغم بداهة القول: ما من جواب نهائي وأخير في طرائق الإبداع وأساليبه وأشكال معماره، وما من "أفضل" في هذا الميدان أو "أصوب" أو أعمق تأثيرا، لأن كل طريقة إبداع ستكون هي "الفضلى" في ذائقة مبدعها، كما في ذائقة متلقيها المعجب بها.

رغم ذلك، فإني لا أخفي ميلي الشديد إلى النهايات والخواتيم المفتوحة على احتمالات عدة في مختلف الأعمال المقروءة والمرئية -وخصوصا في فن القصة القصيرة- وذلك لشعوري بأن العمل الأدبي حين ينهض في ختامه لتوديع قارئه، فإنما يكون قد وشم روح القارئ بوشمه حتى حوله إلى حكاء أو قاص يحكي ويقص لنفسه بنفسه ما لم يحكه العمل، أو ما ختمه من دون أن يتمه، وهذا التحويل الداخلي للقارئ هو المكسب الأعظم لعالم الأدب والفن، بل ربما يكون المرتجى المأمول لمختلف المشتغلين بالإبداع، كما أرى.

______________

* كاتب وقاص سوري

المصدر : الجزيرة