توفيق زياد في إحدى خطبه الشعبية (الجزيرة-أرشيف)

أحمد الشريقي-الدوحة

37 عاما مرت على يوم الأرض الذي يتذكر فيه الفلسطينيون شهداءهم الستة وجرحاهم جيدا، ومهندس ملحمتهم الشاعر والمناضل الفلسطيني توفيق زياد وأنشودته الخالدة "أناديكم أشد على أياديكم" ووقفته الأهم في مواجهة المتخاذلين حين قرر أن مواجهة إسرائيل هي قرار الشعب، مؤذنا بانطلاقة اليوم المشهود في الثلاثين من مارس/آذار عام 1976.

لم تكن وقفة زياد في ذلك اليوم نشازا في مسيرة مثقف فلسطيني وعد المحتل بالموت على أرضه وفعل، وأعطى للمقاومة أدبها إلى جانب محمود درويش وسميح القاسم.

كما مثلت الوقفة الملحمية في يوم الأرض تلك استمرارا لنهج ملتزم عانى فيه عبر سنواته الخمس والستين كل صنوف الاعتداء من المحتل، ونجا من محاولات اغتيال ودهم لبيته، لكنه ظل وفيا لوعده "هنا باقون على صدوركم كالجدار".

ولد صاحب "هنا باقون" في السابع من مايو/أيار 1929، ورحل في حادث سير مأساوي لم يتح له استقبال مفجر الثورة الفلسطينية الزعيم الراحل ياسر عرفات لدى دخوله إلى فلسطين المحتلة عام 1994، تاركا وراءه إرثا نضاليا طويلا وأدبا رسخه في قائمة مبدعي فلسطين.

أدب ومقاومة
درس صاحب الأربع عشرة مجموعة شعرية في مدينته الناصرة، التي تولى فيما بعد رئاسة بلديتها لفترات طويلة، وانتمى إلى الحزب الشيوعي (راكاح) الذي كان قد انتسب إليه الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش وسميح القاسم، وانتخب لدورات عديدة ممثلا لفلسطينيي الداخل في الكنيست الإسرائيلي.

عانى مرارة اليتم صغيرا وتفتحت عيناه على أم كان يشم رائحة خبزها طازجا، تاركة صورتها وولعا بأغنية سيد درويش "الحلوة دي بتعجن في الفجرية"، للذي أصبحت أشعاره فيما بعد أغاني تشد أزر المقاومين وتبعث رسائل أمل عن الفلسطيني المغروز في أرضه كما سنديانة.

توفيق زياد لم تتح له فرصة لقاء الرئيس الراحل ياسر عرفات عند دخوله فلسطين عام 1994 (الجزيرة)

درس الأدب السوفياتي في موسكو مكملا دمج السياسة بانتمائه الشيوعي بالأدب. وفي دراسته تلك اطلع الشاعر زياد على روائع الأدب الروسي مترجِما فيما بعد العديد منها، مضيفا إلى ترجماته نقل إبداعات الأديب ناظم حكمت إلى العربية.

ولدى عودته لم ينقطع عن النضال من أجل حقوق شعبه، قارنا مقولاته الشعرية بممارسات نضالية على الأرض غير متوقف عن فتح عينيه واسعا على معاناة شعبه الفلسطيني في الشتات، وكان أن تعرض للاعتداء في إضراب صبرا وشاتيلا 1982.

كما تعرض للاعتداء في إضراب عام 1990، وفي إضراب مجزرة الحرم الإبراهيمي 1994، وفي مرات كثيرة أصيب أفراد عائلته وضيوفه بالجراح جراء الاعتداءات.

غير أن أبشع الاعتداءات كان في مايو/أيار 1977 قبيل انتخابات الكنيست، إذ جرت محاولة لاغتياله نجا منها بأعجوبة.

إرث باق
وفي سيرته الأدبية أصدر توفيق زياد في عام 1966 مجموعته الشعرية "أناديكم"، والتي غناها العديد من الفنانين العرب بينهم أحمد قعبور وعابد عازرية وغيرهم. وعبر قصائده الممثلة لأدب المقاومة ظلت قصائده ترافق تحولات الصراع مع المحتل الإسرائيلي، فكتب للأسرى في سجونهم "سجناء الحرية وقصائد أخرى ممنوعة" و"سمر في السجن" و"كلمات مقاتلة" وتحدى الاحتلال بقتاله حتى بالأسنان في مجموعته "بأسناني"، وبعث برسالة شعرية للمقاومين للمحتل "ادفنوا موتاكم وانهضوا".

رحل توفيق زياد إلى جانب غسان كنفاني الذي عمده واحدا من أدباء المقاومة، منضما إلى رعيل أول من مثقفي فلسطين ومبدعيها، وكما رحل عبد الرحيم محمود مقاتلا ومنغرسا على أرض فلسطين التاريخية، وقافلة من أصحاب البلاد المبدعين تاركا لمن بعده موقفا نضاليا عاليا وأدبا رفيعا يحث على المقاومة والانغراس في البلاد.

المصدر : الجزيرة