زهير حمداني
 
أن يكون في لبنان خيار ثالث وسط استقطاب ثنائي حاد تاريخيا يعدّ تطورا سياسيا جديدا وغير مسبوق في المشهد السياسي هناك، فقد أحرجت أزمة النفايات العقل السياسي اللبناني الذي لم يخرج عن البعد الطائفي في تعاطيه مع مختلف الملفات.
 
صار لـبيروت "ميدانها" الذي شكّله عجز واضح من النخبة السياسية على حل مشاكل المجتمع والدولة خاصة منذ اندلاع الأزمة السورية، ووصل الأمر إلى عدم الحؤول دون تراكم عشرات الأطنان من النفايات في شوارع بيروت دون اتخاذ قرار لرفعها.
 
ولا أحد كان أن يتصور أن تكون النفايات سببا في تغيير المشهد السياسي في البلد السياحي الجميل، غير أن المفارقة بين ذلك الجمال وتلك النفايات كانت موحية لدى كثيرين اعتبروا أن تركيبة السلطة بالبلاد اعتراها "العفن"، وصار مصطلح "النفايات السياسية" على كل لسان بما في ذلك رئيس الحكومة تمام سلام.
 
ويقول الباحث اللبناني المتخصص في العلاقات الدولية علي مراد إن أزمة النفايات فضحت فساد سلطة تحكم لبنان منذ انتهاء الحرب الأهلية، مشيرا إلى أن المواطن اللبناني يستعيد فعل السياسة بخروجه إلى الشارع، وهو يريد الخروج مما سماها ثنائية 14 و8 آذار القاتلة والتي لا يمكن للبلد أن يبقى سجينا لها.
 
وبذلك تكون المشكلة أكبر من قصة النفايات التي ملأت شوارع بيروت، بل تتمثل في الانقسام الذي يعطّل اتخاذ القرارات على طاولة عمل مجلس الوزراء في غياب ممارسة السلطة التشريعية دورها في المساءلة، كما قال رئيس الحكومة تمام سلام في خطابه أمس الأحد.
 
ويعود سبب تراكم النفايات إلى توقف شركة "سوكلين" الخاصة منذ 17 يوليو/تموز الماضي عن جمع النفايات من بيروت بعد انتهاء عقدها مع الحكومة التي تعطلها الخلافات السياسية عن اتخاذ قرار بتمديد العقد أو فتح مناقصات جديدة، وهو ما يؤكد أنها أزمة سياسية بامتياز.
 
البرلمان اللبناني فشل 27 مرة في انتخاب رئيس (الأوروبية)
أزمة حكم
فشل المجلس النيابي اللبناني في انتخاب رئيس للبلاد خلال أكثر من عام وإثر 26 جلسة برلمانية لعدم اكتمال النصاب القانوني، في ظل غياب معظم أعضاء المجلس وخاصة من فريق 8 آذار.

فراغ السلطة في لبنان امتد إلى الأداء الحكومي في حكومة تمام سلام التي لم تستطع البت في الكثير من المواضيع المهمة- ومن بينها أزمة النفايات- التي لم تتوصل الحكومة إلى حل لها خلال أكثر من جلسة، وهو ما كان سببا في اندلاع الحراك الاجتماعي.
 
وإذا كان الفشل في حلّ مسألة رئاسة الجمهورية هو الأزمة الرئيسية في لبنان، فإن شرعية مجلس النواب والتمديد له حتى منتصف عام 2017 صارت على المحك.

وحظي سلام في أبريل/نيسان 2013 بأصوات قوى 8 آذار -حزب الله وتكتل التغيير والإصلاح للجنرال ميشال عون وحركة أمل- التي كانت تشكل الأكثرية في عهد سلفه نجيب ميقاتي، لكن تحولات الأزمة السورية والصراعات الإقليمية جعلت الخلافات تتسع.
 
وتُحمل قوى 14 آذار مسؤولية الفراغ الرئاسي الذي يشهده لبنان منذ 25 مايو/أيار 2014 لكل من حزب الله وحليفه ميشال عون، بسبب تعطيلهما المتكرر لنصاب انتخاب الرئيس داخل مجلس النواب.
 
وفي استمرار للأزمة، مدّد مجلس النواب الشهر الجاري لقيادات أمنية وعسكرية على رأسهم قائد الجيش جان قهوجي، وهو ما أشعل الصراع بين قوى 14 آذار (تيار المستقبل والكتائب..) والتيار الوطني الحر بقيادة ميشال عون الذي كان يرفض التمديد وهدد باللجوء إلى الشارع.

ودعا عون الشهر الماضي إلى "إعادة النظر في اتفاق الطائف" الذي أنهى الحرب الأهلية في البلاد عام 1990، معتبرا أن الحل للخروج من جمود عمل المؤسسات الدستورية في البلاد يكون بانتخابات برلمانية أو انتخاب رئيس للجمهورية مباشرة من الشعب.

جانب من الحراك الاحتجاجي في بيروت (الجزيرة)
التلقائية والتوظيف
عرفت شوارع بيروت ومدن أخرى تحركات كثيرة كانت توظف لإدانة فريق أو تيار بلا مواربة، لكن حراك "طلعت ريحتكم" البيروتي نسب في البداية إلى "الأكثرية الصامتة" أو الأصوات المستقلة العابرة للطائفية.
 
بيد أن الكاتب الصحفي اللبناني أسعد بشارة يعتبر أن هناك قوى سياسية كانت جاهزة لتوظيف الاحتجاجات على تفاقم أزمة النفايات في لبنان، في محاولة للضغط على حكومة تمام سلام بنية إحداث شلل شامل بالبلاد.
 
وأشار إلى أن تلك الفئة التي تريد حرف مسار المظاهرات تتبع لقوى 8 آذار التي تعطل انتخابات رئاسة الجمهورية، وتريد الضغط على الحكومة كي تستقيل، كما يتهم رئيس التيار الوطني الحر ميشال عون بأنه وراء التحرك بعد فشله سابقا بحشد المتظاهرين في الشارع.
 
ويقول بشارة إنه "إذا سقطت هذه الحكومة فلن يكون بالإمكان تشكيل حكومة بديلة"، ودعا إلى أن يكون تحرك الشارع اللبناني من أجل تقوية مشروع الدولة الذي هو الأساس لإنقاذ لبنان من أزماته المتعددة، وفق رأيه.
 
وبقطع النظر عن ماهية الحراك والفاعلين فيه، فقد عكست أزمة النفايات وتفاعلاتها -كما يقول محللون لبنانيون- عجز الطبقة السياسية خلال السنتين الماضيتين خاصة، وربما أسلوب إدارة البلاد في مرحلة ما بعد اتفاق الطائف، عن حل الكثير من المشاكل الاجتماعية والاقتصادية في البلاد وبقيت تسير على حد سكين الطائفية.
 
ولعل مأزق الحراك الحالي أن كل القوى السياسية سارعت لتأييده في بداياته باعتباره دعوة تلقائية للإصلاح، لكن تفاعلاته قد تزيد من الشحن السياسي في البلاد مع تطور المطالب إلى "إسقاط حكومة" تمام سلام.
 
ودعّم رئيس تيار المستقبل سعد الحريري موقف تمام سلام ودعوته لتفعيل عمل الحكومة ومعالجة الأزمات العاجلة فى مقدمتها أزمة النفايات. وقال الحريري إن إسقاط الحكومة يعني إسقاط آخر معقل شرعي ودخول لبنان في المجهول.
 
وما لم تنقشع "تلك الرائحة" عن شوارع بيروت وأنوف سكانها فقد تحمل الفترة المقبلة تحولات سياسية مهمة في لبنان، البلد الذي عرفه أحد سياسييه السابقين بأنه "شركة أسهم" وأن سياسييه هم من يحملون تلك الأسهم.

المصدر : الجزيرة