ليبيا .. فوضى تتاجر بالبشر
آخر تحديث: 2017/11/27 الساعة 13:31 (مكة المكرمة) الموافق 1439/3/7 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2017/11/27 الساعة 13:31 (مكة المكرمة) الموافق 1439/3/7 هـ
مقدمة
وباء مستشرٍ ولا متهمين
أيادي إماراتية
نعيمة الباقر و الفيديو الصادم
تجارة البشر
مهاجرون في الشرك
على حد السكين
الرق .. واقع صادم
العبودية "السافرة"
بين النفي والتأكيد
من الجزيرة

مقدمة

صُدم العالم بالفيديو الذي بثته قناة "سي أن أن" الأميركية عن عملية بيع لمهاجرين غير نظاميين أفارقة من بلدان جنوب الصحراء، وأثار سخطا على الصعيد الرسمي والشعبي ودعوات إلى محاكمة الفاعلين.

 

ويمثل الفيديو- الذي انتشر على نطاق واسع- شهادة حية عن "تجارة الرقيق" في ليبيا، رغم أن أوساطا محلية شككت فيه وفي أغراضه، بالإضافة إلى تقارير صحفية وحقوقية عن هذه الظاهرة، أهمها تقرير منظمة الهجرة الدولية الصادر في ديسمبر/كانون الأول 2016.

 

ووفقا لهذه التقارير، يروي ضحايا تجار البشر قصصا عن مختلف أنواع الانتهاكات، وكيف تم بيعهم من "مالك" إلى آخر ليعملوا في ظروف قاهرة وغير إنسانية، حتى قيض لهم الهروب من هذا الوضع.

 

ويلتقط مهربو البشر مئات الآلاف من الأفارقة الذين يصلون ليبيا ضمن رحلة شاقة هدفها أوروبا مستغلين ظروفهم الاقتصادية الصعبة بأبشع الطرق، مثلما تؤكد منظمة الهجرة الدولية، وذلك في غياب السلطة الرادعة وتواصل حالة الانفلات بالدولة منذ عام 2011.

 

ويؤكد محللون أن انهيار الدولة ومؤسساتها والغياب الأمني وسيطرة المليشيات في عدة مناطق فتح الباب واسعا لممارسات العبودية بشكلها القديم والمعاصر في ليبيا. وتوجه الاتهامات إلى عدة أطراف لكن تحقيقات جدية لم تجر.

 

ويتهم محللون المجتمع الدولي والدول الأوروبية بالتقصير في حماية المهاجرين في ليبيا، وعدم بذل الجهود الكافية لحمايتهم من مهربي البشر والنخاسين الجدد، والاقتصار على ضرب حصار عليهم في هذا البلد أو غيره كي لا يصلوا إلى أوروبا.

وباء مستشرٍ ولا متهمين

في اللقطات القصيرة والمظلمة في تقرير محطة "سي أن أن" الصادم حول مزاد الاتجار بالمهاجرين الأفارقة بليبيا، لم يظهر وجه الدلّال. لكن كرشه البارز مكّن كاميرا الصحفية نعمة الباقر المخبأة في ثيابها من التقاطه في الليل، وأجابها عن سؤال حول ما إذا كان المزاد مستمرا قائلا "انتهى المزاد".
 
وفي غياب وجوه وأسماء تجار البشر الليبيين لن يكون بمقدور العالم على الأرجح التعرف قريبا على متهمين أو مدانين بهذه الجريمة البشعة. وهو عكس ما حصل في المجر، عندما مثل أمام القضاء يوم 22 يونيو/حزيران الماضي أربعة أشخاص هم أفغاني وبلغاري من أصل لبناني وبلغاريان آخران متهمين في قضية شاحنة الموت التي هزت أوروبا في أغسطس /آب 2015 بعد العثور على 71 لاجئا مختنقين داخلها على طريق سريع بـالنمسا.
 
وتفيد متابعة إخبارية نشرها موقع المنظمة الدولية للهجرة إثر تفجر فضيحة أسواق النخاسة الحديثة بليبيا أن المنظمة تلقت أولى معلوماتها حول عمليات الاتجار بالبشر داخل ليبيا في أبريل/ نيسان الماضي، دون أن يحدد الأماكن التي حصلت فيها أو هويات الفاعلين. لكن الباقر نقلت عن مصادرها أن المزادات حصلت في تسعة أماكن لم تحددها في ليبيا، وأن البشر كانوا يباعون فيها كأنهم قطعان ماشية.

صبراتة
لكن اسم مدينة صبراتة ما لبث أن برز بعد أيام كمكان محتمل لسجون تحت الأرض يحتجز فيها المهاجرون القادمون من دول أفريقية جنوب الصحراء قبل بيعهم. فقد انتشر على مواقع التواصل بعد بث تقرير "سي أن أن" فيديو يظهر أفارقة محتجزين داخل سجن تحت الأرض بلا منافذ باستثناء فتحات للتهوية يزودهم حارسهم عبرها بالغذاء والماء.

أحمد معيتيق: ضبط المتهمين (الجزيرة)
 
واستبعد المسؤول بجهاز مكافحة الهجرة غير النظامية في صبراتة عبد المنعم حركات -في تصريحات لصحيفة "العربي الجديد"- أن تكون المشاهد صورت في مدينته بعد سيطرة الحرس الرئاسي التابع لحكومة الوفاق عليها في سبتمبر/أيلول الماضي، لكنه أقر ضمنا أن "عصابات الاتجار بالبشر كانت تسيطر على المدينة" قبل ذلك التاريخ.

 

أما هوية القائمين على هذه التجارة فلا تزيدها إفادات الضحايا الذين عادوا إلى بلادهم إلا غموضا. وتنقل وكالة رويترز عن سانوجو -وهو مهاجر غير نظامي من ساحل العاج أعادته المنظمة الدولية للهجرة إلى بلاده- قوله إنه اعتقل في ليبيا على حاجز قال المسلحون المشرفون عليه إنهم من الشرطة. ويضيف أن "الشرطة باعتني بمبلغ خمسمئة دينار (نحو 365 دولارا) إلى رجل أجبرني على العمل لمدة شهر في حقل بندورة".

 

وتحيل واقعة توقيف سانوجو وبيعه لأحد أصحاب المزارع إلى حال الفوضى الأمنية الضاربة أطنابها في ليبيا منذ إسقاط نظام العقيد الراحل معمر القذافي عام 2012. وفي ظروف كهذه شهدت ليبيا ثلاثة اشتباكات خلال أقل من عامين دارت فيها معارك بالأسلحة الرشاشة بين عصابات تهريب متنافسة، وقع أولها في بني وليد في أبريل/نيسان 2016 وقتل فيه 15 شخصا بينهم 12 مهاجرا مصريا غير نظامي. وقضى في الثاني 22 شخصا، أما الحادث الثالث فوقع في صبراتة يوم 21 سبتمبر/أيلول الماضي.

 
وعن الاشتباك الأخير، قال رئيس المجلس العسكري بالمدينة الطاهر الغرابلي إنه وقع بين كتيبة مسلحة محسوبة على حكومة الوفاق وأخرى من غرفة عمليات مكافحة تنظيم الدولة. وربط سكان محليون ومصادر من البلدية بين الاشتباك وبين "صفقات مالية لبعض الكتائب المسلحة لمحاربة الهجرة غير الشرعية من قبل إيطاليا، مما دفع بعض الكتائب الأخرى لإفشال الاتفاق".

أموال إيطالية
وتؤشر تصريحات الغرابلي إلى أن الأموال الإيطالية باتت مصدرا ثالثا للمتورطين في الاتجار بالبشر أو استعبادهم. وأضيف هذا إلى مصدرين معلومين لثروات عصابات التهريب هما الرسوم المدفوعة لهم من قبل المهاجرين، أو الأموال المتأتية التي يحصلون عليها من أصحاب مزارع أو ورش بناء مقابل بيعهم مهاجرين عجزوا عن تغطية نفقات رحلتهم من الجنوب إلى أوروبا عبر ليبيا.

 

وكانت الخارجية الليبية قد أشارت في تعقيبها على شريط "سي أن أن" إلى تجار البشر ووصفتهم بـ "المجرمين وضعاف النفوس". ووعد أحمد معيتيق نائب رئيس حكومة الوفاق بفتح تحقيق "لضبط المتهمين وتقديمهم للعدالة" لكن تحقيق هذا الهدف سيكون صعب المنال في بلد تلفه فوضى لا يبدو أن نهايتها وشيكة.

أيادي إماراتية


أعلنت الحملة الدولية لمقاطعة الإمارات العربية المتحدة أنها ستطلق أسبوعا تضامنيا مع المهاجرين الأفارقة العالقين في ليبيا، والذين يتم بيعهم كعبيد من قبل جماعات مسلحة تمولها أبوظبي.

وكانت "الحملة الدولية" تلقت وثائق وصورا تكشف لأول مرة معلومات هامة حول تورط دولة الإمارات مباشرة بتمويل جماعات مسلحة في ليبيا تتاجر بالبشر وتبيع المهاجرين الأفارقة كعبيد.
 
وقالت الحملة الدولية إنها حصلت على دعم النقابات العمالية الرئيسية في أفريقيا، وأوضحت أنها ستنشر تقاريرها عبر مواقع التواصل الاجتماعي. لمواصلة القراءة اضغط على الصورة.
 

نعيمة الباقر و الفيديو الصادم

 
فجرت الصحفية السودانية نعمة الباقر -من خلال تقرير لها على شبكة "سي أن أن" الأميركية يوم 14 نوفمبر/تشرين الثاني 2017- قضية إنسانية خطيرة تتعلق ببيع أفارقة مهاجرين غير نظاميين في أسواق ليبية كرقيق، مما أثار ردود فعل دولية غاضبة.
 
وتمكنت تلك الصحفية المولودة بالخرطوم عام 1978 -مع فريق من القناة- من السفر إلى ليبيا لمشاهدة مزادات مذلة يُعرض فيها مهاجرون غير نظاميين للبيع كعبيد، وقالت إنها أبلغت السلطات الليبية بما توصلت إليه كما قدمت الأدلة التي حصلت عليها إلى المدعي العام بـالمحكمة الجنائية الدولية.
 
وكانت "سي أن أن" قد بثت مقطع فيديو لمهاجرين أفارقة تم بيعهم في المزاد العلني في ليبيا، ويظهر فيه شبان من منطقة جنوب الصحراء يباعون بسعر 1200 دينار ليبي (نحو ثمانمئة دولار) في أماكن لم يكشف عنها من أجل العمل في المزارع وقطاع البناء.
 
وأشارت القناة في تقريرها إلى أن المهاجرين النظاميين في ليبيا يباعون في تسعة أسواق على الأقل في العاصمة الليبية، وربما في أماكن أخرى. للقراءة اضغط على الصورة.

تجارة البشر

أشارت أرقام للمنظمة الدولية للهجرة إلى وجود حوالي مليون مهاجر في ليبيا، لقي أكثر من مئتي ألف منهم مصرعهم لدى عبور البحر المتوسط، ووصل عدة آلاف إلى أوروبا. بينما يقع الكثيرون منهم بين أيدي تجار البشر.
 
وتشير المنظمة إلى أن هؤلاء، ومعظمهم من بلدان أفريقيا جنوب الصحراء، يتم احتجازهم في مراكز مكتظة تفتقر للمرافق الصحية، ومدة هذا الاحتجاز تتراوح في المتوسط بين شهرين وثلاثة أشهر.
 
وفي تقريرها بعنوان "محتجزون ومجردون من إنسانيتھم" تشير المنظمة إلى أن المليشيات المسلحة وشبكات التهريب تعتبر هؤلاء "فريسة ثمينة" ويتحدد مصيرهم ما بين أعمال السخرة والعبودية أو الاستغلال الجنسي، وفي بعض الحالات الفدية من ذويهم.
 
وتنقل المنظمة شهادات عن ضحايا استطاعوا الإفلات من أصحاب العمل والمهربين وتجار البشر، وكثيرا ما يهددهم موظفو جهاز مكافحة الهجرة غير النظامية بالقتل أو يضربونهم بالعصي والقضبان الحديدية وأعقاب المسدسات. ويتعرض هؤلاء الضحايا لإطلاق النار كي يجبروا على العمل.

مهاجرون في الشرك

على حد السكين


رصد تقرير لصحيفة تايمز البريطانية حالة مراكز احتجاز المهاجرين في ليبيا -التي يديرها مهربون وتجار بشر- بأنها عبارة عن مستودعات مغلقة دون نوافذ يطلق عليها المهاجرون عبارة "النوم على حد السكين" نظرا لاكتظاظها بالرجال وهم يرقدون ظهرا إلى ظهر مثل أدوات المائدة المكدسة في الدرج.


ووفقا للتقرير، يكتظ في أحد المراكز 1300 شخص يعيشون متلاصقين في حرارة الصيف الحارقة دون أي تهوية، والهواء فيه راكد وثقيل جدا لدرجة تكاد تجعل التنفس فيه مستحيلا.


وفي الحجرة الرئيسية هناك سبعمئة شخص يجثمون على الأرض كالحيوانات -وفق تعبير الصحيفة- في الحظيرة تفصلهم عن العالم الخارجي بوابتان من القضبان الحديدية.

 

 وأشارت تايمز إلى أن مثل المراكز موجودة في عدة مناطق بليبيا، في وقت لم تؤد الجهود الدولية إلى وقف عمليات تهريب البشر وما يتبعها من جرائم ضد الإنسانية، آخرها الاتجار العلني بالمهاجرين الأفارقة وإقامة أسواق للعبيد، على حد قولها. للقراءة اضغط على الصورة.


 

الرق .. واقع صادم

video
أكدت المنظمة الدولية للهجرة أن مهاجرين متحدرين من بلدان غرب أفريقيا يباعون في "أسواق للرق" في ليبيا ليتم معاملتهم كعبيد في الأعمال الشاقة، وفي ظروف سيئة.
 
وذكرت المنظمة في تقرير لها أن المهاجرين غير النظاميين واللاجئين الذين يقصدون ليبيا بصفتها نقطة عبور للراغبين في الوصول إلى أوروبا عرضة للتحول إلى بضاعة تباع وتشترى بسبب ظروفهم المادية الصعبة.
 
وأوضحت في بيان أن موظفيها في ليبيا والنيجر أمكنهم جمع شهادات "صادمة" لمهاجرين تحدثوا عن وجود "أسواق عبيد" يتم فيها بيع مئات الرجال والنساء. وتتم عمليات البيع في ساحات عامة أو مستودعات.
 
وأكد ليونار دويلي المتحدث باسم المنظمة أن الأمر يتعلق بـ "أناس يباعون على الملأ وقد افترشوا الأرض". من جهته، قال عثمان بلبيسي رئيس مهمة منظمة الهجرة في ليبيا "تذهب إلى السوق حيث يمكنك دفع ما بين مئتين وخمسمئة دولار للحصول على مهاجر واستغلاله "في أعمالك". وأضاف "وبعد أن تشتريه تصبح مسؤولا عن هذا الشخص.. بعضهم يهرب وآخرون يبقون قيد الاستعباد".
 
ويؤكد مدير العمليات والطوارئ في المنظمة محمد أبديكر أن "الوضع رهيب، وكلما تقوم المنظمة الدولية للهجرة بنشاطات في ليبيا تبين لنا أن هذا البلد واد لدموع الكثير من المهاجرين".
 
ونقلت المنظمة شهادة حية لمهاجر من السنغال تحدث عن تجربته هناك مشيرا إلى أنه دفع 320 دولارا لمهرب ليصل من النيجر إلى ليبيا وبعدما وصل إلى مدينة سبها في الجنوب -حيث كان يفترض أن يواصل طريقه إلى القارة العجوز- لكنه عرض للبيع مع مهاجرين آخرين عندما أخفقوا في دفع أموال طلبها أحد السماسرة.

العبودية "السافرة"


أحدثت التقارير الإعلامية التي رصدت بيع مهاجرين أفارقة بالمزاد العلني في ليبيا صدمة وردود أفعال واسعة، حيث أظهر مقطع فيديو "سوق نخاسة" يباع فيه شبان أفارقة بسعر 1200 دينار ليبي (نحو ثمانمئة دولار).

ولا يرى متابعون استغرابا أن تنهض ظاهرة العبودية بالصورة السافرة التي أظهرها "الفيديو" في مجتمع يشهد حالة من الاضطراب الكلي وغياب القوانين الرادعة والسلطة المركزية القوية، وقد ساقته حرب السنوات السبع إلى تغييرات موجعة في بنيته الاجتماعية وحتى الأخلاقية، وأصبح فيه القتل بأبشع الطرق على الملأ. للقراءة اضغط على الصورة.

بين النفي والتأكيد

 

أعلنت وزارة الداخلية بحكومة الوفاق الوطني بدء التحقيق بشأن ارتكاب انتهاكات ضد المهاجرين غير النظاميين في البلاد. بينما شكك جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية في "الفيديو" الذي انتشر بشكل واسع ويظهر بيع مهاجرين أفارقة كعبيد.

 

بيد أن محللين متابعين لما وصلت إليه الأوضاع الأمنية في ظل فوضى السلاح والسياسة، وجدوا في مشاهد الرقيق ما يعكس الحال الذي آلت إليه ليبيا بفعل التدهور الأمني والانتهاكات الواسعة لحقوق الإنسان، ويطرق بشدة أبواب المحكمة الجنائية الدولية. للقراءة اضغط على الصورة.

 

 

من الجزيرة