محمد أبو الفضل

ملف الإصلاح في الشرق الأوسط
إيران والغرب..مد وجزر 
تركيا في الاتحاد الأوروبي
 
أوكرانيا وتحدي الغرب والشرق
التلاقي الروسي العالمي لمواجهة الإرهاب 
العراق ورسائله الدقيقة

الصراع العربي الإسرائيلي
المسألة السودانية

هناك مجموعة كبيرة من التطورات المهمة والأحداث الممتدة وقعت خلال العام، وسوف تظهر أكثر تجلياتها تأثيرا في عام 2005.

ويبدو الارتباط الدولي والعربي في معظم القضايا المطروحة واضحا، مما يؤكد خصوصية أحداث العام، مقارنة بالأعوام الماضية.

ويكشف في مضامينه عن وجه مغاير في النظام الدولي يقوم على التداخل بين الملفات المحلية ونظيرتها العالمية، وبوادر ظاهرة لميل الولايات المتحدة إلى التعاون مع قوى أخرى دولية وإقليمية.

الأمر الذى يشير إلى تراجع نسبي عن اتجاهها السابق إلى الانفراد والهيمنة على مفاصل  القضايا الدقيقة.

فقد لاحظنا تنسيقا أميركيا أوروبيا صاعدا في ملفات الإرهاب والإصلاح والعراق وإيران والسودان وساحل العاج، فضلا عن سوريا ولبنان والقضية الفلسطينية. ولذلك يمثل اختيار جملة من القضايا الدولية والملفات العربية المؤثرة عاملا مساعدا لاكتشاف مكونات عام مضى واستشراف عام مقبل.

ملف الإصلاح في الشرق الأوسط

في ملف الإصلاح بالشرق الأوسط، اكتشفت الولايات المتحدة ومعظم الدول الأوروبية أن الإرهاب الذي يستهدفهم من أهم أسبابه تفريغ شحنة من كبت الحكام في المنطقة ضد التيار الإسلامي، أي أن الخمول السياسي والتخلف الاقتصادي والتراجع الثقافي والكسل الاجتماعي تتجه ضرباته إلى صدور الغرب أساساً.

مبادرات غربية
من هنا جرى إطلاق مشروعات مختلفة أهمها مبادرة الرئيس الأميركي جورج بوش في شهر نيسان/ أبريل بعنوان "الشرق الأوسط الكبير" التي أعطت دوراً للتغيير من الخارج. ثم مبادرة فرنسية ألمانية أعطت أولوية للإصلاح من الداخل.

وبسبب هذا التباين طرحت قمة الدول الصناعية الثماني في "سي إيلان" بولاية جورجيا الأميركية في يونيو مشروع "الشرق الأوسط الموسع وشمال أفريقيا". وتعزز هذا المنحى بانعقاد قمة حلف الأطلسي بإسطنبول وإعلان مشروع "مبادرة إسطنبول للتعاون باتجاه دول الشرق الأوسط الموسع" وكشفت عن تصاعد دور الناتو في المنطقة.

الرئيس التونسي زين العابدين بن علي في القمة العربية

قمة تونس العربية
في هذه الأثناء دار نقاش طويل في المنطقة العربية بين أولويات الإصلاح من الداخل والخارج.

وأدى حديث الإصلاح وفروعه إلى ترحيل قمة تونس العربية من مارس/آذار إلى مايو/أيار.

ولم يشهد الموعد المحدد حضورا عربيا مكثفا، وخرجت القمة إلى بر الأمان دون مكاسب حقيقية. وأصدرت ما يسمى بوثيقة العهد والاتفاق بين الدول العربية، وأكدت على ضرورة تناغم الخطوات العربية في القضايا الأساسية، وأهمية مراعاة الظروف الداخلية لكل دولة في مسألة الإصلاح.

وبعدها ضغطت الدول العربية لترسيخ هذا المبدأ مستفيدة من أجواء التفهم الأوروبى لعدم إغفال المناخ الداخلي في كل دولة، ومستثمرة الخطاب الانتقادي الذي تبناه التياران القومي والإسلامي ضد مشروعات الإصلاح من الخارج.

منتدى المستقبل
وانعكست نتائج هذه المحاولات الرسمية والشعبية في "منتدى المستقبل" بالرباط في شهر ديسمبر الذي حضرته 19 دولة عربية وإسلامية ومجموعة الدول الصناعية الثماني، ودشن عمليا مشروع الإصلاح في الشرق الأوسط بالتزامن مع تحقيق هدف غالبية دول المنطقة في مراعاة الأوضاع الداخلية، فضلا عن الإشارة إلى ترافق الإصلاح مع التسوية السياسية للصراع العربي الإسرائيلي وحل الأزمة العراقية.

والمتوقع أن يعقد المؤتمر الثاني لمنتدى المستقبل في العام الجديد مصحوبا بجدل مضاعف حيال هاتين القضيتين. فالإصلاح من الداخل سيواجه بعقبات كثيرة وترافقه مع التسوية قد يفضي إلى تأجيله حتى إشعار آخر بسبب التعقيدات التي تكتنف ملفي الصراع العربي الإسرائيلي والأزمة العراقية.

بوش وملف الإصلاح
لكن بعد نجاح الرئيس بوش في انتخابات الرئاسة الأميركية وفوزه بولاية ثانية من الراجح أن يتضاعف نشاطه في ملف الإصلاح، باعتباره قضية رئيسية في جدول أعماله القادم.

لا سيما أن تيار المحافظين الجدد في إدارته يدفع نحو تفعيل كل الوسائل لتحقيق هذا الهدف، الذي يعطي أهمية للتعامل مع التيار الإسلامي المعتدل، في محاولة لتغيير كثير من الأنماط التقليدية في المفكرة الإسلامية التي ستكون من التحديات الكبيرة في



العام الجديد.

إيران والغرب.. مد وجزر

بين إيران والغرب، استمرت أوروبا خلال العام فى جهودها الحوارية مع طهران التي بدأتها نهاية عام 2003.

وأخذت تحركاتها تدخل على تقاطعات الأزمة بين الولايات المتحدة وإيران بشأن برنامج الأخيرة النووي، الذي يرمي حسب الاتهامات الأميركية والإسرائيلية إلى تخصيب اليورانيوم وصولا إلى امتلاك السلاح النووي واستخدامه كوسيلة عسكرية، في حين واصلت طهران تأكيد الأهداف السلمية لبرنامجها.

الأزمة مع واشنطن
وتداخلت المكونات السياسية في الأجندة الأميركية بالإستراتيجية في هذا الملف، حيث بدأت واشنطن تقلق من تأثيرات الانخراط الإيراني في العراق على ترتيباتها الإقليمية، وتتوجس من انعكاسات امتلاك إيران للسلاح النووي على التوازنات الراهنة في المنطقة.

وشهدت بداية العام غزلا رمزيا في العلاقات الأميركية الإيرانية، لكن سرعان ما عاد التوجس والتوتر إلى المربع الأول.

وبدت طهران حاضرة في غالبية الحسابات الأميريكية واتخذت واشنطن من برنامجها النووي ذريعة أساسية لمواجهتها، وحشدت دعما أوروبيا لهذا الغرض، وضغطت على روسيا لفك روابطها مع إيران، باعتبارها الراعي الأول لبرنامجها النووي.

الجهد الأوروبي
وتكاتفت الجهود الأوروبية بقيادة بريطانيا وفرنسا وألمانيا للتوصل إلى تفاهمات مع طهران في نوفمبر بشأن تخليها تماما عن تخصيب اليورانيوم لأجل غير مسمى وفتح منشآتها للتفتيش



الدولي بمعرفة الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

تركيا في الاتحاد الأوروبي

أخذت معالم التفاعل بين الجانبين التركي والأوروبي تظهر خلال العام في ظل صعود حزب العدالة والتنمية ذي التوجهات الإسلامية، وبدا الباب الأوروبي مفتوحاً أمام أنقرة بعد محاولات مضنية من الحكومات العلمانية السابقة.

فقد تم في شهر ديسمبر بدء المفاوضات لدخول تركيا النادي الأوروبي، وهو ما يعني اعترافا ضمنيا بأن هناك تطورات سياسية واقتصادية شهدتها تركيا، وتخلياً عن الفيتو السابق الذي أعلنته الدول الأوروبية برفض التفاوض مع دولة 99% من شعبها مسلمون، وقبولا بالنموذج الإسلامي التركي الذي أضحى يحظى بالرضا في عدد من الدوائر الغربية.

واشنطن والنموذج التركي
وربما تسعى الولايات المتحدة ذاتها إلى الترويج له باعتباره الشكل المثالي الذي يمكن أن تتعايش معه، كبديل للنماذج التي ترفعها "الجماعات الأصولية" المتناثرة في العالمين العربي والإسلامي.

والمنتظر أن تتسارع الخطوات التركية نحو أوروبا لتأكيد جدارتها بدخول ناديها الواسع مدعومة من الولايات المتحدة.

سياسة الوصل 
وتحاول أنقرة أن تتبنى خطابا متكاملاً يجمع بين هدفها في الدخول لأوروبا ورغبتها في أن تكون حلقة الوصل بين الغرب والشرق.

ولعل احتفاظ علاقتها مع إسرائيل بوتيرتها السابقة واهتمامها الكبير بالشأن العراقي ونجاح مرشحها لرئاسة أمانة منظمة المؤتمر الإسلامي ونشاطها الاقتصادي مع سوريا، عوامل تعزز من هذا الهدف الذي ستظهر معالمه بوضوح في العام الجديد.

حيث تزايد الانخراط الغربي في القضايا الشرق أوسطية، ويحتاج إلى أذرع إقليمية تمثل ركائز في إستراتيجيته حيال قضايا الإصلاح والعراق والتسوية السياسية، وربما تكون تركيا جزءا رئيسيا في هذه المنظومة، بحكم تفاعلها أو رغبتها



في التفاعل مع قواعد هذه القضايا.

أوكرانيا وتحدي الغرب والشرق

تظاهرة مؤيدة لزعيم المعارضة الأوكرانية يوتشينكو

برغم الانسداد السياسي الذي تعاني منه غالبية دول الشرق الأوسط، فإن رياح الديمقراطية تتوالى في المجتمعات الأخرى،  ففي أوكرانيا نجح زعيم المعارضة فيكتور يوتشينكو في قيادة الجماهير للضغط على حكومة كييف لإعادة الانتخابات الرئاسية في ديسمبر/ كانون الأول بعد إعلان فوز المرشح الرسمي يانوكوفيتش.

وكشفت هذه الأزمة عن عدد من المحددات الدقيقة في مقدمتها الانقسام الداخلي بين الميول الروسية التقليدية والرغبة في الانفتاح على أوروبا التي قدمت هي والولايات المتحدة تأييدا لافتا لزعيم المعارضة وأنصاره، مما أثار مخاوف موسكو التي أعلنت دعمها المبكر للمرشح الرسمى، حيث تخشى من وصول الغرب لأبوابها القريبة عبر أوكرانيا.

 كما أن نجاح التدخل الأوروبي في حلحلة الأزمة أثار هواجس موسكو بشأن عدم استعدادها لتكرار هذا السيناريو في أي أزمات أخرى قريبة من فنائها الديموغرافي.

لذلك تفرض هذه التحديات ضغوطا جديدة على موسكو التي حققت نجاحات لافتة في علاقتها مع الغرب هذا العام، خاصة



في ملف الإرهاب.

التلاقي الروسي العالمي لمواجهة الإرهاب

اقتربت موسكو هذا العام من التوجهات العالمية (الأميركية) لمواجهة ظاهرة الإرهاب، وجاء قيام فتاتين من الشيشان بتفجير طائرتين روسيتين وحادث مدرسة بيسلان بأوسيتيا الجنوبية في شهري أغسطس/آب وسبتمبر/أيلول على التوالي ليعزز الاقتناع الروسي بأهمية  التعاون والتنسيق في هذا المجال مع الدول الأخرى.

وأدى ذلك عمليا إلى تطورين نوعيين:

  1. الأول توقيع اتفاق مع إسرائيل لتعزيز التعاون الأمني، مما يعني جذب موسكو نحو الاقتناع بالمنطلقات الإسرائيلية إزاء المقاومة الفلسطينية.
  2. والثاني تقدم موسكو بمشروع قرار لمجلس الأمن لتوسيع قاعدة الاتهام للإرهابيين وحصوله على الإجماع في أكتوبر/تشرين الأول، مما يحقق جملة من أهداف إسرائيل ويضفي شرعية جديدة على الاعتقالات الواسعة التي يقوم بها العديد من الدول الغربية.

وإذا كان العام الجديد يحمل مخاوف روسية قد تأتي من البوابة الأوكرانية فإنه يحمل أيضا بذور تفاؤل لاستمرار نهجها الإقصائي في التعامل مع المشكلة الشيشانية وسط صمت دولي طوال العام.

والواقع يؤكد أن الأدبيات الأميركية في حقل الإرهاب وجدت ما يدعمها في تكرار حوادث التفجيرات في عدد من البلدان، أهمها الحادث الذي وقع بإسبانيا في مارس/أبريل وأدى إلى مقتل 200 شخص بالعاصمة مدريد، وشنته عناصر يعتقد أنها تنتمي لتنظيم القاعدة.

وكذلك وقوع مجموعة من التفجيرات والمواجهات في السعودية تمركز أغلبها في العاصمة الرياض، منها تفجير مقر الأمن العام على أيدي ناشطين إسلاميين.

وتكشف هذه التطورات عن ارتفاع حدة الاحتقان ضد النظام السعودي وعدم الاستهانة بالنواة التي شكلها التيار الإسلامي في صفوف معارضيه، والعلاقة الوثيقة بين متشدديه وتنظيم القاعدة الذي أعلن زعيمه أسامة بن لادن في أكثر من رسالة صوتية خلال العام عن عزمه ضرب المصالح الغربية في السعودية.

كما يتزايد الاقتناع بأن جلسات الحوار الوطني المتقطعة التي بدأتها الرياض تأتي كرد فعل لهذه الأحداث أكثر منها رغبة



حقيقية في الإصلاح.

العراق ورسائله الدقيقة

العراق: المقاومة مستمرة

كانت الأزمة العراقية محورا رئيسيا في أحداث العام. وبرزت مجموعة من التطورات اللافتة أدت لوضع الولايات المتحدة في مأزق شديد.

الهجمات المتنقلة
فالمقاومة العراقية والهجمات المسلحة واصلت نشاطها بقوة كبيرة وتوزعت بين استهداف أشخاص من جنسيات مختلفة ومقرات للقوات الأميركية والشرطة العراقية ومنشآت تابعة لسفارات أو منظمات دولية، ولم تعد قاصرة على ما يسمى بالمثلث السني.

بل تنوعت من بغداد إلى الموصل وحتى البصرة في الجنوب وكركوك في الشمال. وشهد العام صعود وهبوط ظاهرة مقتدى الصدر الذي خاضت قواته مواجهات كبيرة ضد القوات الأميركية.

واشنطن.. إخفاقات وإنجازات
وبذلك واجهت الولايات المتحدة تحديات على مستويات متباينة، جميعها يصب في تفشيل إجراءاتها وترتيباتها في العراق.

ويمكن حصر أربع ظواهر في هذا المجال.

  1. الأولى اعتراف واشنطن بعدم وجود أسلحة للدمار الشامل في العراق وبالتالي نسف أحد أهم وأقوى مبررات احتلالها لهذا البلد.
  2. والثانى فضائح سجن "أبوغريب" التي كشفت عن ممارسات شاذة قامت بها بعض عناصر القوات الأميركية ضد معتقلين ومعتقلات عراقيات، الأمر الذي أرخى بظلال سلبية على سمعتها.
  3. والثالث تزايد عمليات التقتيل في صفوف القوات الأميركية واستهداف بعض وحداتها الخاصة.
  4. والرابع قيام بعض القوات المشاركة في التحالف الأميركي البريطاني بسحب قواتها من العراق تحت ضغوط المقاومة أو لعدم إيمانها بجدوى هذه المشاركة، وأكثرها وضوحا انسحاب القوات الإسبانية نهاية يونيو/حزيران بعد فوز المرشح الاشتراكي خوسيه لويس ثباتيرو بمنصب رئيس الوزراء  في مارس/آذار.

والملاحظ أن الولايات المتحدة حققت إنجازاً مهماً يتعلق بإضفاء مشروعية دولية على احتلالها للعراق. كما بدأت الأمم المتحدة تمارس دوراًً في بعض القضايا الهامشية.

واهتمت معظم الدول الأوروبية بمساعدة واشنطن حتى الدول الرافضة للاحتلال، فألمانيا وفرنسا لم تتوانيا في تعاونهما لعودة الأمن والاستقرار.

وعقدت على مدار العام عدة مؤتمرات للدول المجاورة للعراق ومصر كان آخرها بشرم الشيخ في نوفمبر/تشرين الثاني بحضور ممثلين عن الدول الصناعية الثماني، وذلك في محاولة لدعم ومساندة العراق في أزمته الممتدة وإزالة القلق الذي تسرب إلى بعض الدول مثل تركيا التي انتابتها هواجس من مسقبل الأوضاع في شمال العراق.

الانتخابات.. سنة وشيعة
وكان تشكيل الحكومة العراقية المؤقتة برئاسة إياد علاوي واختيار غازي الياور رئيسا للبلاد في شهر يونيو/حزيران من الأحداث التي مثلت نقلة نوعية في تطورات الأزمة، حيث جاءت في ظل تقديرات مختلفة لجدواها.

المهم أنها كانت النواة التي على أساسها جرى تحديد الثلاثين من يناير/كانون الأول 2005 موعدا لإجراء الانتخابات البرلمانية التي أثارت جدلاً واسعاً على الساحتين الداخلية والخارجية.

فعلى المستوى الأول وجد فيها السيستاني والطائفة الشيعية فرصة تاريخية للوصول للحكم، بينما اعتبرتها غالبية السنة خدعة ويجب تأجيلها حتى تستقر الأوضاع.

وبين الرغبة في إجرائها والسعي إلى مقاطعتها جرت مياه كثيرة أهمها توجيه أصابع الاتهام من قبل مسؤولين كبار في العراق لإيران بالتدخل في حساباتها ومجرياتها لصالحها.

وكان اتهام العاهل الأردني عبد الله الثاني من واشنطن لطهران في ديسمبر بسعيها لتكوين "هلال سياسى شيعي" يضم العراق وسوريا ولبنان حجرا حرك الكثير من المخاوف العربية، ومحاولة لحض السنة على المشاركة في الانتخابات.

الصراع العربي الإسرائيلي

وعلى صعيد الصراع العربي الإسرائيلي، واصلت إسرائيل بناء جدار الفصل العنصري وتجاهل حكم محكمة العدل الدولية في يوليو/تموز بعدم قانونية الجدار.

كما استمر العنف الإسرائيلي ضد الشعب الفلسطيني هذا العام، من تقتيل واغتيال واعتقال وتشريد وهدم للمنازل في الضفة الغربية وقطاع غزة.

وكانت أكثر التطورات الفلسطينية جلاء قيام إسرائيل باغتيال الشيخ أحمد ياسين في مارس/آذار والدكتور عبد العزيز الرنتيسي في أبريل/نيسان، ناهيك عن استهداف عدد كبير من كوادر حركتي حماس والجهاد داخل وخارج الأراضي المحتلة.

ولعل اغتيال عز الدين شيخ خليل أحد كوادر حماس بسوريا في سبتمبر/أيلول يمثل تطورا مهما في الملاحقة الإسرائيلية الخارجية وتطاولا متكررا على الأراضي السورية.

فلسطين بلا عرفات

 وجاءت وفاة الرئيس الفلسطينى ياسر عرفات في نوفمبر/ تشرين الثاني واختيار محمود عباس (أبو مازن) رئيسا لمنظمة التحرير الفلسطينية ومرشحا لحركة فتح في الانتخابات الرئاسية المقرر إجراؤها في التاسع من يناير/كانون الثاني 2005 ليثيرا حزمة من التكهنات حول مستقبل حركة فتح بعد البلبلة التي أثارها ترشيح ثم تراجع مروان البرغوثي ضد محمود عباس، وأفق مستقبل عملية التسوية السياسية في المنطقة.

الانسحاب الأحادي
وعلى خلفية هذه التطورات، تخطى أرييل شارون رئيس الوزراء الإسرائيلي كل العقبات داخل الليكود لتنفيذ خطة الفصل الأحادية للانسحاب من غزة وشمال الضفة الغربية، واستخدم كل المناورات لتمريرها من خلال حكومته في أكتوبر/تشرين الأول عقب سلسلة طويلة من التجاذبات مع المتطرفين.

وفتح خروج حزب "شينوي" من الحكومة المجال أمام دخول حزب العمل، وكان شهر ديسمبر/كانون الأول فاصلاً في ترتيبات هذا الائتلاف الذي تطلب ترضية شمعون بيريز بمنصب قائم بأعمال رئيس الوزراء، وكان أهم عناصر هذا التحالف هو تنفيذ خطة الانسحاب من غزة.

عملية التسوية.. إلى أين
والراجح أن تتكاتف الجهود الدولية لتحريك عملية التسوية في المنطقة عام 2005.

ويستمد هذا الاستنتاج دعائمه من تأكيد الرئيس الأميركي جورج بوش عقب نجاحه في الانتخابات إنجاز اختراق حقيقي في التوجه نحو الدولة الفلسطينية على الرغم من تقديمه في أبريل/نيسان رسالة ضمانات لشارون تعترف بالتغيرات التي أحدثها الأخير على الأرض الفلسطينية.

ومن جهة أخرى أعلن محمود عباس عن عزمه لتكريس جهوده لاستئناف عملية المفاوضات على أساس الثوابت التي أرساها الرئيس الراحل ياسر عرفات مع رفعه شعار وقف "عسكرة الانتفاضة" الذي أثار جدلاً واسعا في الأوساط الفلسطينية. بينما قررت حركتا حماس والجهاد مقاطعة الانتخابات الرئاسية.

وتنامت الجهود الأوروبية لضخ الدماء في خطة "خريطة الطريق" واعتبار الانسحاب من غزة جزءا منها، وربما ينجح اجتماع لندن للسلام المقرر عقده في مارس 2005 في فتح آفاق جديدة أمامها، وقد جاء الإعلان عنه خلال زيارة توني بلير رئيس وزراء بريطانيا لإسرائيل والأراضي الفلسطينية في ديسمبر/ كانون أول وسط تقديرات  متضاربة.

سوريا تحت المجهر
ومن جهة أخرى أبدت سوريا استعدادها للدخول في مفاوضات مع إسرائيل دون شروط مسبقة. الأمر الذي رفضته تل أبيب واعتبرته محاولة للهروب من الاستحقاقات المطلوبة من دمشق التي تعرضت لضغوط كبيرة بسبب ما يتردد حول دعمها للمقاومة العراقية والفلسطينية واللبنانية.

وكان القرار 1559 الصادر عن الأمم المتحدة في سبتمبر/أيلول مؤشرا على حدوث تغير في الحسابات الدولية تجاه سورية، حيث يشي القرار بالتضامن الدولي مع معظم التوجهات الأميركية بهذا الشأن، خاصة بشأن الانسحاب السوري من لبنان.

وقد شهدت الأروقة السياسية اللبنانية ولا تزال نقاشا حاداً حول هذه القضية بعد دعم سوريا للرئيس اللبناني إميل لحود وتمديد ولايته ثلاث سنوات في أغسطس/آب، ولم تنته تداعياتها إلى اللحظة.

العرب والفضاء الأميريكي الإسرائيلي
وأعطت الإشارات القادمة من مصر نوعا من التفاؤل للفلسطينيين والإسرائيليين لتوفير ضمانات للانسحاب من غزة بعد تخطي الحساسيات التي ظهرت بسبب الأحداث المتفرقة التي وقعت على الحدود المصرية. كما تم تجاوز تداعيات تفجيرات طابا في أكتوبر/تشرين أول التي راح ضحيتها عدد من الإسرائيليين في سيناء.

ومثل الإفراج عن الجاسوس الإسرائيلي عزام عزام في ديسمبر/كانون أول وتوقيع اتفاقية المناطق الصناعية المؤهلة (الكويز) نقلة جديدة لعودة الدفء للعلاقات المشتركة، وفتح الباب أمام اندماج إسرائيل في المنطقة عقب تزايد الاتجاه لتوقيع اتفاقيات للتجارة الحرة معها.

ويبدو أن ميل بعض الدول العربية للتعاون في هذا الفضاء مع كل من إسرائيل والولايات المتحدة سيكون من القضايا المطروحة على أجندة العام الجديد.

فبعد توقيع مصر اتفاقية "الكويز" التي وقعتها الأردن من قبل، قامت الأخيرة بتوقيع اتفاق للتجارة مع إسرائيل تمهيدا لتوقيع آخر مع الاتحاد الأوروبي.

كما كان قيام البحرين بتوقيع اتفاق تجارة حرة مع الولايات المتحدة إحدى القضايا الساخنة التي شهدتها قمة مجلس التعاون الخليجي في ديسمبر/كانون أول بالمنامة بسبب اعتراض السعودية عليه.

وبالتالي يبدو أن الأبعاد السياسية ستكون هي الخلفية التي تتحكم



في المضامين الاقتصادية لهذه النوعية من الاتفاقيات.

المسألة السودانية

وتبقى المسألة السودانية واحدة من القضايا الساخنة التي شهدت ارتباطاً بين أبعادها الداخلية والخارجية، إذ حظيت وحدها خلال العام الماضى بأربعة قرارات دولية تتراوح بين حض الحكومة والحركة الشعبية على توقيع اتفاق سلام بخصوص جنوب السودان، وبين وقف الانتهاكات في دارفور والتلويح بفرض عقوبات على الحكومة السودانية.

وتصاعد الانخراط الأميركي وظهر الاهتمام الأوروبي في التركيز على أزمة دارفور التي أفرزت تعاونا أميركيا أوروبيا لافتاً يعزز من ملامح التنسيق المتدرج في أزمات أخرى.

ويكشف الاهتمام الدولي بالسودان والبحيرات العظمى وسيراليون وساحل العاج ودعم خطوات انتخاب رئيس جديد للصومال في أكتوبر/تشرين الأول بنيروبي عن بوادر لتجفيف منابع الصراعات الأفريقية لضمان نجاح إجراءات الإصلاح المزمع تطويرها، وخلق نواة للتعاون الدولي تقوم على تكامل أدوار قواه الرئيسية لا تنافسها.



وعلى هذا الملمح ستظهر معظم مكوناته خلال العام الجديد.
___________________
باحث وصحفي بجريدة الأهرام - مصر

المصدر : غير معروف