تميز المشهد الثقافي عام 2004 بحلول العالم العربي في مطلع أكتوبر/تشرين الأول ضيفا على العالم من خلال معرض فرانكفورت الدولي للكتاب في محاولة لتقديم صورة إيجابية عن الثقافة العربية الإسلامية خاصة أمام الحملة الإعلامية الشرسة التي تواكب  الحرب على ما يسمى "الإرهاب".
 
وكان هذا الحدث مثار سجال في أعمال القمة العربية التي أجلت ثم انعقدت في تونس في مارس/آذار الماضي حيث أصر الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى على إدراج قضية معرض فرانكفورت على جدول القمة رغم معارضة بعض وزراء الخارجية العرب.
 
وقد اختلف تقييم المشاركة العربية في معرض فرانكفورت خاصة أن بعض الدول غردت خارج السرب وشاركت في المعرض بشكل منفرد، فيما فضلت أخرى ألا تشارك في المعرض الذي يعتبر أكبر فعالية ثقافية عالمية من نوعها لتبادل الأفكار وحوار الثقافات.
 
عبد الرحمن منيف في ذاكرة الأدب العالمي 
منيف وآخرون
على صعيد آخر خيم الحزن على البيت الثقافي العربي بوفاة عدد من كتابه الكبار. ففي أواخر يناير/كانون الثاني رحل واحد من أكثر الأصوات الروائية العربية عمقا وأطولها نفسا ممثلا في الكاتب عبد الرحمن منيف (71 عاما) الذي حفر اسمه في ذاكرة الأدب العالمي بخماسية "مدن الملح".

ولد منيف عام 1933 في عَمان لأب سعودي وأم عراقية، وتنقل بين الأردن والعراق ومصر ويوغسلافيا ولبنان للدراسة والعمل قبل أن ينتهي به المطاف في سوريا. وقد أسقطت عنه السعودية جنسيتها لما اعتبرتها مواقف معادية لها.

إضافة إلى الخماسية التي ترجمت إلى لغات عالمية عدة، خلف منيف متنا روائيا غنيا تحتل فيه ثلاثية "أرض السواد" مكانة خاصة إلى جانب أعمال أخرى منها "شرق المتوسط" و"الآن هنا .. أو شرق المتوسط مرة أخرى" و"الأشجار واغتيال مرزوق" و"قصة حب مجوسية" و"سباق المسافات الطويلة" و"عالم بلا خرائط" مع الراحل جبرا إبراهيم جبرا.

كما فقدت الساحة الأدبية العربية هذا العام الكاتب والمفكر التونسي محمود المسعدي (93 عاما) الذي اشتهر في العالم العربي برواية "حدث أبو هريرة قال" (1973) إضافة إلى أعمال أخرى ترجمت إلى لغات عالمية عدة من بينها "السد" (1955) و"مولد النسيان" (1974) و"ثم على انفراد" (1972).

كما غيب الموت الشاعر والكاتب السوري ممدوح عدوان (63 عاما) بعد مشوار إبداعي تنقل فيه بين الشعر والمسرح والرواية والنقد والترجمة والصحافة. 

كتب عدوان نحو 20 عملا مسرحيا من أبرزها "الرجل الذي لم يحارب" ونحو 20 مجموعة شعرية منها "الظل الأخضر"، وله أيضا العديد من الروايات كان آخرها رواية "أعدائي" عام 2002.

جاك دريدا، أحد أكبر رموز الفكر الفرنسي (أالفرنسية-أ)

دريدا وساغان
وقبل نحو ثلاثة أشهر توفيت الروائية الفرنسية فرانسواز ساغان التي اشتهرت في وقت مبكر من حياتها عندما نشرت في سن الثامنة عشرة روايتها الأولى "مرحبا أيها الحزن" في 1954 باسم مستعار اختارته من كتاب للكاتب الفرنسي مارسيل بروست.

كتبت ساغان أكثر من 20 رواية ومسرحية، لكن التاريخ سيخلدها باعتبارها كاتبة رواية "مرحبا أيها الحزن" التي صارت من أشهر الروايات في القرن العشرين وترجمت إلى 22 لغة في خمس سنوات.

في المجال الفلسفي توفي هذا العام جاك دريدا أحد  آخر كبار رموز الفكر الفلسفي بفرنسا والعالم، بعد أن كرس مسيرته الأكاديمية لتقعيد وتطبيق النظرية التفكيكية وللانخراط في كبريات السجالات السياسية.

وظل دريدا -الذي ترك وارءه نحو 80 كتابا أشهرها "الكتابة والاختلاف"- يعتبر نفسه المدافع الأخير عن اللغة الفرنسية.

كما فقدت الساحة الفكرية الفرنسية والعربية المستشرق ماكسيم رودنسون الذي عرف بدراسته للإسلام من وجهة نظر ماركسية واشتهر بكتابه "محمد" (1961)  الذي قدم فيه قراءة ماركسية موثقة لحياة الرسول صلى الله عليه وسلم.

الأيرلنديون يحتلفون بمئوية يوم بطل رواية "عوليس" لجيمس جويس (الفرنسية-أرشيف)

احتفالية جويس
في مقابل الموت كانت الاحتفالية سمة مميزة للمشهد الثقافي العالمي حيث خلدت أيرلندا ونحو 40 دولة من كوريا الجنوبية إلى النرويج في 16 يونيو/حزيران ذكرى مرور مائة عام على اليوم الذي تبدأ فيه أحداث رواية عوليس (Ulysses) الأيرلندي جيمس جويس, والمعروف في العالم بـ"يوم بلوم" تمجيدا لليوبولد بلوم الشخصية الرئيسية في الرواية.

في هذه الاحتفالية جلس عشرات الآلاف من عشاق أدب جويس في شوارع العاصمة الإيرلندية دبلن وتناولوا إفطارا مثل ذلك الذي كان بلوم يطهوه لنفسه في بداية الرواية. ثم أدى عشرات الممثلين أمام مركز جيمس جويس بوسط دبلن مشاهد من الرواية أمام الجمهور.

وأسدل الستار عن الحركة الثقافية بمنح الأكاديمية السويدية جائزة نوبل للآداب لعام 2004 للكاتبة النمساوية إلفريدي يلينيك وذلك تقديرا منها لما يعج به إنتاجها من "فيض موسيقي للأصوات وأصوات مضادة".
 
أفلام مثيرة
سينمائيا تميز 2004 بالجدل الذي أثاره فيلم "آلام المسيح" للمخرج الأسترالي ميل جيبسون والذي يتحدث عن وفاة المسيح باللغة الآرامية واللاتينية. وقد زعم بعض قادة اليهود أن الفيلم معاد للسامية لأنه يشير إلى أن اليهود مسؤولون بشكل جماعي عن موت المسيح. في حين رحبت مجموعات دينية مسيحية بحرصه على الدقة في عرض الأحداث.
 
كما سجلت السينما العالمية خلال 2004 عودة قوية للفيلم الوثائقي من خلال فهرنهايت 11/9 للمخرج الأميركي مايكل مور الذي حمل فيه بشدة على الرئيس بوش وإدارته في البيت الأبيض وحملهما مسؤولية هجمات 11 سبتمبر/أيلول عام 2001.
 
وقد خلف الفيلم جدلا عالميا بلغ أوجه بحصول الفيلم على السعفة الذهبية في مهرجان كان السينمائي الدولي، وحقق عائدات كبيرة لكنه حرم من المنافسة على جوائز الأوسكار وعرض على شاشات التلفزيون للاقتراب من جمهور واسع.
 
ولم يستثن الموت عالم السينما إذ رحل متمرد هوليوود مارلون براندو (80 عاما) الذي كان أحد أعظم الممثلين الأميركيين في القرن العشرين بفضل أدواره في أفلام مثل "العراب" و"على الواجهة المائية" و"الشرس" التي حاز بها جائزة الأوسكار وتحول لشبه أسطورة لدى عشاق الفن السابع.
 
ومن اللحظات القوية لهذا العام السينمائي كان فيلم "غرفة التحكم" للمخرجة الأميركية ذات الأصل العربي جيهان نجيم مناسبة لطرح قضية تناول الإعلام الدولي للقضايا الكبرى.
 
ويظهر الفيلم الذي حاز جوائز عدة الاختلاف في كيفية تغطية الحرب على العراق بين قناة الجزيرة وتصريحات المصادر الرسمية الأميركية. ويعرض الفيلم حاليا في عدد من الدول العربية بعد أن عرض في القاعات الأميركية والأوروبية.
 

مسلحون يسطون على لوحة "الصرخة" بأوسلو (الفرنسية-أرشيف)

احتفالات وسرقة
في مجال الفن التشكيلي احتفل العالم طوال 2004 بالذكرى المئوية لولادة الفنان الإسباني سلفادور دالي (1904-1989) بمعارض وندوات بإسبانيا وإيطاليا وأميركا قدمت فيها رسوم وصور فوتوغرافية ومخطوطات وأفلام تبرز تعاطي دالي مع موضوعات محتلفة.
 
وكانت شخصية دون كيشوت -وهو بطل رواية الكاتب الإسباني سيرفانتيس كتبها في القرن السابع عشر وتحكي قصة رجل تنتابه أوهام عصر الفروسية- التي استحوذت على حيز كبير من مخيلة دالي, موضوع معرض كبير بمتحف لا بيرا (كاتالونيا).
 
كما تابع العالم هذه العام بلهفة عملية بيع لوحة "الصبي يدخن الغليون" للفنان الإسباني بابلو بيكاسو  بمبلغ قياسي في عالم الفن التشكيلي، إذ أصبحت في 6 مايو/أيار أغلى تحفة تباع في مزاد علني بـ104 ملايين دولار لدى مؤسسة سوثبي للمزادات في نيويورك.
 
بهذا المبلغ حطمت لوحة بيكاسو الرقم القياسي السابق الذي كان في لوحة "صورة الدكتور غاشيه" لفنسانت فان غوخ التي بيعت بـ82.5 مليون دولار يوم 15 مايو/أيار 1990.
 
في مقابل هذين الحدثين الاحتفاليين ساد الحزن في الأوساط الفنية العالمية إثر إقدام مسلحين ملثمين في 23 أغسطس/آب على سرقة اثنتين من أجمل لوحات رائد الحركة التعبيرية الرسام النرويجي إدفارد مونش من متحف أوسلو إحداهما رائعته "الصرخة" والأخرى "عذراء".
 
وأفاد شهود بأن عملية السطو استغرقت أقل من دقيقة ولم تتخللها أي طلقة نارية أو إنذار، ولاذ بعدها المسلحان بالفرار في سيارة سوداء كان شخص ثالث ينتظرهما في داخلها.
 
رسم مونش (1863-1944) لوحته "الصرخة" وهي زيتية عام 1893، وتعتبر هذه اللوحة التعبيرية تجسيدا حديثا للقلق وقد تصل قيمتها حسب تقديرات وسائل الإعلام النرويجية إلى ثمانين مليون دولار.



_______________
الجزيرة نت

المصدر : غير معروف