فينود توماس

فينود توماس

المدير العام السابق للتقييم المستقل في البنك الدولي

كان إعصار فلورنسا، الذي ضرب جنوب شرق الولايات المتحدة الأسبوع الفائت، هو الأحدث في سلسلة من أحداث الطقس السيئة التي تسببت في رفع مستوى التوقعات في التأهب لمواجهة الكوارث. ومع تزايد وتيرة تكرار حدوث العواصف الشديدة، تستجيب السلطات في مختلف أنحاء العالَم بتحديث أنظمة الإنذار المبكر، وخطط الإخلاء المحسنة، وإستراتيجيات الإيواء الأكثر استباقية.

لكن هذا اليوم يقترب بسرعة عندما تصبح شدة الحرائق، وموجات الجفاف، والعواصف التي تتفاقم بفِعل الانحباس الحراري الكوكبي أعظم كثيرا من قدرتنا على الاستجابة. والواقع أن الحجة لصالح الحد من الانبعاثات من غاز ثاني أكسيد الكربون -وإبطاء معدل ارتفاع درجات الحرارة الناجم عن أنشطة بشرية- تزداد قوة مع كل كارثة جديدة. والحل واضح: يتعين علينا أن ننتخب قادة يأخذون تغير المناخ على محمل الجد. في الولايات المتحدة، تأتي الفرصة التالية لاختيار أمثال هؤلاء القادة مع انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأميركي في نوفمبر/تشرين الثاني.

لقد مرت ثلاثة عقود من الزمن منذ حذر العالِم السابق في وكالة ناسا للفضاء جيمس هانسن لأول مرة "وبدرجة عالية من الثقة" من أن الأنشطة البشرية تعمل على زيادة درجة حرارة كوكب الأرض. ولكن مع ذلك، ولأن قِلة من الناس اهتموا بتحذيراته آنذاك، يدفع الجميع الثمن الآن.

لقد مرت ثلاثة عقود من الزمن منذ حذر العالِم السابق في وكالة ناسا للفضاء جيمس هانسن لأول مرة "وبدرجة عالية من الثقة" من أن الأنشطة البشرية تعمل على زيادة درجة حرارة كوكب الأرض. ولكن مع ذلك، ولأن قِلة من الناس اهتموا بتحذيراته آنذاك، يدفع الجميع الثمن الآن

ففي الأشهر التسعة الأولى من عام 2018، شهد العالَم من أحداث الطقس "التاريخية" ما قد يكفي لحياة كاملة، من حرائق الغابات الناجمة عن الجفاف في الغرب الأميركي، واليونان، والسويد، إلى الفيضانات في هاواي، وجنوب الهند، وأماكن أخرى في جنوب آسيا. وبينما كان إعصار فلورنسا يمزق ولايتي كارولاينا الشمالية وكارولاينا الجنوبية، كان إعصار مانغ خوت الاستوائي يغمر الفلبين وجنوب الصين.

في حين جاءت تحذيرات هانسن عندما كان عِلم المناخ لا يزال في مهده، فقد نجح العلماء اليوم في توصيل النقاط بين انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، وتغير المناخ، وأحداث الطقس القاسية. على سبيل المثال، تمكن الباحثون من الربط بين الانحباس الحراري الكوكبي وموجات الحر الشديدة ــ كتلك التي ضربت ولاية كاليفورنيا، والصين، واليابان، وكوريا الجنوبية. كما ربطت البيانات بين شدة الأعاصير في جنوب الولايات المتحدة والمياه الأكثر دفئا في خليج المكسيك. وقد جلب الإعصار هارفي، الذي ضرب ولاية تكساس وغيرها من المناطق في عام 2017، خمسين بوصة من الأمطار في بعض الأماكن.

من المؤكد أن التخطيط للكوارث لا يزال ينقذ الأرواح. ففي هيوستن، كانت السلطات مستعدة لاستقبال إعصار هارفي، بسبب الدروس المستفادة من إعصار كاترينا، الذي دمر ولاية نيو أورليانز في عام 2005، والذي تسبب في وفاة 1833 شخصا، في حين قُتِل 88 شخصا على الأقل أثناء إعصار هارفي.

وكان تأثير الدروس المستفادة في الهند أكثر إبهارا. ففي أكتوبر/تشرين الأول من عام 2013، جرى تنبيه سكان ولاية أوديشا في وقت مبكر إلى وصول إعصار فايلين. وعدما وصلت العاصفة إلى اليابسة، كان العديد من الناس جرى إجلاؤهم بالفعل. ورغم أن إعصار فايلين حصد أرواح 45 شخصا، فإن عاصفة بنفس القوة ضربت نفس المنطقة قبل 14 عاما قتلت عشرة آلاف شخص.

ومع ذلك فإن جهود إدارة الطوارئ سوف تظل تناضل لمجاراة وتيرة الدمار الذي يجلبه تغير المناخ، نظرا لانفصال بالغ الخطورة بين المعرفة والعمل، حتى على الرغم من تراكم الأدلة العلمية. على سبيل المثال، لا يزال العديد من المستشارين الاقتصاديين يرون أن حلول تغير المناخ تعوق النمو ولا تدعمه -على الرغم من حقيقة مفادها أن الحلول المنخفضة الكربون تخلق فرصا استثمارية ووظائف جديدة.

رغم أن قضايا محلية ربما تحتل مركز الصدارة في أذهان الناخبين، فإن إعصار هارفي، وإعصار فلورنسا، وغير ذلك من أحداث الطقس السيئة التي تجعل الانحباس الحراري الكوكبي قضية محلية وتضعها بشكل مباشر على ورقة الاقتراع

ويعزف صناع السياسات بنفس القدر عن تأييد أي تغييرات حقيقية- مثل فرض الضرائب على الكربون أو إلغاء إعانات دعم الوقود الأحفوري. ويرى القادة في أغلب الدول أن الوضع الراهن أكثر أمانا من الناحية السياسية. وحتى تقارير الأحوال الجوية على شاشات التلفزيون تمتنع عادة عن ذِكر تغير المناخ باعتباره سببا أساسيا للظواهر الجوية الشديدة القسوة.

لكن الفجوة تُصبِح أشد وضوحا على مستوى السياسات، وخاصة في الولايات المتحدة. فمع مرور الاستجابة الدولية لتغير المناخ بمرحلة بالغة الأهمية، تضع إدارة ترامب اقتصاد الولايات المتحدة على مسار يقود إلى انبعاثات أعلى من ثاني أكسيد الكربون من خلال إبطال حدود الانبعاثات المفروضة على محطات الطاقة التي تعمل بإحراق الفحم، وتشجيع زيادة إنتاج الوقود الأحفوري، وإلغاء الدعم المخصص لطاقة الرياح والطاقة الشمسية.

كل هذا يجافي أي منطق اقتصادي. وما يزيد الطين بلة أن التخفيضات المقترحة من قِبَل البيت الأبيض لهيئة الأرصاد الجوية الوطنية، وتخفيف الضوابط التنظيمية البيئية والخاصة بتقسيم المناطق، من شأنه أن يزيد من عرقلة جهود إدارة الكوارث.

باعتبارها المصدر الأكبر لانبعاثات ثاني أكسيد الكربون قياسا على نصيب الفرد، فإن الولايات المتحدة تتحمل مسؤولية فريدة عن المساعدة في التصدي للتحدي المتمثل في تغير المناخ. وهي المسؤولية التي يتحملها الناخبون الأميركيون أيضا. فعندما يذهبون إلى صناديق الاقتراع في نوفمبر/تشرين الثاني، يتعين عليهم أن يدرسوا سياسات المرشحين في التعامل مع تغير المناخ.

ورغم أن قضايا محلية ربما تحتل مركز الصدارة في أذهان الناخبين، فإن إعصار هارفي، وإعصار فلورنسا، وغير ذلك من أحداث الطقس السيئة التي تجعل الانحباس الحراري الكوكبي قضية محلية وتضعها بشكل مباشر على ورقة الاقتراع.

المصدر : بروجيكت سينديكيت