عبد الستار قاسم

عبد الستار قاسم

كاتب وأكاديمي فلسطيني

اتفق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الأميركي دونالد ترامب على ضمان أمن الكيان الصهيوني في اجتماعهما الأخير بهلسنكي الفنلندية؛ فقد ردد الرئيس الأميركي موقف بلاده التقليدي الضامن لأمن الكيان الصهيوني، في حين أكد الرئيس الروسي على الالتزام باتفاقية فصل القوات بين سوريا والكيان عام 1974.

أي أن الطرفين أكدا أمن الصهاينة من حيث إن اتفاقية عام 1974 كانت اتفاقية أمنية تحرص على الأمن الصهيوني، كبقية الاتفاقيات بين العرب والصهاينة.

لم يتحدث أي من الطرفين عن أمن الشعب الفلسطيني الذي يتعرض كل يوم لاعتداءات وحشية من قبل الصهاينة. كيف يفعلون وهذا العالم يرى في الطائرات الغزية الورقية طائرات إرهابية بينما طائرات "أف 35" طائرات دفاعية إنسانية؟ وفي هذه المواقف ما يؤكد للشعب الفلسطيني أن أمنه هو ما يصنعه لنفسه من أمن.

نجاح دعاية إسرائيل
نجح الكيان الصهيوني في إقناع العالم بأن أمنه مهدد لأن الأعداء -وهم العرب- يحيطون به من كل جانب، وهم يبنون الجيوش الجرارة ويتسلحون لإزالة الدولة عن الأرض. كما أقنعهم بأن الفلسطينيين إرهابيون، وهم يواصلون القيام بنشاطات أمنية وعسكرية ضد دولته بهدف النيل منها والقضاء عليها.

لقد نجحت إسرائيل في إقناع العالم بأنها ليست هي التي تحتل فلسطين، وإنما يحاول الإرهابيون الفلسطينيون القضاء عليها، وهي الدولة الوحيدة في المنطقة العربية التي تعتنق الديمقراطية، وتتمسك بالمعايير العلمية والحضارية والأخلاقية.

وهناك دول عديدة كانت مع الحق الفلسطيني وكانت ترى في الصهاينة كيانا استعماريا معتديا، لكنها لم تعد كذلك الآن؛ إذ أصبحت من أشد المدافعين عن أمن الصهاينة وحقهم في دولتهم التي يجب أن تتلقى الرعاية والحماية.

نجح الكيان الصهيوني في إقناع العالم بأن أمنه مهدد لأن الأعداء -وهم العرب- يحيطون به من كل جانب، وهم يبنون الجيوش الجرارة ويتسلحون لإزالة الدولة عن الأرض. كما أقنعهم بأن الفلسطينيين إرهابيون، وهم يواصلون القيام بنشاطات أمنية وعسكرية ضد دولته بهدف النيل منها والقضاء عليها. لقد نجحت إسرائيل في إقناع العالم بأنها ليست هي التي تحتل فلسطين، وإنما يحاول الإرهابيون الفلسطينيون القضاء عليها


وهناك على المستويات الشعبية من يرى في الصراع الدائر صراعا بين إرهابيين فاسقين يكرهون أنفسهم، والصهاينة الذين يتبنون المعايير الإنسانية ويطبقونها فعلا على الأرض.

استدخل العديد من البلدان العربية فكرة أمن الصهاينة، وأصبحت لديها مجسّات خاصة تعرف من خلالها ما يمس الأمن الإسرائيلي وما لا يمسه. والعديد من العرب باتوا يعلمون كيف يقيمون ما يؤذي أمن الصهاينة وما لا يؤذيه، ولم يعودوا بحاجة لمن يطلب منهم المحافظة على ذلك الأمن.

أي أنهم أصبحوا مجندين استدخاليا لخدمة الأمن الصهيوني، وتجنب كل الإجراءات والنشاطات التي يمكن أن تثير حفيظة إسرائيل أمنيا. وهذا ينطبق على بعض الفلسطينيين الذين ينسقون أمنيا مع الصهاينة.

إنهم يعرفون التصرفات الميدانية والإعلامية والتعليمية والتربوية التي يمكن ألا تنسجم مع متطلبات الأمن الإسرائيلي، فيحجمون عن القيام بها. وقد تجند عشرات الآلاف من الفلسطينيين للتنسيق أمنيا مع الصهاينة بموجب الاتفاقيات التي تم توقيعها بين الفلسطينيين والصهاينة.

ولا يبرئ أحد نفسه من هذا الأمر لأن كل الذين انتسبوا للأجهزة الأمنية الفلسطينية يعون مسبقا أن هناك تنسيقا أمنيا، وأنه قد يطلب منهم يوما القيام بمهام تخدم الأمن الإسرائيلي.

وعلى المستوى الشعبي؛ استدخل العديد من الناس على الساحتين العربية والفلسطينية أهمية الأمن الإسرائيلي، فباتت لديهم مشاعر مرهفة حول ما يؤذي أمن إسرائيل وما لا يؤذيه. أي أن الشعور بأهمية الأمن الإسرائيلي بات يتفوق على الشعور بأهمية الأمن العربي أو الفلسطيني.

إذن؛ لا مانع من قتل العرب والفلسطينيين لأن ذلك دفاع عن النفس، أما قتل اليهود فهو إرهاب.. وللصهاينة الحق في الانتقام والتدمير والتخريب.

روسيا وأمن إسرائيل
أوضحتُ -في مقال سابق منشور على الجزيرة نت- موقف روسيا من أمن إسرائيل ومن هيمنتها العسكرية على المنطقة. وأكرر هنا أن روسيا ترى ضرورة مراعاة المتطلبات الأمنية الإسرائيلية، وأن أمن إسرائيل يشكل مفتاحا حيويا لإقامة سلام في المنطقة.

إن الأولوية في إقامة السلام ليست الحقوق الوطنية الثابتة للشعب الفلسطيني، وإنما أمن إسرائيل. ولهذا على شعب فلسطين وفصائله ألا يراهنوا على موقف روسي لصالحهم، دون أن يعني ذلك العزوفَ عن التواصل والحوار مع الروس. لقد سبق للعرب أن أقنعوا الاتحاد السوفياتي بالحقوق الوطنية، وليس عسيرا عليهم الآن أن يكافحوا من أجل تحقيق تحولات في الموقف الروسي.

لم ينبس الرئيس الروسي بكلمة واحدة عن حصار غزة والحقوق الفلسطينية، ولم يجد في جعبته سوى التزام سوريا باتفاقية فض الاشتباك، وعودة الجيش السوري إلى النقاط التي كان يتمركز فيها قبل الأحداث الدموية في سوريا.

الأولوية في إقامة السلام ليست الحقوق الوطنية الثابتة للشعب الفلسطيني، وإنما أمن إسرائيل. ولهذا على شعب فلسطين وفصائله ألا يراهنوا على موقف روسي لصالحهم، دون أن يعني ذلك العزوفَ عن التواصل والحوار مع الروس. لقد سبق للعرب أن أقنعوا الاتحاد السوفياتي بالحقوق الوطنية، وليس عسيرا عليهم الآن أن يكافحوا من أجل تحقيق تحولات في الموقف الروسي


كما أن الرئيس الروسي لم يأت على ذكر أي ترتيبات تم الاتفاق عليها مع الصهاينة بشأن الوجود العسكري الإيراني في سوريا. هناك شكوك كبيرة حول الموقف الروسي من الوجود العسكري الإيراني في سوريا، وصمته عن الموضوع يعزز تلك الشكوك.

من الوارد أن روسيا قد وافقت -على الأقل- على جزء من المطالب الإسرائيلية الخاصة بسوريا، لكننا لم نعرف بعدُ أي تفاصيل، وتبقى كل المحادثات التي دارت مع بنيامين نتنياهو طي الكتمان.

ومن الجدير ذكره أن نتنياهو لم يتحدث حول التطورات الأخيرة سوى أنه قال إن أمن إسرائيل يبقى أولوية، ولو هددت التطورات الأخيرة بشأن تقدم الجيش السوري في محافظة القنيطرة أمن الصهاينة لما وجدنا نتنياهو يمارس أعماله الاعتيادية كرئيس وزراء، ولرأيناه يستقل الطائرة من جديد إلى موسكو.

كم من مرة قام نتنياهو بزيارة موسكو، وكم من مرة قام محمود عباس بزيارة واشنطن. دأب نتنياهو على زيارة موسكو لإقناع الروس بوجهة النظر الإسرائيلية وبمتطلبات إسرائيل الأمنية. لقد كان حريصا على مصلحة دولته، ودائما لديه الاستعداد للترحال من أجل تحقيق مصالحها.

أما عباس فأكثر من زياراته العبثية لواشنطن؛ زيارة واشنطن عبثية لأنها -في العادة- تنطوي على أوامر للسلطة الفلسطينية، وتوجيهات تخص رعاية الأمن الإسرائيلي. وفي كل مرة كان مسؤول فلسطيني في واشنطن، كنا نلمس النتائج السلبية لهذه الزيارة.

حرص نتنياهو على تطوير علاقات مع الصين والهند وهما دولتان عظيمتان، واستمالتهما مهمة جدا. حقق نتنياهو نتائج حيوية وهامة لصالح إسرائيل في بكين ونيودلهي، علما بأن العاصمتين كانتا صديقتين للشعب الفلسطيني ومناصرتين للحقوق الوطنية الثابتة للشعب الفلسطيني، لكن القيادات الخائبة لا تحقق غير الخيبة.

فهل اتفاقية أوسلو وما تبعها من اتفاقيات تنطوي على تعليمات بخصوص العلاقات الخارجية، أم إن العقل القيادي الفلسطيني استوعب المتطلبات الإسرائيلية فالتزم بها؟

في الساحة العربية؛ المخابرات العربية أنجزت سلوكا جماهيريا مهما أراحها كثيرا من الملاحقات الفردية للمواطن العربي. لقد أوقعت في قلب المواطن الرعب إلى درجة أنه أصبح هو مخابرات على نفسه، فلا يتجاوز الخطوط الحمر التي يظن أنها مخابراتية. وبدل أن تجند أجهزة الأمن المزيد من الجواسيس، اكتفت بأعداد المواطنين الهائلة التي أصبحت جواسيس ذاتية بدون رواتب.

هكذا حصل مع السلطة الفلسطينية؛ إذ أصبحت تعرف خطوطها ورغبات الصهاينة، ولا مانع من القيام بأعمال إضافية تؤكد الالتزام بالمتطلبات الصهيونية وما يسمى حسن النوايا. والعلاقات مع دول العالم تقع ضمن هذه الخانة من التردد والامتناع.

المصدر : الجزيرة