محمد الجوادي

محمد الجوادي

كاتب ومؤرخ وأستاذ طب مصري

يكاد الباحثون المعاصرون في علم الاجتماع السياسي يتجاوزون ما يؤمنون به -بحكم دراستهم للاجتماع- عندما يعالجون قضية الهوية السياسية لنظام من النظم السياسية، التي تحاول فرض رؤية ما على مجتمع عرف طريق الاستقرار عبر هويته التي ميزته وتميز بها.

أبدأ بأن أضرب مثلا صارخا لهذا التناقض قبل أن أتدبر احتمالات نجاحه في أحوال محددة. وهذا المثل الصارخ يطرح نفسه بالسؤال عن إمكانية تطبيق الشيوعية أو الأخذ بالنظام الشيوعي في الولايات المتحدة الأميركية؟ والإجابة معروفة إذا كنا نتحدث عن الحقبة التي ننتمي إليها زمنيا الآن أي في 2018؛ ولكن هل يمكن أن تختلف الإجابة لو كنا نتحدث عن 1918 أو 1917؟

هل كان من الممكن أن تنجح ثورة شيوعية في الولايات المتحدة فتتولى الحكم وتنهي وجود طبقة الرأسماليين الكبار، وتستولي على ممتلكاتهم وتعيد توزيع الثروة، وتمكّن للعمال من مفاصل الدولة وقرارتها، وتستغني عن نظام الحزبين بتنظيم سياسي واحد لا يقبل بالتعددية ولا بتداول السلطة، وتخرج ملكيات الأراضي الزراعية من أيدي أصحابها إلى نظام التعاونيات أو السوفيات.. إلخ.

لست أبالغ إذا قلت بالتأثير المنفرد لثورة المعلومات التي لم تكن في بداية التسعينيات من القرن الماضي قد وصلت إلى ما وصلت إليه الآن من سطوة مطلقة؛ وقد دخل هذا التأثير إلى الحياة السياسية من زاوية الوعي، وهي زاوية شبيهة بنافذة الشمس المشرقة التي تغمر المساحات الكبيرة بالضوء مهما كانت النافذة صغيرة


ومع أننا لن نعدم من يكابر فيقول إن هذا كان ممكنا؛ فإننا نستطيع أن نتصور حقيقة أن الاحتمال نفسه لم يكن واردا، لأن الشيوعية كانت تقدم نفسها باعتبارها حلا لمشكلة أو مجموعة من المشكلات، بينما لم تكن الولايات المتحدة تعاني من أي من تلك المشكلات.

هناك دليل موازٍ من تاريخ الأدب وهو أننا لا نجد في أدباء أميركا مَنْ يناظر سلوك ليو تولستوي في نزعته الإنسانية تجاه الفلاحين العاملين في أرضه؛ ذلك أن بنية علاقات العمل بالأراضي الزراعية الأميركية كانت مختلفة تماما، كما كانت بعيدة عن أن تؤسس لوجود ما يسمى طبقة عمال الزراعة حتى وإن كان هناك عبيد للحقل.

أنتقل بالكاميرا التسجيلية إلى إقليم الصعيد أو الوجه القبلي في مصر، لنكتشف بوضوح أن الموروثات (التي يمكن من دون مبالغة وصفها بأنها مورثات جينية) تمنع أبناء الصعيد من قبول العمل في مهن معينة، رغم احتياجهم المادي للدخل الذي تؤمنه هذه الوظائف، وخاصة في ظل ارتفاع معدلات الفقر إذا ما قورنت بمعدلاته في الوجه البحري. لكن الموروثات تُلزم أصحابها باختيارات معينة واقتناعات محددة فيما هو متاح وقتيا أو مكانيا من فرص العمل.

وأنتقل مرة ثالثة إلى سؤال كاشف عن السر فيما حدث لميراث الحرب العالمية الثانية الذي انتهى بتكوين ما نعرفه من الدول والجمهوريات، ثم إذا بنهاية الحرب الباردة -أو ما واكب نهاية الحرب الباردة- يقدم صورة لم تكن متوقعة من التناقض في تحقيق الذات ما بين الاندماج والتفتيت.

فقد اتّحدت الدولتان الألمانيتان بسهولة، في حين انفرطت يوغسلافيا بإجراءات متعاقبة إلى سبع دول متمايزة بتلقائية متتابعة، ولم تفلح ترسانات الأسلحة ولا مؤامرات الدبلوماسية في إيقافها ولا في تغيير مسارها.

وهنا كان من الواضح لكل ذي عينين أن كل الأوهام التي عاشها الدكتاتور "العادل"! جوزيف بروز تيتو -و"عيّشها" مواطنيه بالحديد والنار- تبخرت في درجة الحرارة العادية، ولم تكن بحاجة إلى درجة من درجات الحرارة الخاصة بأفران الحديد.

وإذا سألتني عن السبب الأول الذي جعل الأمور تسير في هذا الاتجاه فلن أكابر بأي قول أيديولوجي، ولكنني سأعترف بالسبب الحقيقي الذي أفنى غيري عمرَه دون أن يعترف به وهو مردود ثورة المعلومات.

لست أبالغ إذا قلت بالتأثير المنفرد لهذه الثورة التي لم تكن في بداية التسعينيات من القرن الماضي قد وصلت إلى ما وصلت إليه الآن من سطوة مطلقة؛ وقد دخل هذا التأثير إلى الحياة السياسية من زاوية الوعي، وهي زاوية شبيهة بنافذة الشمس المشرقة التي تغمر المساحات الكبيرة بالضوء مهما كانت النافذة صغيرة.

عاش المفكرون المعادون لحصرية السلطة قرونا طويلة يبحثون عن نافذة في جدران الطغيان، إلى أن جاء عصر المعلومات ففتح لهم بدلا من النافذة الواحدة نوافذ تستعصي على العدّ


وقد عاش المفكرون المعادون لحصرية السلطة قرونا طويلة يبحثون عن نافذة في جدران الطغيان، إلى أن جاء عصر المعلومات ففتح لهم بدلا من النافذة الواحدة نوافذ تستعصي على العدّ.

مرة رابعة أنتقل بالكاميرا التسجيلية إلى وضع مقلوب الاتجاه، وهو الوضع الذي أتيح فيه لطفرات الثروة البترولية أن تساعد بعض الدول على أن ترسم حدود الحياة الاجتماعية، بما يحفظ للدولة الكبيرة أكبر قدر من الاستقرار الاجتماعي والفكري بناء على أسس علمية (لم تمانع في أن تصف نفسها من باب البراغماتية الذكية بأنها ملتزمة بالشريعة).

وقد وصل الأمر -في هذه البيئات- إلى حد توصية الخبراء الاجتماعيين الأميركيين المتمرسين بالحرص على تعويق الظروف المتهيئة لقيام أو انتعاش طبقة عاملة وطنية فيها، وذلك بالاعتماد التام على العمالة الوافدة في كل مجمعات الصناعة الكبيرة.

كما وصل الأمر إلى الحرص على التقليل التام لوسائل المواصلات العامة، مع تسهيل ازدهار تملُّك وتشغيل وتموين واستبدال السيارات الخاصة، وقد امتد التقليل من وسائل المواصلات العامة إلى السكك الحديدية التي تأجل دخول عصرها حقبة بعد حقبة إلى أن اقتضت الظروف دخولها.

لم تتوقف النصائح الذهبية للخبراء الأميركيين عند هذين النطاقين، وإنما امتدت إلى ما قد لا يتصوره المراقبون من الحرص على تقليل خطوط الاتصالات السلكية إلى أقصى حد ممكن، مع تعسير الإفادة منها بحيث لم يتناسب النمو فيها مع طفرات التقدم التكنولوجي والمعيشي التي شهدتها تلك الدولة الكبيرة.

وقد كانت مثل هذه السياسات المتحكمة في الحد من انتشار الاتصالات السلكية ممكنة وقابلة للتمرير بل وللقبول بها، فلما جاءت إحدى مراحل ثورة المعلومات متمثلة في الهواتف الخليوية انهارت هذه السياسات القديمة، من دون أن تترك آثار انهيارها على الأرض وإنما تبخرت هذه الآثار في الفضاء لا في الهواء فحسب، على نحو ما وصفنا به ما حدث في تجربة جوزيف بروز تيتو.

أعود بالكاميرا التسجيلية مرة خامسة إلى نطاق محدود، هو نطاق السياسات الإدارية المنظمة لإحدى الخدمات الاجتماعية العامة في عالمنا المعاصر، حيث يستطيع القارئ أن يدرك بسهولة أن كل الأيديولوجيات الحاكمة لنظم التأمين الصحي والمفتونة بتجربة الولايات المتحدة (وهي غير كاملة التغطية للمجتمع) سرعان ما فشلت تماما.

وذلك في حين نجحت واستمرت التجارب المستلهمة من النظامين البريطاني والفرنسي، اللذين يمثلان تعبيرا مخلصا عن روح العدالة الاجتماعية كما يفرضها الدين الإسلامي ويدعمها، بعيدا عن نظريات شراء الخدمة وتأليف الخدعة وإفساد الذمة التي واكبت التطبيق المتعجل لنظريات راقت لعيون مهنيين من أصحاب القرار، فظنوا أن بإمكانهم الانتقال (ولا نقول ما يقولونه من لفظ الارتقاء) إلى هوية تتناسب فقط مع تصوراتهم القاصرة والمحدودة للمستقبل.

التكوين العقلي للإنسان لا يستمد كتالوج تشغيله من الكتالوجات المترافقة مع التكنولوجيات الحديثة، وإنما يستمده من أوليات الفهم الإنساني الذي بدأت به الحياة الإنسانية على الأرض منذ استخلف الله الإنسان فيها، وهو فهم أبسط بكثير من الارتقاء الذي جاء به الدين في تعاقب مراحله


على هذا النحو من الفهم المستوعِب لآلية كل تغير سياسي؛ يبدو من المستحيل -استحالةَ الصرامة- أن نلجأ في عصر الوعي المتزايد إلى فرض أيديولوجية، أو نفي عنصر من عناصر الهوية، مهما كان العائد المتاح مغريا أو قادرا على الإقناع والتمكين لنفسه.

ذلك أن التكوين العقلي للإنسان لا يستمد كتالوج تشغيله من الكتالوجات المترافقة مع التكنولوجيات الحديثة، وإنما يستمده من أوليات الفهم الإنساني الذي بدأت به الحياة الإنسانية على الأرض منذ استخلف الله الإنسان فيها، وهو فهم أبسط بكثير من الارتقاء الذي جاء به الدين في تعاقب مراحله.

ولا يستقيم فهم الهوية من دون إيمان بهذه البديهية، كما أن الإيمان بها لا يتعارض مع إيماننا العميق بكل ما في إسلامنا (مهما تعددت مذاهبه) من قدرة على صياغة السلام النفسي والمجتمعي.

ولهذا السبب -وبعيدا عن أن نطلب ممن يناقشوننا أن يؤمنوا بقيم الإسلام أو بهويته، بدلا من إصرارهم على تغييبها- فإننا نستطيع أن نقنعهم بصوابها عبر القيم الفلسفية البسيطة والحاكمة التي علمها سقراط لأفلاطون وأرسطو وتلاميذهم.

وهي القيم البسيطة المبسَّطة التي لا تزال قادرة على أن تفصل بين الحق والباطل في كل قضية وكل ميدان، وعلى سبيل المثال فإنه ليس سرا أن كل دعاوى الهويات العلمانية تتهاوى أمام أصول الفلسفة اليونانية القديمة، حتى وإن وجدت من يقتنع بإمكانية تعميمها أو استبدال الإسلام باللجوء إلى ظلها غير الظليل.

المصدر : الجزيرة