محمد عبد الله العريان

محمد عبد الله العريان

كبير المستشارين الاقتصاديين في أليانز وكان رئيسا لمجلس الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما للتنمية العالمية

إذا قلنا إن القمة الأخيرة التي جمعت زعماء مجموعة الدول الصناعية السبع في كندا كانت غير عادية فإننا بهذا لا نوفيها حق قدرها؛ فقد شاب هذا التجمعَ الودي تقليديا -والذي يمكن التنبؤ بنتائجه ويتألف من دول متشابهة الفِكر- تبادلُ الاتهامات والخلاف، الأمر الذي أدى إلى عجزه عن تحقيق الإجماع بشأن البيان الختامي.

ولكن في حين كان المحللون السياسيون متسرعين في الإعلان عن نهاية تماسك وسلامة مجموعة السبع والجدوى منها؛ كانت الأسواق هادئة. والواقع أن النتائج الأطول أجلا ربما تُثبت أن الأسواق كانت مُحقّة، وإن كان الأمر لن يخلو من بعض الشروط المؤهلة.

أوردت التقارير أن المشاركين في قمة مجموعة السبع اشتبكوا بشأن قضايا مثل تغير المناخ وإمكانية إعادة إدخال روسيا في المجموعة. لكن الخلاف الذي حظي بتغطية إعلامية واسعة النطاق يتعلق أساسا بالتأثيرات التجارية بين الأعضاء.

والواقع أن هذه الخلافات -التي تضخمت بسبب الاختلافات المستديمة في حقائق أساسية- أعاقت التقدم في مجالات أخرى كانت ستجتذب قدرا أكبر من الإجماع، بما في ذلك قضية إيران، وبعض القضايا الأخرى المرتبطة بالشرق الأوسط، وكوريا الشمالية، والهجرة، وإغاثة اللاجئين.

ربما يكون غير مستغرَب أن يعلن بعض علماء السياسة نهاية مجموعة السبع. ومع ذلك، عندما فتحت الأسواق أبوابها إثر انتهاء القمة، كانت غير متأثرة على الإطلاق بالتطورات التي حدثت خلالها؛ فمن منظور هذه الأسواق لم تكن قمة مجموعة السبع حدثا مؤثرا في المقام الأول


اتهم ممثلو الولايات المتحدة الدولَ الأعضاء الأخرى في مجموعة السبع بالدخول في ممارسات تجارية غير عادلة، يزعمون أنها ألحقت الضرر بالاقتصاد الأميركي والعمال الأميركيين على نحو غير متناسب.

وقد واجه بقية أعضاء مجموعة السبع -وجميعهم حلفاء تقليديون للولايات المتحدة- الرئيسَ دونالد ترمب بالبيانات التي كانوا يأملون أن تُثبت أن التجارة كانت مفيدة للغاية لجميع البلدان. لكن الولايات المتحدة تمسكت بموقفها.

وفي ظل غياب التنازلات من قِبَل شركائها التجاريين، بما في ذلك المزيد من التبادلية؛ أعلن ممثلو أميركا -على نحو لا لبس فيه- أن الولايات المتحدة قد تفرض تعريفات جديدة على الواردات من كندا والاتحاد الأوروبي واليابان.

يمثل هذا النهج خروجا حادًّا عن الماضي، وصدمة أخرى للمؤسسة ورأي الخبراء. ورغم الاحتياج إلى إدخال تعديلات على العلاقات التجارية، فإن مثل هذه التغييرات كانت ستنفذ في الماضي بطريقة منظمة وتعاونية، وليس تحت ضغوط ثابتة ومتزايدة تتمثل في التعريفات.

وبدلا من ذلك؛ يبدو أن الاقتصادات الكبرى في الغرب الجيوسياسي عازمة على الانخراط في صراع انتقامي على التعريفات، قد يتحول إلى حرب تجارية كاملة النطاق تُلحق الضرر بكل هذه الاقتصادات.

ولكن لم تكن الاقتصادات الغربية الأخرى فقط هي التي دفعت الولايات المتحدة إلى حمل السلاح.

فالآن تلاحق إدارةُ ترمب الصين لحملها على معالجة سرقة الملكية الفكرية والحد من الحواجز غير الجمركية (مثل متطلبات المشاريع المشتركة). وهنا يتفق جميع أعضاء مجموعة السبع الآخرين على أن شكاوى أميركا مشروعة، وأنهم أيضا يتعرضون للضرر والأذى (من الصين).

مع ذلك، ونظرا للصراع على التجارة الداخلية بين الدول السبع؛ فإن المجموعة عجزت عن التوحد لاتخاذ استجابة شاملة ومنسقة في التعامل مع الصين. وأعقب القمة تصعيد للنزاع التجاري بين الصين والولايات المتحدة، مما أدى إلى تفاقم حالة عدم اليقين التي تهدد الآن انتعاش النمو المتزامن، الذي بدأ فعلا يفقد زخمه لعدم كفاية الإصلاحات السياسية في دول عديدة بخلاف الولايات المتحدة.

لقد وجهت قمة مجموعة السبع الفاشلة ضربة علنية للتجمع الذي كان قويا ذات يوم، والذي يواجه بالفعل تحديات عصيبة بسبب إعادة تنظيم الاقتصاد العالمي، وظهور مجموعة العشرين الأكثر تمثيلا، فضلا عن أشكال جديدة من التنظيمات الإقليمية.

وعلى هذا؛ فربما يكون غير مستغرَب أن يعلن بعض علماء السياسة نهاية مجموعة السبع. ومع ذلك، عندما فتحت الأسواق أبوابها إثر انتهاء القمة، كانت غير متأثرة على الإطلاق بالتطورات التي حدثت خلالها؛ فمن منظور هذه الأسواق لم تكن قمة مجموعة السبع حدثا مؤثرا في المقام الأول.

على أحد المستويات؛ يمكن تفسير هذا التباين بحقيقة مفادها أن الاقتتال داخل مجموعة السبع لن يخلف سوى تأثير ضئيل على النمو، وخاصة مقارنة بعوامل مثل السياسة النقدية. ومن جانب أكثر جوهرية؛ كانت الأسواق مهيأة لتأجيل تعديلات الأسعار الكبيرة إلى أن تتوفر أدلة دامغة على حدوث آثار اقتصادية ومالية سلبية.

من منظور الأسواق؛ أثبت انتظار أدلة قوية على وجود تأثير اقتصادي -بدلا من الاستجابة لكل بيان أو حدث- أنه سلوك مربح. ومن المرجح أن يكون هذا هو النهج الصحيح في التعامل مع قمة مجموعة السبع أيضا، وليس فقط لأن تأثير المجموعة على النتائج العالمية تضاءل في السنوات الأخيرة


في السنوات الأخيرة؛ واجهت الأسواق مجموعة ضخمة (ومتوسعة) إلى حد غير عادي من البيانات والمناورات السياسية غير التقليدية. ولكن في القسم الأعظم من الأمر لم تُترجم الخطابة إلى واقع، وأثبتت الإجراءات التي اتُّخِذت أنها ضئيلة الأهمية إلى حد كبير فيما يتصل بالنشاط الاقتصادي وأسعار الأصول.

كان ذلك صحيحا في السجال الخطابي بين ترمب وزعيم كوريا الشمالية كيم جونغ أون العام الماضي، والذي توقع محللون سياسيون أن يؤدي إلى صراع مسلح.

وكانت هذه أيضا حال الرجعية الانتقامية الروسية المتصاعدة، والتي اعتبرها مراقبون مقدمة لحرب باردة جديدة مزعجة، والنجاح الانتخابي الذي أحرزه رافضو أوروبا والأحزاب الشعبوية في الاتحاد الأوروبي، والذي أعلن خبراء أنه قد يؤدي إلى حل الاتحاد الأوروبي.

من منظور الأسواق؛ أثبت انتظار أدلة قوية على وجود تأثير اقتصادي -بدلا من الاستجابة لكل بيان أو حدث- أنه سلوك مربح. ومن المرجح أن يكون هذا هو النهج الصحيح في التعامل مع قمة مجموعة السبع أيضا، وليس فقط لأن تأثير المجموعة على النتائج العالمية تضاءل في السنوات الأخيرة.

فنظرا للعدد الكبير من الروابط الاقتصادية والمالية والمؤسسية والسياسية والاجتماعية (القائمة منذ أمد بعيد بين أعضاء مجموعة السبع وجميعها تعمل كعناصر تثبيت)؛ ربما تتبع قمةَ السبع الأخيرة قمةٌ أخرى أكثر تجانسا وقدرة على البناء.

لم تتلق مجموعة السبع ضربة قاضية؛ فما زال بإمكانها أن تضطلع بدور على المسرح العالمي، وإن كان أقل أهمية. لكن هذا لا يعني أن الكارثة -التي وقعت في قمة كندا- قد تمر بلا ثمن.

فقد خسر أعضاء مجموعة السبع فرصة ثمينة للخروج بمواقف مشتركة بشأن قضايا يمكنهم الاتفاق عليها، واطلعت بقية دول العالَم على أدلة أكثر قوة على أن العلاقات القديمة بين القلب والأطراف (في إطار النظام العالمي)، لم تعد مدعومة -بشكل جدير بالثقة- بالوحدة بين قوى اقتصادية ومالية راسخة. وفي وقت يتسم بقدر كبير من السيولة السياسية والاجتماعية؛ فإن زعزعة استقرار الركائز المتبقية يمثل خطرا يهدد النظام ككل.

المصدر : بروجيكت سينديكيت