نور الدين العويديدي

نور الدين العويديدي

كاتب صحفي تونسي

يجلس العم محمد بن مسعود -صاحب السبعين خريفا- في ذات المكان كل مساء رمضاني، منذ أكثر من عشرين عاما؛ يجلس في المقهى المجاور لبيته مع العديد من أبناء جيله، يتجاذبون أطراف الحديث، ويعدون الدقائق الطوال انتظارا لصوت المؤذن يملأ السماء تكبيرا وتهليلا..

ينتظر العم محمد -في شيء من الخدر فاتر القوى- رشفات قهوة تعيد عليه روحه وتماسك جسمه، الذي هدّته السنون وآلمته الأوجاع..؛ والعرب تقول: من بلغ السبعين اشتكى من غير علة. وما أشد صعوبة انتظار العم محمد لتلك الدقائق الأخيرة الثقيلة من صوم يوم طويل.

لا شيء يُتعب العم محمد في أيام رمضان سوى أسقامه وانتظار القهوة، لا يكاد يعرف جوعا ولا عطشا، ولا يكاد يحفل بشيء آخر سواها.. "تكون عيناي مغمضتين، لا أكاد أرى شيئا، حتى إذا شربت قهوتي كأنما عاد إليّ البصر بعد عمى، واستقرت الروح في موضعها"..؛ هكذا عبّر العم محمد ببلاغة عن شغفه بالقهوة وطول انتظاره لها، فهي تكاد تكون أول ما يدخل جوفه بعد يوم رمضاني طويل.

يشرب العم محمد قهوته وينتشي بها وهو غافل عما رافق تاريخ القهوة من فتاوى وفتن وصراعات. يقول في شأنها الفقيه الجزيري الحنبلي صاحب كتاب "عمدة الصفوة في حِل القهوة" (وقد عاش في القرن العاشر الهجري)، إنها سببت فتنا في مكة والحجاز ومصر وغيرها من بلاد المسلمين


يشرب العم محمد قهوته وينتشي بها وهو غافل عما رافق تاريخ القهوة من فتاوى وفتن وصراعات. يقول في شأنها الفقيه الجزيري الحنبلي صاحب كتاب "عمدة الصفوة في حِل القهوة" (وقد عاش في القرن العاشر الهجري)، إنها سببت فتنا في مكة والحجاز ومصر وغيرها من بلاد المسلمين، حتى إنه روي أن بعض الأمراء أمر بهدم المقاهي وتكسير أواني الشرب وإتلاف حبوب البُنّ ومعاقبة من يشربها.. فكيف كان سيكون حال العم محمد لو عاش -من دون معشوقته- في ذلك الزمان.

بعيداً عن التاريخ وصراعاته وفتنه؛ يتناول العم محمد على عجل "شوربة" رمضان وحبة "بريك"، و"البوريك" من مأكولات بقايا العصر العثماني في تونس، ثم يقوم ليتوضأ ويصلي فرضه، ويخرج سريعا إلى المقهى فيجلس فيه على مهل في متكئه العتيق، يمتص رحيق قهوته وكأنه في خشوع عبادة.. وقد يطول مكوثه في مجلسه، حتى يداعبه فيه شيء من الوَسَن الخفيف، لا تخرجه منه إلا قهوة أخرى بعد العشاء..

رغم أن الإحصاءات القديمة -التي تعود إلى عام 2006- لا تكشف عن ولع خاص للتونسيين بشرب القهوة، إذ تصنف تونس -في معدل استهلاك القهوة- في المرتبة 76 عالميا ضمن نحو مئتيْ دولة؛ فإن للعاصمة تونس شأناً وأي شأن بين مدن البلاد في حب القهوة.. بل الغرام بها..

ومثل العم محمد عشرات آخرون في ذات المقهى وآلاف آخرون في مقاهٍ أخرى كثيرة، ينتظرون أذان المغرب بصبر فارغ.. وحين يؤذّن المؤذن في المسجد غير البعيد يبدؤون إفطارهم بملاعق معدودة من "الشوربة" وحبة "بريك" أو ما يعادلها، ثم يتناولون رشفات قهوة "ترد عليهم العقل والروح".

بين المقاهي والمطاعم والمهرجانات: للمقهى حضوره المركزي في حياة التونسيين سائر العام، ويزداد المقهى أهمية وسطوة كلما حل شهر رمضان الفضيل على الربوع. ومع الطقس شبه الصيفي -الذي تعيشه تونس هذه الأيام- يزداد المقهى قوة وسطوة وجلالا..

في الأحياء الشعبية يعمد صبي المقهى (أي مقهى) كلما مالت شمس النهار نحو الزوال، إلى رش الماء في المكان بما يشعر العابر في الطريق بأن المكان يعد لأمر جلل.. ويُخرج شبان عاملون في المقهى الطاولات البلاستيكية أو الخشبية من مستقرّها وينشرونها صفوفا، ومع كل طاولة كراسيها.. الكراسي تمتلئ عن آخرها وتفيض.. يبدأ امتلاؤها قبل الإفطار.. ثم تخف قليلا، ثم يأتي زحف طلاب القهوة بُعيد الإفطار بنحو نصف ساعة أو أقل قليلا، من كل حارة وزاوية ودرب.

ففي الأحياء الشعبية يكاد المقهى يكون مكان الترفيه الوحيد.. هنا يقضي الكثير من الشباب معظم ليلهم الرمضاني بين سمَر وحكايات شباب ولعب ورق.. وقد لا يعودون إلى البيت إلا قُبيل وقت السحور بقليل.. يلتهمون ما يجدونه أمامهم ثم ينام أكثرهم حتى مطلع النهار.. وقد يستمر بعضهم -من العاطلين عن العمل- في نومعميق حتى قُبيل وقت الإفطار.

في الأحياء الشعبية التونسية يكاد المقهى يكون مكان الترفيه الوحيد.. هنا يقضي الكثير من الشباب معظم ليلهم الرمضاني بين سمَر وحكايات شباب ولعب ورق.. وقد لا يعودون إلى البيت إلا قُبيل وقت السحور بقليل.. يلتهمون ما يجدونه أمامهم ثم ينام أكثرهم حتى مطلع النهار


للأحياء الراقية مقاهيها الراقية أيضا.. هنا تختلف الأسعار اختلافا ظاهرا مُبينا.. ولكن مهما ارتفعت الأسعار وشطت هنا فالرواد كثيرون أيضا.. هنا تحضر أنواع العصائر، وأنواع الشاي باللوز والشاي بحب البندق (الصنوبر)، تزاحم القهوة وتزحزحها قليلا عن عرشها..

وما يلاحظ هو أن سعر فنجان قهوة في مقاهي البحيرة -وهو حي مال وأعمال في الضواحي الشمالية للعاصمة تونس- قد يعادل عشرين ضعفا سعره في مقهى شعبي، في حي التضامن أو حي الانطلاقة في الضواحي الغربية للعاصمة.

وبخلاف مقاهي الأحياء الشعبية -وهي مقاهٍ ذكورية صافية خالصة- يحضر الجنس اللطيف في مقاهي الأثرياء.. وقد تسهر عائلات أيضا في المقاهي وصالونات الشاي. لكن الغالب على هذه النوعية حضور العشاق وأهل المال والجاه، يتسامرون ويستعيدون الذكريات، وقد يعقد الأثرياء منهم الصفقات ويديرون شؤون "البزنس" على رشفات القهوة العذبة.

غير بعيد عن حي البحيرة الراقي -في منطقة حلق الوادي- في الضواحي الشمالية لتونس العاصمة، تتجلى كل ليلة مطاعم السمك الشهيرة تنتظر زوارها الصائمين.. تتزين المطاعم، ويُرش الماء على الأرض العطشى، استقبالا للزائرين..

هنا تحضر العائلات بقوة ويأتي الأصدقاء من الشباب يتناولون إفطارهم.. "شوربة" و"بريك" بالتونة أو بالبيض.. وكأن "الشوربة" و"البريك" من شروط صحة الإفطار في رمضان لدى التونسيين، لا يكادان يغيبان عن منزل أو مطعم، ثم تتعدد بعدهما أنواع السمك مشويا ومطبوخا ومقليا.. وكل امرئ وما حوى جيبه من مال. ويحط القوم رحالهم آخرَ الأمر بعد العشاء في مقهى.. فلا يحلو السمر إلا فيه وبه.

طائفة أخرى من التونسيين تجدهم يتزاحمون بعد الإفطار على المهرجانات، ويحجزون لحضورها تذاكرهم في فترة مبكرة. ويعد مهرجان المدينة من أبرز مهرجانات رمضان في تونس، وهو يقام في المدينة العتيقة بالعاصمة تونس، وفي مبانيها التاريخية الشهيرة أو ساحاتها المفتوحة، وهي ساحات لها ذكرى وتاريخ..

وفيه تتنوع حفلات الطرب والموسيقى، وتتزاوج الألحان والآلات والمقامات الشرقية والغربية. وعادة ما تقصد هذا المهرجانَ العائلاتُ والكهولُ ممن يحبون الطرب الأصيل، ويقل فيه شيئا ما الشباب الباحث عن فن الراب والموسيقى الصاخبة.. وهو واجدها حيث شاء.

الغريب أنك تندهش حيثما حللت في مقاهي الأحياء الشعبية ومقاهي الأثرياء، ومطاعم السمك والمهرجانات الرمضانية والصيفية، إنك تجد أعدادا كبيرة من الناس، وكأن المنازل ألقت أثقالها وتخلت.. أو كأن التونسيين يضيقون بمنازلهم في رمضان فيقضون شطرا عظيما من الليل خارجها، وكأنما عادت إليهم الحياة بعد مَواتٍ، أو كأنهم يرون بيوتهم قبورا فيهربون منها نحو المقاهي، حيث يحلو السهر الممتع حتى مطلع الفجر.

يحضر في مساجد تونس -بعد ثورتها- الشبابُ حضورا لافتا للنظر.. يأتي بعضهم نحو المساجد المعروفة بمقرئيها المشهورين من مسافة أميال بعيدة. يركبون وسائل النقل العام أو سياراتهم الخاصة، أو يأتون مع أصدقائهم وجيرانهم في سيارات مشتركة لأجل الصلاة وذكر الله وتمجيده


عمار المساجد عشاق القهوة
: طائفة أخرى من التونسيين -كثير عددهم- تجدهم يملؤون المساجد في رمضان تعبدا وذكرا وتسبيحا وتهليلا وتهجدا.. يعمرون أوقاتهم بذكر الله وتسبيحه وتمجيده، وتلاوة كتابه العزيز آناء الليل وأطراف النهار..

فبعد صلاة المغرب وتناول ما طاب من طعام وفنجان قهوة منزلي أو في المقهى القريب من البيت؛ تبدأ وفود الرحمن تتقاطر على المساجد التي تزينت لاستقبال روادها استعدادا لصلاة العشاء فالتراويح.. ومن العجيب والباعث للسرور أن ترى المساجد تغص بروادها مهما كبرت واتسع متنها وصحنها.. فلها من العُباد والذاكرين والطالبين الصفح والعفو والغفران من ربهم ما يملأ المساجد ويفيض بركة حتى يملأ ساحاتها.

قُبيل الصلاة تطيّب بيوت الله بالطيب أنواعا وأشكالا، وتفرش الحصر في صحون الجوامع وساحاتها، وتعدّ قناني الماء البارد، انتظارا للمصلين.

ويحضر في مساجد تونس -بعد ثورتها- الشبابُ حضورا لافتا للنظر.. يأتي بعضهم نحو المساجد المعروفة بمقرئيها المشهورين من مسافة أميال بعيدة. يركبون وسائل النقل العام أو سياراتهم الخاصة، أو يأتون مع أصدقائهم وجيرانهم في سيارات مشتركة لأجل الصلاة وذكر الله وتمجيده. وكان الشباب يلقى قبل الثورة التونسية عنتا من النظام السابق، الذي وقف موقفا سلبيا من الصحوة الدينية في البلاد.

بعد الثورة ومع عودة الروح ومجيء الحرية للناس؛ ينصرف كل امرئ إلى ما شاء من مشاغل واهتمامات.. قوم يعمرون المساجد، وآخرون يتبضعون في الأسواق أو يرتادون المطاعم، وآخرون يحضرون المهرجانات.. لكنهم -وقد فرقتهم الاختيارات والمشاغل والأهواء- لا يكادون يلتقون إلا في المقهى..

هنا في المقهى قد يلتقي العم محمد بن مسعود صاحب السبعين خريفا مع وائل الذي يدخل سنته الثامنة عشرة، وقد بدأت تغمر لحيتَه شُعيراتٌ خفيفات تنبئ بدخوله عصر الرجولة.. يلتقون هنا كبارا وصغارا.. نساء ورجالا.. متحررين ومتدينين.. على فنجان قهوة يمتصّون رُضابَه، وكأنهم في جنان من نعيم.

المصدر : الجزيرة