نبيل الفولي

نبيل الفولي

كاتب وباحث مصري

جذور الأزمة
فرصة ومخاطرة 

ثمة حرب صامتة بين الولايات المتحدة الأميركية وباكستان؛ تريد منها الأولى إخضاع حليفتها "المتمردة" وإدخالها بيت الطاعة راغبة أو راغمة، حتى سعت واشنطن مؤخرا -وبكل قوة- إلى إدراج إسلام آباد في قائمة الدول الداعمة للإرهاب.

كما منعت عنها معوناتها الاقتصادية المتعلقة بالجانب الأمني، متهمة إياها بأنها لا تقوم بواجبها في مكافحة الشبكات الإرهابية في بلادها. وأضافت إلى هذه الإجراءات المراقبةَ الصارمة والخاصة لأحوال الحريات الدينية في باكستان. فما حقيقة الحرب التي يشنها الأميركيون على حليفتهم؟ وما أهدافها وجذورها؟

جذور الأزمة
حققت الولايات المتحدة إنجازا تاريخيا بدعم الحرب ضد الاتحاد السوفياتي في أفغانستان عقب غزوه لها عام 1979، فاستطاعت -بدعم حربي ودبلوماسي سخي لمجموعات المجاهدين- أن تُخرج الغزاة منها مهزومين بعد عشر سنوات، وهو ما أسهم -بعد سنوات قلائل- في انتهاء حقبة الحرب الباردة.

تأكد الأميركان في تلك المرحلة من الأهمية القصوى لوجودهم في المنطقة إلى جانب الصين والاتحاد السوفياتي، ومن خطورة غيابهم عن بقعة مزدحمة بالخصوم والمنافسين والفرص الاقتصادية الواعدة، وهو ما كانوا عملوا حسابه منذ عقدوا في أوائل الخمسينيات تحالفا مع دولة باكستان الوليدة حينها، والتي تلقت من واشنطن مساعدات اقتصادية مهمة -لترميم جراح الانفصال عن الهند- مقابل هذا التحالف.

لم يكن ثمة ما ينغص على الأميركيين انتصارهم في الحرب الأفغانية التي شُنَّت نيابة عنهم، إلا ما أبدته باكستان من محاولات الاستفادة من الحرب بعد أن دفعت ثمنا كبيرا لمشاركتها غير المباشرة فيها، بما مثلته مناطقها الحدودية من عمق إستراتيجي لأعمال المجاهدين وملجأ للملايين من ضحايا الحرب.

لم يكن ثمة ما ينغص على الأميركيين انتصارهم على السوفيات في الحرب الأفغانية التي شُنَّت نيابة عنهم، إلا ما أبدته باكستان من محاولات الاستفادة من الحرب بعد أن دفعت ثمنا كبيرا لمشاركتها غير المباشرة فيها، بما مثلته مناطقها الحدودية من عمق إستراتيجي لأعمال المجاهدين وملجأ للملايين من ضحايا الحرب


وفي هذا الإطار سعى الرئيس الباكستاني الأسبق الجنرال محمد ضياء الحق خلال الثمانينيات إلى توظيف أجواء الحرب في دعم جيشه وتطويره، والاستمرار في مشروع بلاده النووي، والحصول على قسط من المساعدات الاقتصادية التي تُقدَّم لمجمل العمليات الحربية ضد الروس.

وقد عوقب الرجل على تطلعاته هذه بمقتله عام 1988 في حادث طائرة، تشير أصابع الاتهام بتنفيذه إلى الأميركيين وحلفائهم. وبذهاب ضياء الحق وعودة باكستان إلى النظام الوزاري والتنافس الحزبي، بدا أن الأمور تسير إلى الأفضل بالنسبة للأميركيين، وأن إسلام آباد صارت أكثر استئناسا من ذي قبل.

إلا أن الصراع بين المجاهدين السابقين في أفغانستان عقب سقوط كابل عام 1992، والتقدم الكبير في البرنامج النووي الباكستاني؛ أديا إلى قلق جديد وكبير للأميركيين.

سعت رئيسة الوزراء الباكستانية الراحلة بينظير بوتو إلى تسكين مخاوف الأميركيين والتأثير في مشروع بلادها النووي، إلا أن المشروع برمته لم يكن تحت سيطرة السياسيين، بل كان -وظل إلى النهاية- مشروعا عسكريا خالصا، حافظ به الجيش على مكانته الخاصة في البلاد بما يمثله من قوة حماية لها من عداوة الجارة النووية اللدود الهند.

ومن جهة ثانية؛ تعاونت بوتو مع واشنطن في تحقيق الاستقرار بأفغانستان؛ إذ كانت حمم الاضطرابات الناجمة عن الصراع الدموي القاسي بين مجموعات المجاهدين السابقين تضر بأمن باكستان ومصالح الولايات المتحدة معا، ومن هنا بزغ نجم حركة طالبان التي ظن الطرفان أنها ستكون لقمة سائغة لهما.

سيطرت طالبان على الأوضاع في أغلب أنحاء أفغانستان منتصف التسعينيات، لكن بدا أن الجار الباكستاني ستكون له أفضلية على الأميركيين في التأثير على حكومة كابل، التي نأت بنفسها عن الأميركيين بحكم طبيعتها الدينية المتشددة.

سبقت باكستان الولايات المتحدة في مساعي السيطرة على الحالة الأفغانية لحسابها الخاص، باستغلال القرب الجغرافي وتواضع الخبرة السياسية لدى رجال طالبان، ولم يكن هذا بالتأكيد في صالح واشنطن التي لن تتنازل برضاها عن وجود مواطئ أقدام ثابتة لها في المنطقة؛ خاصة بأفغانستان.

فرصة ومخاطرة
كانت واشنطن في هذه المرحلة تحاول تحقيق حضور متميز لها في أفغانستان بأي صورة؛ خاصة عبر ملفات تنظيم القاعدة ومكافحة الإرهاب، واتهام طالبان بانتهاك حقوق الإنسان ومعاداة التراث الثقافي الإنساني، وتضخيم كل هذا إعلاميا بصورة مبالغ فيها، فيما يبدو أنه كان انتظارا لفرصة للتدخل المباشر في أفغانستان.

وجاءت أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001 في مدينتيْ نيويورك وواشنطن لتتيح الفرصة أمام الأميركيين لغزو أفغانستان، التي لم تكن -بإيوائها من أشارت إليهم أصابع الاتهام الأميركية- تستحق الغزو العسكري الشرس الذي وقع في العام المذكور، لكنها الفرصة المتاحة للأميركيين للتمركز في المنطقة.

في هذه الأثناء؛ انحنت باكستان -بقيادة الجنرال المنقلب برويز مشرف- للعاصفة الأميركية القوية، ولم يكن في إمكانها أن تفعل إلا هذا؛ بسبب قوة العاصفة أولا، ولأن باكستان كانت حديثة عهد بانقلاب عسكري محتاج لتثبيت قدميه في الحكم. ولذا أعلن مشرف تماهيه تماما مع الحملة الأميركية على أفغانستان؛ حتى يغطي على مساعيه الحثيثة لتثبيت حكمه الثقيل.

في السنوات الأخيرة؛ ظهرت معادلة جديدة أمام باكستان تتمثل في أن الولايات المتحدة تريد أن تصنع من أفغانستان الجديدة حليفا بديلا عنها، وهي مشكلة تبدو بالغة الخطورة -كما هو الحال الآن- حين يحكم أفغانستان نظام غير منسجم مع إسلام آباد، ويفضل الاقتراب من الهند على الاقتراب منها؛ فبهذا تصبح باكستان بين فكيْ كماشة خطرين


عقب الحرب سيطرت القوات الدولية بقيادة أميركا على الأجزاء الرئيسية من أفغانستان، بعد قصف وتدمير مروِّع لم تكْفِ شجاعة مقاتلي طالبان لمنع نتائجه: احتلال أفغانستان مجددا، وظهرت باكستان -التي انطلق منها كثير من الطائرات الحربية حاملةً الدمار لأفغانستان- جزءا من هذا التحالف المدمر.

وبعد أن اتضحت الصورة؛ ظهرت معادلة جديدة أمام باكستان تتمثل في أن الولايات المتحدة تريد أن تصنع من أفغانستان الجديدة حليفا بديلا عنها، وهي مشكلة تبدو بالغة الخطورة -كما هو الحال الآن- حين يحكم أفغانستان نظام غير منسجم مع إسلام آباد، ويفضل الاقتراب من الهند على الاقتراب منها؛ فبهذا تصبح باكستان بين فكيْ كماشة خطرين.

إن الاستقرار الأفغاني -بصورته السابقة- هو صناعة تسعى إليها الولايات المتحدة ويمثل خطورة على باكستان، وتعاون باكستان في الوقت نفسه شرط في تحققه، ومن هنا بدا أن الأوضاع تتحرك في دائرة مفرغة، ولا يُعقَل أن تطالَب باكستان بأن تشارك في الإضرار بمصالحها.

إذن هو الصراع على أفغانستان يدفع بالعلاقات الأميركية الباكستانية إلى أزمات لا تنتهي، وتحاول إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب الضغط -بكل وسائلها- على إسلام آباد لكي تدع واشنطن ترسم الخريطة الأفغانية كما يحلو لها.

وإذا أخذنا في الاعتبار الأيادي الأخرى التي تتدخل في الحالة الأفغانية لصالح حركة طالبان؛ فسنجد لروسيا والصين وإيران أسهما مهمة في هذا، وهو ما قد يفيد بأن الولايات المتحدة لا تريد مجرد تحييد باكستان تجاه أوضاع أفغانستان.

بل إن واشنطن تسعى إلى إشراك إسلام آباد في خنق الحركات المعارضة للنظام الأفغاني المدعوم أميركيا، وهو أمر يمثل -كما سبق قوله- مخاطر على باكستان نفسها، حين تخلو كراسي السلطة في كابل من موالين -أو أصدقاء على الأقل- لإسلام آباد.

المصدر : الجزيرة