خافيير سولانا

خافيير سولانا

الممثل الأعلى لشؤون السياسة الخارجية والأمن لدى الاتحاد الأوروبي سابقا

لقد عادت التعددية القطبية، ومعها عادت المنافسة الإستراتيجية بين القوى العظمى؛ فكانت عودة الصين إلى الظهور وعودة روسيا إلى صدارة السياسة العالمية من الديناميات الدولية الأكثر بروزا في القرن الحالي حتى يومنا هذا.

خلال السنة الأولى من إقامة دونالد ترمب في البيت الأبيض، تزايدت حدة التوترات بين الولايات المتحدة وهاتين الدولتين بشكل ملحوظ. ومع تدهور البيئة السياسية الداخلية في الولايات المتحدة، تدهورت أيضا العلاقات الأميركية مع الدول التي تعتبرها من خصومها الرئيسيين.

عندما تولى الرئيس الصيني شي جين بينغالسلطة قبل ما يزيد قليلا على خمس سنوات؛ طرح فكرة "نمط جديد من علاقات القوى الكبرى" يستند إلى التعاون والحوار، فضلا عن الاحترام المتبادل للمصالح الوطنية.

عندما يحاول ترمب تخويف زعيم كوريا الشمالية كيم جونغ أون عبر التباهي بالقوة العسكرية الأميركية؛ فإن الحقائق تقف في صفه، ولو لمرة واحدة. ذلك أن الإنفاق العسكري الأميركي هو الأعلى في العالم على الإطلاق، ويكاد يعادل ثلاثة أضعاف إنفاق الدولة صاحبة المركز الثاني وهي الصين، وتسعة أمثال إنفاق روسيا صاحبة المركز الثالث


لكن الصين لا تلتزم دوما بما تبشر به عندما يتعلق الأمر بالتعاون، كما تشير له تصرفاتها الأحادية في بحر الصين الجنوبي. وعلى نحو مماثل، تتناقض الخسارة النسبية لنفوذ الهيئة الدبلوماسية الصينية مع التعايش الناشئ بين بينغ وجيش التحرير الشعبي، حتى إن الأول أظهر ميلا مدهشا لارتداء الزي العسكري.

من جانبها؛ غزت روسيا -في العقد الأخير- جمهوريتين عضوين في الاتحاد السوفياتي السابق، كما كان إنفاقها العسكري -كنسبة من ناتجها المحلي الإجمالي- في ازدياد بشكل غير عادي. وفضلا عن ذلك؛ تبادلت الولايات المتحدة وروسيا الاتهامات بشأن انتهاك معاهدة القوات النووية المتوسطة المدى، وهي اتفاقية التسلح الوحيدة التي ظلت سارية المفعول بين الدولتين من عصر الحرب الباردة.

من المنطقي أن نعترف بالتحديات الراهنة، ولكن ينبغي لنا أن نمتنع عن المبالغة في تصوير حجمها. في الأشهر القليلة الفائتة؛ نشرت الإدارة الأميركية ثلاث وثائق مهمة: إستراتيجية الأمن القومي، وإستراتيجية الدفاع الوطني، ومراجعة الموقف النووي.

وكل هذه الوثائق تعتبر الصين وروسيا صراحة من أعظم المخاطر التي تهدد النظام الدولي. لكن التهديد الرئيسي للولايات المتحدة اليوم لا يأتي من الصين أو روسيا؛ بل من قدر هائل من الارتباك والخلط يحيط بسياساتها، بسبب رفض ترمب للنظام الدولي الذي ساعدت الولايات المتحدة في صياغته ودافعت عنه طوال عقود.

من الجدير بالذكر أنه عندما يحاول ترمب تخويف زعيم كوريا الشمالية كيم جونغ أون عبر التباهي بالقوة العسكرية الأميركية؛ فإن الحقائق تقف في صفه، ولو لمرة واحدة. ذلك أن الإنفاق العسكري الأميركي هو الأعلى في العالم على الإطلاق، ويكاد يعادل ثلاثة أضعاف إنفاق الدولة صاحبة المركز الثاني وهي الصين، وتسعة أمثال إنفاق روسيا صاحبة المركز الثالث.

والواقع أن إنفاق الولايات المتحدة على الدفاع يفوق إنفاق الدول الثماني التي تليها مجتمعة، وهي تمتلك الترسانة النووية الأكثر تطورا في العالَم. ولكن رغم تصريحات إدارة ترمب المتكررة (والخرقاء غالبا) عن التفوق العسكري، فإن تصرفاتها تشير ضمناً إلى أن هذا التفوق ليس كافيا.

وتُعَد مراجعة الموقف النووي المثال الأفضل في التدليل على هذا التنافر المعرفي؛ فالمبدأ الأميركي الجديد ينص على زيادة عدد الأسلحة النووية التكتيكية ذات القدرات التفجيرية الصغيرة نسبيا.

ويتلخص الهدف من هذا التدبير في تحييد القدرات الروسية في هذا المجال، وبالتالي "حرمان الخصوم المحتملين من أي ثقة -في غير محلها- بأن محدودية التوظيف النووي قد توفر ميزة مفيدة على الولايات المتحدة وحلفائها". ولكن إذا كانت هذه الثقة في غير محلها حقا، فما الغرض من الاستجابة لها كما لو لم تكن كذلك؟

في تناقض مع وجهة نظر البنتاغون؛ قد يتسبب التطوير الباهظ التكلفة للمزيد من الأسلحة التكتيكية في خفض عتبة الصراع النووي في حقيقة الأمر.

وكما يوضح الخبير روبرت آينهورن -من مؤسسة بروكنجز- فإن مراجعة الموقف النووي تتضمن فقرة أخرى عقيدية قد تخلّف نفس التأثير، وهي العبارة التي تفيد بأن الولايات المتحدة قد تستخدم الأسلحة النووية في الرد على "هجمات إستراتيجية غير نووية"، والتي لم تحدد إلا بشكل غامض.

الأمر الذي ينبغي أن يكون أكثر إزعاجا لأميركا ليس تعددية الأقطاب، التي كانت في تطور منذ مطلع هذا القرن. بل الخطر الأعظم الذي يهدد أميركا هو نسيانها للمبادئ والمؤسسات التي عززت قيادتها العالمية. وإذا استمرت إدارة ترمب في تأكيد سردية المواجهة؛ فسينتهي بها الحال إلى خلق نبوءة ذاتية التحقق


إن خفض العتبة النووية يزيد خطر وقوع كارثة عالمية، وهو الخطر الذي تضعه نشرة علماء الذرة حاليا عند أعلى مستوياته منذ عام 1953. وحتى في ظل الاحتمال البعيد تماما والمتمثل في القدرة على تجنب التصعيد الجامح بعد "توظيف نووي محدود"؛ فإن استخدام سلاح تكتيكي واحد كفيل بتوليد انفجار مماثل للانفجارين اللذين دمرا هيروشيما وناغازاكي.

بعد مرور تسع سنوات منذ ألقى باراك أوباما خطابه الشهير في براغ، والذي التزم فيه بالسعي إلى عالَم خالٍ من الأسلحة النووية؛ لم يعد نزع السلاح يمثل أولوية إستراتيجية للولايات المتحدة (التي ينبغي لها بوصفها القوة الكبرى في العالَم أن تقود الجهود في هذا المجال).

الآن يبدو حصول أوباما على جائزة نوبل للسلام أثرا من الماضي، ولا تخلو الجائزة الممنوحة للحملة الدولية لإزالة الأسلحة النووية في العام الماضي من مفارقة تاريخية حزينة. إذ يبدو أن سباق التسلح الجديد -الذي أعرب ترمب عن دعمه له- يجري على قدم وساق، وإن كان يركز حاليا على تحسين ترسانات الأسلحة وليس زيادة حجمها الكلي.

علاوة على ذلك؛ قدمت إدارة ترمب للتو اقتراح موازنة يقضي بزيادة الإنفاق العسكري في حين يخفض الأرصدة المخصصة لوزارة الخارجية بنحو 25%. ورغم أن الدعم المقدم لهذا الاقتراح في الكونغرس ضعيف، فإن ميزانية ترمب تمثل عرضا آخر من أعراض نفوره من القنوات الدبلوماسية.

وهذا أحد الأسباب وراء التدهور الملحوظ الذي طرأ على صورة أميركا على الصعيد الدولي، ويبدو أن هذا الاتجاه لا يزعج الإدارة الحالية كثيرا. والواقع أن ما يثير انزعاج إدارة ترمب حقا -بعيدا عن إيران وكوريا الشمالية- هو المنافسة الإستراتيجية المتمثلة في روسيا، وقبل كل شيء الصين.

ولكن نظرا للعسكرة الروسية والصينية المتصاعدة، فمن الأهمية بمكان تجنب صب المزيد من الوقود على النار. وصراع القوى العظمى ليس حتميا، ما لم تتصرف هذه القوى وكأنه حتمي.

والحق أن الأمر الذي ينبغي أن يكون أكثر إزعاجا لأميركا ليس تعددية الأقطاب، التي كانت في تطور منذ مطلع هذا القرن. بل الخطر الأعظم الذي يهدد أميركا هو نسيانها للمبادئ والمؤسسات التي عززت قيادتها العالمية. وإذا استمرت إدارة ترمب في تأكيد سردية المواجهة؛ فسينتهي بها الحال إلى خلق نبوءة ذاتية التحقق.

المصدر : بروجيكت سينديكيت