سيدي ولد عبد المالك

سيدي ولد عبد المالك

كاتب وباحث موريتاني متخصص في الشؤون الأفريقية

توجه جديد
الإطاحة بالفاسدين
مؤشرات وأرقام
 

لم يعد الحديث عن الفساد في دوائر السلطة من المحظورات التي كانت سائدة، أو من الموبقات المتعارف عليها في أعراف وتقاليد الأنظمة الأفريقية.

فموضوع محاربة الفساد أصبح يتصدر السياسات الرسمية لبعض الدول الأفريقية، وكانت شعارات محاربته مبررا في الأشهر الأخيرة للإطاحة بزعماء وقادة أفارقة، منهم روبرت موغابي الذي ت رأس زيمبابوي لمدة تزيد على ثلاثة عقود، وجاكوب زوما الخليفة الثاني لنيلسون مانديلا على رئاسة جنوب أفريقيا.

توجه جديد
تتجه أنظمة سياسية أفريقية -في مسار حاسم- للقطيعة مع الفساد، رغم تكلفة الحرب عليه وتبعاتها المحتملة على تفكك بعض هذه الأنظمة، وتتصدر نيجيريا البلدان الأفريقية في الحرب على الفساد منذ وصول رئيسها محمد بخاري إلى السلطة قبل أكثر من سنتين.

فالرجل -الذي كان شعاره في حملته الانتخابية "لا مكان للفساد في ظل حكمي"- استطاع كسر حاجز الخوف ومجابهة الفساد، في بيئة سياسية واقتصادية ومالية موبوءة بكل مفردات الفساد من نهب لأموال الدولة ومحسوبية وغبن؛ ففتح التحقيقات في ملفات خطيرة وأوقف شخصيات نافذة، وأطلق العديد من أجهزة التدقيق والشفافية للحفاظ على الأموال العامة، كما وضع آليات لاسترداد أموال البلاد المهربة للخارج.

أثناء القمة الثلاثين للاتحاد الأفريقي بأديس أبابا (نهاية يناير/كانون الثاني الماضي)؛ كان الفساد الموضوع الأبرز للقمة فعنونت شعارها الرئيسي بـ"الانتصار على الفساد.. مسار مستدام لتحويل أفريقيا"، وحظي الرئيس النيجيري بخاري بلقب "بطل محاربة الفساد" تشجيعا لجهوده


أثناء القمة الثلاثين للاتحاد الأفريقي بأديس أبابا (نهاية يناير/كانون الثاني الماضي)؛ كان الفساد الموضوع الأبرز للقمة فعنونت شعارها الرئيسي بـ"الانتصار على الفساد.. مسار مستدام لتحويل أفريقيا"، وحظي الرئيس النيجيري بخاري بلقب "بطل محاربة الفساد" تشجيعا لجهوده.

وتبدو هذه الخطوات مهمة في حد ذاتها لكونها تجسد التزاما أخلاقيا من القادة الأفارقة بدحر الفساد، وتُنهي عقدة الحديث الرسمي عنه في قارة ينخر الفساد اقتصاديات دولها ويعبث بمقدراتها، ويضعف أداء حكوماتها على المستوى الاجتماعي والتنموي.

فمجرد الحديث عن الفساد ومناقشة ملفاته في أكبر هيئة جامعة للأفارقة يُعدّ خطوة ذات دلالة معتبرة، على طريق محاربة داء كان الحديث عنه على مستوى القادة يعتبر من المحظورات.

وموازاة مع هذا الحراك؛ اعتمدت حكومات أفريقية عديدة -طوال السنوات الأخيرة- سياسات تهدف للقضاء على الفساد ومحاصرة بؤره، عبر تبني سياسات حكومية تقوم على الحكم الراشد، والمصادقة على مبادرة الشفافية في الصناعات الاستخراجية.

وتُلزم هذه المبادرة الدول الأعضاء فيها بإصدار تقارير دورية مفصلة عن مجمل العلميات المتعلقة بهذه الصناعات، بدءاً باستخراج الموارد، ومرورا بحلقات منح الرُّخَص للشركات المنقِّبة والإجراءات الضريبية والكميات المنتَجة، وانتهاءً بتحديد أوجه صرف الموارد المالية المتأتية من هذه الصناعات.

الإطاحة بالفاسدين
في الأشهر الأربعة الأخيرة؛ استقال رئيسان أفريقيان ورئيس حكومة على خلفية أزمات سياسية كانت قضايا الفساد في صدارتها، فجيش زيمبابوي تحجَّج بالفساد مبررا رئيسيا لإزاحة الرئيس روبرت موغابي عن السلطة بعد حكم زاد على ثلاثة عقود، واعتقال شخصيات نافذة على رأسها إغناتيوس تشومبو آخر وزير مالية في حكم موغابي.

قد تُفهم مبررات جيش زيمبابوي للحرب على الفساد ضمن سياسة التخلص اللبق والهادئ من رئيس خرِف، بدأ يُدار من زوجة مغرورة ومتهورة بعد أن صارت ظروفه الصحية والبدنية لا تؤهله لقيادة البلد، وبعد اتساع الهوة بينه وبين رفاقه الذين يستمدون شرعيتهم التاريخية من نفس المنبع الذي يستمد منه موغابي، أي شرعية النضال لتحرير الوطن.

صحيح أن شعار الحرب على الفساد في زيمبابوي شعار جذاب ومغرٍ لاستدرار عواطف الشعب، في بلد أكد تقرير صادر عن منظمة الشفافية الدولية سنة 2016 أنه يخسر سنويا بليون دولار بسبب الفساد؛ لكن الفساد لم يكن القضية المركزية الحقيقية وراء إزاحة موغابي عن السلطة.

قد تكون تصفية الحسابات بين زوما ورامافوسا (نائبه السابق المستقيل) من الدواعي التي عجلت الإطاحة بالأول، لكنّ هناك تفسيرا آخر قد يكون الأقرب للمنطق والأكثر انسجاما مع الواقع؛ فالمرحلة التي وصل إليها الفساد في عهد الرئيس زوما تعتبر سابقة وخطيرة في تاريخ بلد يعاني من تحديات اقتصادية جوهرية


فبقاء موغابي في السلطة بات يشكل مصدر قلق وإزعاج للنواة الصلبة داخل منظومة السلطة، ويمثل تهديدا حقيقيا لطموحات ومصالح جيل التأسيس بعد التقلص التدريجي لنفوذه وهيمنته على المشهد، مقابل صعود جيل جديد تتزعمه غريس موغابي، التي هيأت نفسها بديلا محتملا لزوجها في السلطة.

جنوب أفريقيا -وهي الجارة الجنوبية لزيمبابوي- شهدت أيضا سجالا سياسيا بعنوان الفساد داخل معسكر الحكم، وقد أفضى أخيرا إلى استقالة الرئيس جاكوب زوما من منصبه، تحت طائلة التهديد بسحب الثقة منه من قبل أغلبية حزب المؤتمر الوطني الأفريقي الحاكم -الذي ينتمي إليه- في البرلمان.

لا مجال للمقارنة بين جنوب أفريقيا وزيمبابوي في جوانب كثيرة، لعل من أبرزها حيوية المشهد السياسي في الأولى ووجود دينامية ديمقراطية تسمح بالتناوب السلس على السلطة بشكل شفاف ونزيه.

فقد كان بإمكان حزب المؤتمر الوطني الصبر على زوما حتى إكمال مأموريته منتصف سنة 2019، خاصة أن الرجل أصبح مجردا من أهم وسائل التأثير السياسي بسبب تراجع شعبيته، وهزيمة الجناح الداعم له -بقيادة زوجته الأولى نكوسازانا دلاميني زوما- أمام الجناح الذي يترأسه سيريل رامافوسا في الرهان على تولي منصب رئاسة الحزب.

قد تكون تصفية الحسابات بين زوما ورامافوسا (نائبه السابق المستقيل) من الدواعي التي عجلت الإطاحة بالأول، لكنّ هناك تفسيرا آخر قد يكون الأقرب للمنطق والأكثر انسجاما مع الواقع؛ فالمرحلة التي وصل إليها الفساد في عهد الرئيس زوما تعتبر سابقة وخطيرة في تاريخ بلد يعاني من تحديات اقتصادية جوهرية، ويُتوقع أن يتراجع نموه الاقتصادي لهذا العام إلى حدود 1%.

كما أن زوما أصبح يشكل سرطانا سياسيا لحزب تقوم مرجعيته وأدبياته على تمجيد العدالة الاجتماعية، ونبذ الفساد والتحسين من أوضاع الطبقات الهشة والفقيرة.

مؤشرات وأرقام
فالحزب الذي شكّل أملا للأغلبية السوداء التي ناضلت جماهيرها تحت رايته سنوات الجمر، أثناء مواجهة نظام الأقلية العنصرية البيضاء التي حكمت في حقبة الفصل العنصري؛ أصبح يواجه امتحانات سياسية صعبة تتجسد في تراجع المصداقية وتآكل الرصيد الانتخابي. ولذا من الطبيعي أن تكون ممارسات زوما -وهو المتهم في 783 قضية فساد- من أهم مصادر نقمة الشعب على الحزب والسلطة معا.

وتدْخلُ في نفس السياق استقالةُ رئيس الوزراء الإثيوبي السابق هيلاميريام ديسيلين. فلئن كان عجزه عن السيطرة على الاضطرابات السياسية -التي تعيشها البلاد منذ ثلاث سنوات- أحد موجبات استقالته؛ فإن فشله في تحقيق نتائج إيجابية من الحرب على الفساد -التي أسقطت وزير ماليته قبل أكثر ستة أشهر- يدخل ضمنيا في خانة تفسيرات الاستقالة المفاجئة للرجل.

أفاد آخر تقرير للجنة الاقتصادية للأمم المتحدة المكلفة بأفريقيا بأن أفريقيا تخسر سنويا حوالي 25% من الناتج المحلي الخام للدول الأعضاء بسبب الفساد، مشيرا إلى أن خزائن حكومات الدول الأفريقية تفقد سنويا ما قدره 148 مليار دولار بسبب الفساد


تحتل دول أفريقيا المراتب المتدنية في مؤشر الشفافية الدولية، وفق التقارير الدورية التي تصدرها المؤسسات المتخصصة في هذا المجال. فحسب تقرير الشفافية الدولية لعام 2017 -الذي صدر حديثا- فقد تمكنت خمس دول أفريقية فقط من تجاوز مؤشر مدركات الفساد بحصولها على نتائج تفوق 50 نقطة من أصل 100، وهي بوتسوانا وجزر الرأس الأخضر وموريشيوس وروندا وناميبيا.

وأفاد آخر تقرير للجنة الاقتصادية للأمم المتحدة المكلفة بأفريقيا بأن أفريقيا تخسر سنويا حوالي 25% من الناتج المحلي الخام للدول الأعضاء بسبب الفساد، مشيرا إلى أن خزائن حكومات الدول الأفريقية تفقد سنويا ما قدره 148 مليار دولار بسبب الفساد.

وحسب نشرية للبنك الدولي؛ فقد ساهم الفساد في تحويل 400 مليار دولار من أموال القارة السمراء إلى حسابات وعقارات في الخارج، منها 100 مليار دولار متأتية من نيجيريا لوحدها.

وتشير نفس النشرية مثلا إلى أن الرئيس الراحل موبوتو سيسي سيكو -الذي حكم الكونغو الديمقراطية (زائير سابقا)- خلال 1965-1997 نهب خمسة مليارات دولار من أموال الشعب، أي ما يعادل ساعتها قيمة الدين الخارجي للبلاد.

وكشفت أن دكتاتور نيجيريا السابق العسكري ساني أباشا اختلس -هو والزمرة الحاكمة معه- حوالي 2.2 مليار دولار، في بلد يعيش 70% من مواطنيه تحت معدل دولار أميركي واحد يوميا.

المصدر : الجزيرة